على بن العباس بن جُرَيْج: شاعر عربى، ولد فى بغداد عام ٢٢١ هـ (٨٣٦ م). ونستدل من كنيته ومن اسم جده أنه ينتسب إلى بلاد البوزنطيين (الروم). وكانت مواهبه الشعرية سببا فى شهرته؛ وجر عليه هجاؤه عداوة الكثيرين وعلى الأخص وزير المعتضد، القاسم بن عبد الله حفيد سليمان بن وهب. ويقال إن هذا الوزير تخلص من ابن الرومى بأن دس له السم عام ٢٨٣ هـ (٨٩٦ م). ولسنا نعرف تاريخ وفاته على التحقيق لأنه يذكر لوفاته كذلك عاما ٢٨٤ هـ و٢٧٦ هـ. وقد خلف ديوانا كبيرا جمعه ورتبه الصولى.
المصادر:
(١) ابن خلكان: وفيات، طبعة فستنفلد، رقم ٤٧٤.
(٢) العباسى: معاهد التنصيص، ص ٥١ - ٥٧، وانظر فيما يختص بسجنه: بهاء الدين العاملى. الكشكول، ص ٥٨.
(٣) عباس محمود العقاد: ابن الرومى، القاهرة ١٩٣١.
(٤) Geschichte etc.: Brockelmann جـ ١، ص ٧٩ - ٨٠.
[ ١ / ٢٠٨ ]
تعليق على تاريخ وفاة ابن الرومى
يقول ابن خلكان فى تاريخ وفاة ابن الرومى: "توفى يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل ست وسبعين ومائتين، ودفن فى مقبرة باب البستان" فأى هذه التواريخ هو الأصح؟ إن الذين جاءوا بعد ابن خلكان تابعوه فى هذا الشك الذى لا مسوغ له اعتمادا على روايته بغير بحث، لأن ابن الرومى أثبت لنا أنه بلغ الستين وعاش إلى ما بعد سنة ثمانين، إذ يقول:
طربت ولم تطرب على حين مطرب وكيف التصابى بابن ستين أشيب
فهو لم يمت فى سنة ست وسبعين على التحقيق. ولو راجع ابن خلكان كتاب مروج الذهب للمسعودى لعرف منه أن ابن الرومى كان حيا بعد ست وسبعين، فلا محل للقول بموته فى للك السنة. فمن المحقق إذن أن ابن الرومى تجاوز سنة ست وسبعين، ولم يبق لنا إلا أن نبحث فى السنتين الأخريين، أى سنتى ثلاث وأربع وثمانين. فعندنا تاريخ اليوم والشهر من أولاهما وليس عندنا مثل ذلك من الثانية، وهذا مما يرجع وفاته فى سنة ثلاث وثمانين دون أربع وثمانين. ويقوى هذا الترجيح أن مضاهاة التواريخ تثبت لنا أن جمادى الأخرى من سنة ثلاث وثمانين بدأت يوم جمعة فيكون يوم الأربعاء قد جاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى فى للك السنة كما جاء فى تاريخ الوفاة. وقد ضاهينا هذا اليوم على التاريخ الإفرنجى فوجدناه يوافق الرابع عشر من شهر يونيو، أى يوافق إبان الصيف فى العراق، وابن الرومى مات فى الصيف كما يؤخذ من قول الناجم إنه دخل عليه فى مرضه الذى مات فيه وبين يديه ماء مثلج، فيجوز لنا على هذا أن نجزم بأن أصح التواريخ هو التاريخ الأول، وهو يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين".
والأقوال مجمعة على موت ابن الرومى بالسم، وأن الذى سمه هو القاسم بن عبيد الله أو أبوه، ولكن الروايات فى هذا الخبر لا تخلو من ضعف واضطراب. فالرواية التى أوردها ابن خلكان تقول: "إن الوزير أبا
[ ١ / ٢٠٩ ]
الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان ابن وهب وزير الإمام المعتضد كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه بالفحش، فدس عليه ابن فراش فأطعمه خشكنانجة مسمومة وهو فى مجلسه، فلما أكلها أحس بالسم فقام فقال له الوزير: إلى أين تذهب؟ فقال: إلى الموضع الذى بعثتنى إليه، فقال له: سلم على والدى. فقال له: ما طريقى على النار .. ".
وضعف هذه الرواية ظاهر، لأن عبيد الله بن سليمان مات فى سنة ثمان وثمانين، أى بعد آخر تاريخ فُرض لموت ابن الرومى بأربع سنوات فكان حيا عند وفاة الشاعر، ولا معنى لأن يقول له القاسم: سلم على والدى، ووالده بقيد الحياة.
بين هذه الشبهات المتضاربة شبهة تعرض للذهن ولا يجوز إغفالها فى هذا المقام وهى تبيحنا أن نسأل: ألا يحتمل أن يكون حديث السم كله خرافة مخترعة لا أصل لها، وأن ابن الرومى مات ميتة تشتبه أعراضها بأعراض التسمم المعروفة فى زمانه؟ فمن كلام الناجم الذى زاره فى مرض وفاته نعلم أنه كان يشكو من إلحاح البول وأنه كان أعد ماء مثلوجا، والظمأ وإلحاح البول عرضان من أعراض "مرض السكر" وهو مرض يحدث لصاحبه التسمم ولاسيما بعد أكل الحلوى والإفراط فيها، وابن الرومى لم تكن تنقصه أسباب الإصابة به لأنه كان منهوما بالحلوى والأطعمة الثقيلة مستسلما للشهوات مسرفا فى الشراب مع ضعف أعصابه واعتلال جسمه، فمن الجائز أنه أصيب به فاشتد عليه فى شيخوخته وفصده الطبيب كما جاء فى رواية "زهر الآداب" فأودى ذلك بحياته.
عباس محمود العقاد