أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن غالب بن زيدون: أحد مشاهير الشعراء المسلمين فى الأندلس، ووزير أمراء إشبيلية، ينتسب إلى أسرة عريقة من قبيلة مَخْزوم. ولد بقرطبة عام ٣٩٤ هـ (١٠٠٣ م) وتوفى أبوه وهو
[ ١ / ٢١٠ ]
بعد يافع لم يبلغ الحلم، ولكن أوصياءه أحضروا له أفضل الشيوخ والمؤدبين، وسرعان ما بز زملاءه التلاميذ. ولما بلغ العشرين من عمره نظم قصائد كانت سببا فى ذيوع صيته.
وانغمس شاعرنا فى شئون بلاده السياسية أثناء الحرب الأهلية التى أثارها المطالبون بالعرش من الأمويين، والمحاولات التى قام بها أهل قرطبة لإجلاء حكام البربر عن مدينتهم؛ ولقد أغراه بالاشتراك فى هذه الفتن نسبه ومكانة أسرته بعامة، وأطماحه خاصة؛ ولذلك نجده فى حاشية أبى الحزم بن جهور زعيم أمراء قرطبة بعد انسحاب البربر.
ولقد أدى به حبه العنيف للشاعرة ولادة التى كانت من الأميرات، إلى الاصطدام بمنافس قوى هو ابن عَبدوُس وزير أبى الحزم بن جهور مما دعا ابن زيدون إلى نظم القصائد يتحدى فيها غريمه، كما تهكم عليه فى رسالته المشهورة، حتى اتهمه ابن عبدوس بالتآمر على إرجاع الأمويين، فزج به فى السجن، وهناك أرسل الشعر الرقيق إلى ولادة وكتب إلى أصدقائه يستعطفهم فى حرارة ويدافع عن نفسه، إلى أن نجح أحدهم، وهو أبو الوليد بن أبى الحزم، فى إطلاق سراحه؛ بيد أن ولادة كانت قد هجرته آخر الأمر ومالت إلى ابن عبدوس.
وتوارى عن الناس برغمه مدة من الزمن كان أثناءها يسرف فى لوم عشيقته، ثم رجع إلى قرطبة عند وفاة أبى الحزم بن جهور، وحاول أن يصل حبله بابنه وخليفته أبى الوليد؛ وسفر له لدى الأمراء المسلمين المجاورين لقرطبة، ولكن طموحه كان سببا فى سقوطه. وغضب عليه مرة ثانية لسبب مجهول، وأرغم على الفرار إلى قرطبة، وعاش فى دانَيِة وَبَطَلْيوَس وإشبيلية على التعاقب.
وكانت شهرته فى الشعر ومواهبه الأدبية ومعرفته بأحوال المسلمين فى الأندلس التى اكتسبها فى سفارته لأبى الوليد، سببا فى حظوته عند أمير إشبيلية المعتضد، فكان كاتب سر هذا الأمير فحسب أول الأمر، ثم اْصبح بعد ذلك كبير وزرائه. ولما توفى المعتضد
[ ١ / ٢١١ ]
استبقاه ابنه وخليفته المعتمد فى منصبه، واستعان به على غزو قرطبة التى أصبحت بعد عاصمة ملكه.
بيد أن شهرة ابن زيدون أثارت عليه حسد الكثيرين من رجال البلاط وعلى رأسهم الشاعر ابن عمار صفى المعتمد؛ ولما ثار الناس على اليهود فى إشبيلية، انتهز المتآمرون هذه الفرصة وعملوا على إرسال ابن زيدون إلى تلك المدينة لإعادة الأمن إلى نصابه؛ فخرج الشاعر مشيعا بحسرة أهل قرطبة الذين كانوا يفخرون بانتسابه إلى مدينتهم، ولحقت به أسرته بعد ذلك مباشرة، ولكن الحمى انتابت ابن زيدون، وكان قد طعن فى السن، فعجلت بموته فى الخامس عشر من رجب عام ٤٦٣ هـ (١٧ - ١٨ أبريل ١٠٧١) ودفن فى إشبيلية. ولما بلغ خبر وفاته مدينة قرطبة عم الحزن أهلها جميعا وشملهم الحداد.
ولم يكن ابن زيدون شاعرا فحلا فحسب بل كان أيضا من المبرزين فى فن الترسل، وإلى ذلك ترجع شهرته فى تاريخ الأدب العربى بنوع خاص.
ولم تطبع رسائله كلها، وأهم ما عرف منها:
(١) رسالته إلى ابن عبدوس، وهى مفيدة من الوجهة اللغوية، ذلك لأنها حافلة بإشارات ووقائع لا نستطيع معرفتها إلا عن طريقها، وعن طريق الشرح الذى كتبه ابن نُبَاتَة المتوفى عام ٧٦٨ هـ (١٣٦٤ م) بعنوان "سرح العيون فى شرح رسالة ابن زيدون" (بولاق سنة ١٢٧٨ هـ، الإسكندرية سنة ١٢٩٠ هـ، القاهرة سنة ١٣٠٥ هـ). وقد نشر ريسكه هذه الرسالة مع ترجمة لاتينية، لييسك سنة ١٧٥٥ م.
(٢) رسالته التى لا تقل أهمية عن السابقة، كتبها لابن جَهْوَر ونشرها بستورن Besthorn مع ترجمة لاتينية، كوينهاغن سنة ١٨٨٩ م.
وأورد مقتطفات من شعر ابن زيدون كل من فيجرز Weijers (Orientalia، المجلد ١، ص ٣٨٤ وما بعدها، ليدن سنة ١٨٣١) وده ساسى de Sacy (المجلة الأسيوية جـ ١٢، ص ٥٠٨ وما بعدها) والمقرى
[ ١ / ٢١٢ ]
(Analectes). وتوجد قطع مخطوطة لابن زيدون وترجمة له فى مخطوط لابن بسام (باريس، المكتبة الأهلية، رقم ٣٣٢٢) وآخر لعماد الدين الأصفهانى (المكتبة نفسها، رقم ٣٣٣٠).
أما فيما يختص بالمصادر فانظر أيضا بروكلمان: . Gesch. d. arah. Litt، جـ ١، ص ٢٧٤ وما بعدها.
[كور. A. Cour]