شاعر من شعراء بلاط هارون الرشيد، أجداده عرب من قبيلة حنيفة باليمامة، كانوا استقروا فى خراسان، ومع ذلك فإن الدماء الفارسية كانت تغلب عليه. وهو خال إبراهيم الصولى. ولقد صحب الرشيد فى حملاته على خراسان وأرمينية. ولما توفى حوالى عام ١٩٢ هـ (٨٠٨ م) عهد إلى المأمون بالصلاة عليه. ولكن المسعودى يعطينا رواية أخرى عن خاتمة هذا الرجل؛ كما تذكر بعض الروايات أنه عاش بعد وفاة الرشيد.
وكل شعره فى الغزل والنسيب، أما أسلوبه فيميل إلى الصناعة والبعد عن الطبيعة. ولقد بزه معاصره أبو نواس وأطفأ شهرته، ولكنه مع ذلك كان يفوق أبا نواس فى شخصيته وسلامة ذوقه، وطُبع ديوانه مع ديوان ابن مطروح (الآستانة ١٨٨٨ م) وبه ترجمة للشاعرين اعتمد فيها على ابن خلكان.
المصادر:
(١) ابن خلكان، طبعة فستنفلد Wustenfeld رقم ٣١٩.
(٢) الأغانى، جـ ٨، ص ١٥ وما بعدها.
[ ١ / ١٢٢ ]
(٣) ابن قتيبة: كتاب الشعر، طبعة ده غويه de Goeje، ص ٣٦٣، ٥١٨، ٥٢٥ - ٥٢٧.
(٤) المسعودى: مروج الذهب، الفصل ١١٧.
(٥) Geschichte etc.: Brockelmann جـ ١، ص ٧٤ وما بعدها، ص ٥١٤.
[ت. هـ. فاير T. H. Weir]
تعليق على مادة "ابن الأحنف"
أوجز الكاتب فى تحليل شعر ابن الأحنف ونقده؛ ومن المهم أن نضيف إلى كلامه هاتين الخصيصتين:
الأولى - وقوف ابن الأحنف عند غزل المؤنث فى عصر أبى نواس حين كان النسيب يفيض بالكلام عن الغلمان، حتى ليصعب أن نجد شاعرا خلا شعره من غزل المذكر.
الثانية - قصر الهوى على محبوبة واحدة هى "فوز" فى عصر كان الهوى فيه من عبث النفس والقول، وكان الشعراء يغرمون بالطواف العابث فى رياض الجمال.
أما الناحية التى غلبت على شعره فهى الإشادة بفضل الكتمان، وكنت أنتظر أن يقول القدماء "كتمان ابن الأحنف" كما قالوا "خيال البحترى" لإكثاره من الحديث عن الطيف.
وشعر ابن الأحنف فى الكتمان كثير جدًا، وهو يفتن فيه افتنانا عجيبا، وإليك هذين البيتين:
قد سَحَب الناس أذيال الظنون بنا وفرّق الناس فينا قولهم فرقا
فجاهل قد رمى بالظن غيركمو وصادق ليس يدرى أنه صدقا
وفى شرح شواهد ابن عقيل للعدوى (ص ٢٢ طبع الحلبى) أن ابن الأحنف مات هو وإبراهيم الموصلى والكسائى النحوى فى يوم واحد، فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلى عليهم فصفوا بين يديه فقال: من هذا الأول؟: قالوا: إبراهيم الموصلى. فقال: أخروه، وقدموا العباس بن الأحنف: فقدم فصلى عليه. فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعى فقال: يا سيدى! كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقدمة على من حضر؟ فأنشد المأمون:
[ ١ / ١٢٣ ]
وسعى بها ناس فقالوا إنها لهى التى تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون ظنك غيرهم إنى ليعجبنى الحب الجاحد
وإن صحت هذه الرواية كان ذلك دليلا على أن القدماء تنبهوا إلى فضل كلامه فى الكتمان.
وكان لشعر ابن الأحنف ذكر عند علماء البلاغة حين يتكلمون عن الرقة والجزالة، واختار له أبو الهلال العسكرى ثلاثة أبيات (انظر الصناعتين، ص ٤٤، طبع الآستانة).
