(بطوطة) محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم أبو عبد الله اللواتى الطنجي: رحالة ومصنف عربي، ولد فى ١٤ رجب عام ٧٠٣ هـ (٢٤ فبراير ١٣٠٤) فى طنجة. بدأ بالحج إلى مكة عام ٧٢٥ هـ (١٣٢٥ م) عن طريق شمالى إفريقية فمصر العليا فالبحر الأحمر. ولم يستطع أن يجد هناك وسيلة آمنة لعبور البحر فعاد أدراجه ووصل إلى غايته عن طريق الشام وفلسطين، ومن مكة اخترق العراق، ثم زار بلاد العجم، كما زار الموصل وديار بكر، وزار مكة للمرة الثانية وقضى فيها عامى ٧٢٩ و٧٣٠ هـ. وذهبت به رحلة ثالثة إلى جنوبى بلاد العرب فإفريقية الشرقية وعاد منها إلى الخليج الفارسى، ومن هرمز رجع إلى مكة ثم عاد إلى آسية الصغرى وبلاد القريم عن طريق مصر والشام؛ وزار القسطنطينية فى حاشية الأميرة اليونانية زوجة السلطان محمد أوزْبك. ومن الفلجا اخترق خوارزم وبخارى وأفغانستان فى طريقه إلى الهند، وولى القضاء فى دهلي، واشترك بعد عامين فى بعثة سياسية إلى الصين، ولكنه لم يصل إلا إلى جزائر ذيبة المهل Maldives (١) حيث ولى القضاء مدة عام ونصف عام؛ وذهب من هناك إلى الصين عن طريق جزيرة سيلان والبنْغال والهند الأقصي، وليس من المحقق أنه تجاوز زيتون Zaitun وكانتون. Canton ثم رجع إلى بلاد العرب عن طريق جزيرة سومطرة (انظر Arabie en: Snouck Hurgronje Oost-Indie، ليدن ٩٠٧، ص ٧ وما بعدها؛ وهناك ترجمة فرنسية فى. Revue de ١'Hist. des Rel، سنة ١٩٠٨، جـ ٥٧، ص ٦٢ وما بعدها) ونزل إلى البر فى المحرم ٧٤٨ هـ عند ظفار. وبعد رحلة فى بلاد العجم والشام وما بين النهرين قام من مصر إلى مكة لأداء فريضة الحج للمرة الرابعة، ثم عاد
_________________
(١) وهى جزائر ذيبة المهل (بكسر الذال وفتح الميم والهاء) وقد جرى الافرنج على الاصطلاح الآرى وهو: مهل ذيبة، وحرف الها. غير منطوق عندهم فقال مل ذيبة ثم انتهوا الى Maldives وجاء المترجمون فى هذه الأيام فنقلوا عنهم بغير علم ولا روية فقالوا "ملديف" خطأ. وأهلها -وقد رأيتهم- لا يزالون يقولون مهل ذيبة "ذيبة المهل". أحمد زكى (باشا)
[ ١ / ١٣٥ ]
فاخترق شمالى (فريقية، ودخل مدينة فاس فى شعبان عام ٧٥٠، وبعد أن مكث فيها مدة طويلة ذهب الى غرناطة. وقادته رحلته الأخيرة الطويلة إلى بلاد السودان بإفريقية عام ٧٥٣ - ٧٥٤ هـ فزار تمبكتو ومالى ثم رجع إلى مراكش عن طريق واحتى غات وتوات؛ وهناك أملى أخبار رحلته على العالم محمد بن محمد بن جُزَى (أنظر de Slane فى المجلة الأسيوية، سنة ١٨٤٣. جـ ١، ص ٢٤٤ وما بعدها) فكتبها ابن جزى فى أسلوب أدبى تأثر فيه كثيرًا بكتاب ابن جبير، ومات ابن جزى عام ٧٥٧ هـ (١٣٥٦ م) بعد الفراغ من عمله بمدة وجيزة. ويوجد بعض هذه النسخة التى خطها ابن جزى بيده بباريس (أنظر رقم ٩٠٧ فى ملحق فهرست المكتبة الأهلية بباريس. وتوفى ابن بطوطة عام ٧٧٩ هـ (١٣٧٧ م) فى مراكش. ولقد نشر دفرمرى Defremery وسانكونتى Sanguinetti مصنفة "تحفة النظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" فى أربعة مجلدات، باريس سنة ١٨٥٣ - ١٨٥٩، وظهرت الطبعة الثالثة منه عام ١٨٩٣، وطبع بالقاهرة عام ١٢٨٧ - ١٢٨٨. ١٣٢٢ هـ، ونجد مصادر أخرى عن ابن بطوطة فى Die Reise des Arabers Ibn: H. von Mzik Batuta durch Indien and China (XIV (Jahrh فى Bibl. dankwurdiger Reisen المجلد الخامس، هامبورغ ١٩١١.
[بروكلمان C. Brockelmann]
تعليق على مادة "ابن بطوطة"
(١) لازال لفيف المشتغلين بالشرق محتاجا إلى ترجمة أو فى لحياة ابن بطوطة. ومع أن الأستاذ (H. A. Gibb) قد سد بعض هذه الحاجة فى المقدمة التى صدر بها كتاب المختارات التى نقلها حديثا إلى الإنجليزية من رحلات ابن بطوطة (. Gibb: Ibn Batuta، Rout- ١٩٢٩، ledge، London) فإن المهتمين بعصر هذا الرحالة النابه متشوقون لرؤية الطبعة الكاملة لكتاب تحفة النظار الذى أزمع الأستاذ إخراجها فى سلسلة (Hakluyt Society) ليستوفوا ما لم يكن من المستطاع كتابته عن ابن بطوطة فى حيز المقدمة المذكورة.