ويمكن أن يقال إنه فى العصر العباسى كعمر بن أبى ربيعة فى العصر الأموى، فكلاهما قصر شعره على النسيب وتنزه عن المدح والهجاء. والفرق بينهما أن ابن أبى ربيعة عابث، أما ابن الأحنف فكان من المتيمين.
وفى زهر الآداب كلمة نفيسة فى وصف شمائل ابن الأحنف (يجدها القاريء فى ص ٨٥، ٨٦، جـ ٤).
زكى مبارك
+ وابن الأحنف، عباس أبو الفضل شاعر غزل من شعراء العراق توفى فيما يظهر بعد عام ١٩٣ هـ (٨٠٨ م) وتنتسب أسرته إلى عشيرة حنيفة العربية، من كورة البصرة، ولكنها نزحت إلى خراسان. ومع ذلك فإن أباه عاد إلى البصرة فيما يبدو، وهناك توفى على ما يقال سنة ١٥٠ هـ (٧٦٧ م؛ انظر الخطيب البغدادى، ص ١٣٣).
ولد العباس حوالى ١٣٣ هـ (٧٥٠ م) ونشأ فى بغداد (ولا بد أن يكون هذا هو معنى الفقرة التى أوردها ابن قتيبة، ص ٥٢٥، وكلمات الصولى التى استشهد بها الخطيب، ص ١٢٨، وكلمات الأخفش التى رددها الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٣٥٣). ونحن لا نعلم شيئا عن أيام مراهقته ولا عن دراساته. ولا شك فى أنه بدأ يقرض الشعر فى سن مبكرة جدا، وشاهد ذلك حديث بشّار (المتوفى سنة ١٦٧ هـ = ٧٨٣ م) عن أول ما قال من الشعر ونعته إياه بالفتى أو الغلام (الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٣٥٥ وما بعدها؛ الخطيب، ص ١٣٠). وكل ما نعلمه عن تفصيلات حياته يظهره فى ثوب المقرب إلى الخليفة هارون الرشيد، على أن
[ ١ / ١٢٤ ]
الرشيد لم يتخذه مداحا له بقدر ما اتخذه نديما يسامره فى ساعات فراغه. ومن الثابت فيما يبدو أن الشاعر صحب الرشيد فى حملاته على خراسان وأرمينية، ولكن الحنين إلى الوطن غلبه فأذن الخليفة له بالعودة إلى بغداد (الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ١، ص ٣٧٢). وكانت للعباس أيضا صلة بكبار عمال الدولة من البرامكة، وخاصة يحيى بن جعفر (الأغانى الطبعة الثالثة، جـ ٥، ص ١٦٨، ٢٤١). ونستطيع أن نذهب إلى أن بعض السيدات من حريم الخليفة كن يستحسن كثيرا أشعار ابن الأحنف مثل أم جعفر التى أجزلت له العطاء (الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٣٦٩). وقد رفع من مكانته رضى أصحاب السلطان عليه، وشاهد ذلك أن ابن أخته إبراهيم الصولى المتوفى سنة ٢٤٣ هـ (٨٥٧ م) وهو شاعر أيضا، كان كاتبا (انظر عنه المسعودى: المروج، جـ ٧، ص ٢٣٧ - ٢٤٥؛ الخطيب، ص ١٢٩؛ ويلاحظ أن إبراهيم كان عم أبى بكر الصولى المشهور. ولم يصل إلينا شئ تقريبا عن صلات ابن الأحنف الأدبية. والظاهر أنه كان على صلة سيئة بمُسلم بن الوليد (الخطيب، ص ١٢٨) وأبى هذيْل العلاف المعتزلى (الأغانى، جـ ٥، ص ٣٥٤).