ويتبين من هذه المقدمة وسائر الكتاب: متنه وحواشيه، أن ابن بطوطة توفى سنة ٧٧٠ هـ (١٣٦٨ - ١٣٦٩ م)، وأن اسمه موجود حتى الآن بمراكش،
[ ١ / ١٣٦ ]
وأن بمدينة الإسكندرية، التى زارها ابن بطوطة، فى اول سفرة له، طريقا سمى باسمه. ثم إنه لما كان ابن بطوطة لواتيا أولا، طنجيا ثانيا، فإن موطنه الأصلى بلاد برقة، قرب الحدود المصرية الغربية، حيث كانت مساكن قبيلة لواته، إبان ظهورها بكتب التاريخ (Blochet: ٣ .d'Egypte، p.١٤٥ N Hist.).
ولقد أنجبت أسرة ابن بطوطة عدة قضاة، منهم الرحالة نفسه، وابن عم له، كان قاضيا بمدينة أندة، بين إشبيلية ومالقة، بالأندلس الإسلامية (ياقوت: معجم البلدان، طبعة ليبزج، جـ ٢ ص ٨٢٥). فابن بطوطة إذن وليد أسرة عريقة فى الاشتغال بالعلوم الشرعية، أى الدينية، وهو -على حد التعبير الأوروبى- من أبناء الطبقة الدينية العليا، فى المجتمع الإسلامى فى القرون الوسطي. ولذا فالراجح أنه درس العلوم الدينية، وتفقه فيها، ويضاف إلى هذا أنه تعلم الأدب، ومارس الشعر، ودرس اللغة الفارسية، وشواهد كل ذلك فى بطن كتابه.
وفى سن الحادية والعشرين سافر ابن بطوطة وحده من طنجة، ثانى رجب ٧٢٥ هـ (١٤ يونية ١٣٢٥ م) لأداء فريضة الحج، فاتخذ طريق الحاج المعتاد من بلاد المغرب ولحق بقافلة غرضها الحج مثله. ويظهر أن علمه وتدينه جذبا إليه قلوب أفراد القافلة، فعينوه قاضيا عليهم قبيل مسيرهم من تونس.
زار ابن بطوطة قاضى الإسكندرية عند وصولها، ونزل ضيفا على أحد علمائها، المسمى برهان الدين، ثلاثة أيام، من مدة إقامته هناك. ولقد توسم فيه برهان الدين حب التجوال، وأوصاه إذا ذهب إلى الهند، أو السند، أو الصين أن يزور أفرادًا سماهم له. ويظهر أن أطراف هذا الحديث المبروك حركت فى قلب الشاب ابن بطوطة عزما على زيارة جميع البلاد الإسلامية، وأن هذا العزم قوى فى نفسه، بعد تجاريبه أثناء هذا السفر إلى مكة، ذلك أنه زار فى طريقه إلى القاهرة أحد الأولياء الصالحين، وكان مقيما بقرية قبالة بلدة فوة على النيل، فرأى فى منامه -وهو عنده- أنه زار مكة واليمن والهند على جناحى طائر أخضر. وقد قص رحالة المستقبل رؤياه على الشيخ، ففسرها بأنه سيزور مكة واليمن والعراق وبلاد الترك والهند. ومما قوى عزم ابن بطوطة
[ ١ / ١٣٧ ]
أيضا أنه لم يستطع الذهاب إلى مكة عن طريق عيذاب المصرية، فاضطر إلى السفر إلى مكة مع الركب الدمشقى. وحدث أنه وصل دمشق قبل قيام الركب بشهور، فصرف وقته فى زيارة الشام جميعها، حتى حدود آسيا الصغرى، وذاق حلاوة السفر والتجوال، لغير غرض سوى الاستطلاع والاستمتاع.
ليس بغريب إذن أن يغرم ابن بطوطة بالتجوال والترحال بعد ما سمع من عالم الإسكندرية وشيخ فوة ماسمع، وبعد ما رأى من أرض الشام مارأى. وأن يزيد هذا الغرام كلما زاد هو فى أسفاره، سيما وأن مركزه الدينى سهَّل عليه كثيرا من عثرات
التنقل ووعثاء السفر، لأنه كان موضع التجلة والاحترام، فى معظم الأمكنة التى حل بها.
ويتجلى حب الاستطلاع الذى حمل ابن بطوطة إلى الأماكن النائية كالهند والصين، فيما ورد فى كتابه عن هذين البلدين، كما يتجلى أيضا اهتمامه برجال الدين وأمور الدين فى كل صحيفة من كتابه. وهذا كله يميز كتاب: "تحفة النظار" عن كتب الرحلات، فإنه ليس كتابا وصفيا للبلاد والجبال والأنهار التى راها ابن بطوطة. بل هو عبارة عن نسخة من الصور التى ارتسمت فى ذهن الرحالة عن الأشخاص والناس الذين ألقت بهم الصدف فى طريقة. فهو صفحة من التاريخ الاجتماعى الإسلامى، أكثر منه كتابا فى تقويم البلدان والجغرافيا.
محمد مصطفى زيادة