وتروى روايات مختلفة فى وفاته، فقيل إنه توفى سنة ١٨٨ هـ (٨٠٣ م؛ الأغانى جـ ٥، ص ٣٥٤) وكرر الخطيب (ص ١٣٣) رواية الأغانى؛ وقيل أيضا سنة ١٩٢ هـ (٨٠٧ م؛ الخطيب، ص ١٣٣، وياقوت، جـ ٤، ص ٢٨٣)؛ وقيل أن وفاته وقعت بعد عام ١٩٣ هـ (٨٠٨ م) كما فى رواية صديق له يقال إنه لقيه فى بغداد بعد وفاة الرشيد التى حدثت فى السنة نفسها (الخطيب، ص ١٣٣؛ ابن خلكان). ويحتمل أن سنه كانت وقتذاك حوالى الستين. ويقال إنه توفى وهو فى طريقه إلى الحج ودفن بالبصرة (الخطيب، ص ١٣٢ - ١٣٣؛ المسعودى، جـ ٧، ص ٢٤٧).
وقد جمعت آثار ابن الأحنف بعد وفاته على يد "زُنْبُور، ثم جمع أبو بكر الصولى المختار منها (الفهرست، ص ١٦٣، ١٥١)، وترجم الصولى لابن الأحنف أيضا (المصدر المذكور،
[ ١ / ١٢٥ ]
ص ١٥١) ترجمة استخدمها بإفاضة أبو الفرج الإصفهانى فى ما كتبه من أخبار ابن الأحنف. وليست بين أيدينا معلومات عن الروايات فى شعره التى انتشرت فى خراسان فى حياة عبيد الله بن طاهر المتوفى سنة ٣٠٠ هـ (٩١٢ م؛ انظر الأغانى، جـ ٨، ص ٣٥٣) ولا يستطيع المرء أن يستبعد الفرض الذى يذهب إلى أن أبياتا لشعراء مجهولين قد ضمت إلى هذه الروايات عن خطأ. (انظر التفصيل الذى ذكره المرْزبانى، ص ٢٩٢). ومهما يكن من شئ فإن ياقوت (جـ ٤، ص ٢٨٤) يشير إلى أن مخطوطات عصره كانت متضاربة. وآثار ابن الأحنف محفوظة فى مخطوطين اثنين من المختار الذى صنعه الصولى. وقد اعتمدت طبعة استانبول التى تشوبها المآخذ على مخطوط ثالث لعله مفقود (طبعة إستانبول سنة ١٢٩٨ هـ = ١٨٨٠ م، وقد صدرت صورة منها طبق الأصل فى القاهرة - بغداد سنة ١٣٦٧ هـ = ١٩٤٧، انظر Diwan d'al Abbas b. al-Ahnaf: A Khursaji رسالة قدمت إلى كلية الآداب، باريس سنة ١٩٥٣). والمجموعة الموجودة من شعره قطع قصيرة فى معظمها، وربما كان بعضها مجرد مقتطفات من قصائد طويلة.
وكان العباس بن الأحنف -كما أجمع كتاب سيرته المسلمون- لا يقول الشعر إلا فى غرض واحد هو الغزل (وانظر مثلا ابن قتيبة، ص ٥٢٥؛ الفهرست، ص ١٣٢؛ الأغاني، الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٣٥٢). ويؤيد ذلك القطع التى بقيت بين أيدينا من شعره. فهو يظهر فيها ناسجا على منوال شعراء الحجاز أى عمر بن أبى ربيعة بعامة، وجميل والأحوص والعرجى بخاصة، وهم الذين كانت نزعات مدرستهم قد بدأت تستقر فى آثارهم وتتخذ قالبا مقررا. وعاد يظهر فى أشعار ابن الأحنف ذلك النهج النفسى للمحب الخاضع، بل بدت أيضا تلك الشخصيات المتوهمة للرقيب والواشي. وقد صورت المرأة التى يشيد بها فى صورة وقفت عند نمط معين، حتى إننا لنعجز عن القول: هل يعمد الشاعر إلى مجرد الجمع بين قوالب جامدة أم هو ينبعث من تجربة حقيقية. وليست كل
[ ١ / ١٢٦ ]
أشعاره مع ذلك تعبيرا عن الحب المثالى، إذ نحن نجد فيها (الديوان، طبعة استانبول، ص ١٤٨ - ١٥٠) عربدة مع قيان. وعلى كل فإن شعر ابن الأحنف على طرفى نقيض مع شعر أبى نواس الذى يشيع فيه التمجيد الشهوانى لمحبوبه. وفن العباس يغلب عليه التقليد وإلهامه يبعث الملالة فى النفس. على أنه يتحاشى فى أسلوبه المحسنات البلاغية التى لا غناء فيها، ولغته تشبه لغة أبى نواس فى بساطتها وتدفقها مع البعد عن الابتذال والإسفاف.
ولا يمكن أن ننسب رواج شعر العباس من أول الأمر إلى مجرد وجود أثر هلينى فيه أو إلى توقير لسنة عربية قديمة فحسب، بل يجب أن نضع فى الاعتبار أيضا المجتمع الذى عاش فيه الشاعر، ذلك أن أشعار العباس قد تردد فيها نزوع الرشيد إلى الفنون وذوق نساء البلاط فكانت بذلك مادة مهيئة للملحنين والمغنين مثل إبراهيم الموصلى (انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٦، ص ١٨٢؛ جـ ٨، ص ٣٦١، ٣٥٤ - ٣٥٦. على أن الرضا عليها من قبل أدباء كالجاحظ وابن قتيبة والمسعودى، ومحب للموسيقى مثل الخليفة الواثق، ورجل من الظرفاء مثل أبى بكر الصولى، ثم رجل صارم الخلق مثل سلمة بن عاصم (انظر ابن قتيبة: الشعر، ص ٥٢٥ وما بعدها، وخاصة الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٣٥٤ وما بعدها) ليدل على أن هذه الآثار الشعرية كان من الممكن أن يستحسنها جمهور له أذواق شتى.
ومن العسير أن نحدد مكانة العباس بن الأحنف فى تاريخ الشعر العربى. هاذا كانت الأندلس الإسلامية قد قدرت هذا الشاعر المشرقى (انظر ابن حزم: طوق الحمامة، طبعة Bercher، ص ٢٨٥؛ La Poesie and alouse en arabe clas-: Peres sique au Xle siecle ص ٥٤، ٤١١) فإن المرء قد يجد فيه شاعرا من الشعراء الذين أثروا فى شعر الغزل الذى كانت تقدره هذه البلاد تقديرا عظيما. ومن ثم يكون شأنه فى تطور هذا الضرب من الشعر على أعظم جانب من الأهمية. وقد حاول نقاد من المشارقة حديثا مثل
[ ١ / ١٢٧ ]
فريد رفاعى والبهبيتى أن يكشفوا عما يمكن أن يبقى له قيمة خالدة فى شعر العباس. وقد وضع هل Hell وتورى Torrey فى دراستين ثاقبتين الشاعر فى بيئته ولاحظا أثره فى الأدب العربى.
المصادر:
(١) ابن قتيبة: الشعر، طبعة ده غويه: ص ٥٢٥ - ٥٢٧.
(٢) المسعودى: المروج، جـ ٧، ص ١٤٥ - ١٤٨.
(٣) الأغانى، الطبعة الثالثة، فى مواضع مختلفة، جـ ٨، ص ٣٥٢ - ٣٧٢.
(٤) المرزبانى: الموشح، ص ٢٩٠ - ٢٩٣.
(٥) الفهرست، ص ١٣٢، ١٥١، ١٦٣.
(٦) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد، جـ ١٢، ص ١٢٧ - ١٣٣.
(٧) ياقوت: إرشاد الأريب، جـ ٤، ص ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٨) ابن خلكان، رقم ٣١٩ (ناقلًا عن الخطيب والمسعودى).
(٩) فريد رفاعى: عصر المأمون، جـ ٢، ص ٣٩٣ - ٣٩٩.
(١٠) البهبيتى: تاريخ الشعر العربى القاهرة سنة ١٩٥٠ م، ص ٤٠١ - ٤٠٦.
(١١) Al- Abbus i. Al-Ahmaf: J.Hell - der Minnsanger am Hofe Harun Al Rashids فى Islamica، سنة ١٩٢٦ م، ص ٢٧١ - ٣٠٧.
(٢) The history of: C. C. Torrey Al-Abbas b. Al-Ahnaf and his fortunate verses فى. D. S. A سنة ١٨٩٤ م. ص ٤٣ - ٧٠.
(١٣) Gesch der Arab.: Brockelmann Litt جـ ١، ص ٧٤، قسم ١، ص ١١٤.
خورشيد [بلاشير R.Blachere]
[ ١ / ١٢٨ ]