عبد الله، بن غافل بن حبيب ابن شَمْخ ابن فأر بن مخْزوم بن صاهلَة بن كاهل ابن الحارث بن تميم بن سعَد بن هُذَيلَ: من أصحاب النبى - ﷺ -. كان ينتسب إلى أوضع طبقات أهل مكة، شأن الكثيرين ممن ناصروا النبى - ﷺفى أول الأمر، وكان فى حداثته يرعى غنم عُقْبة بن أبى مُعَيْط، وقد نعته سعد بن أبى وقّاص بعد ذلك فى منافرة بأنه مولى بنى هُذيْل (الطبرى، جـ ١، ص ٢٨١٢) ويعرف عادة بحليف بنى زُهْرة، كما يعرف بذلك أبوه أيضًا. ولم يصل لنا شئ عن أبيه أكثر من ذلك. وقد وصفه النووى (طبعة فستنفلد (١) ٣٧٠) بأنه "صحابى ابن صحابية" لأن أخاه عقبة وأمه أم عبْد بنت عبد وُدّ بن سواء كانا من الطبقة الأولى من الصحابة. وتروى قصة دخوله فى الإسلام: عندما لقى النبى محمد - ﷺ - وأبو بكر عند هجرتهما وكان عبد الله بن مسعود يرعى غنمًا، فسألاه قليلًا من اللبن، ولكنه كان مؤمنًا على الغنم فامتنع. هنالك أمسك النبىﷺ - شاة ومسح ضرعها فانتفخ وفاض منه اللبن بغزارة، ثم أعاد النبى - ﷺ - الضرع بعد ذلك إلى حالته الأولى. ويعدّ عبد الله بحق من أوائل السابقين إلى الإسلام. وكان يحب أن يقال له "سادس ستة" (أعنى سادس من أسَلم). وتذكر روايات أخرى أنه اعتنق الإسلام قبل أن يدخل الرسول بيت الأرقم، بل قبل أن يعتنق عمر الإسلام. وقيل إنه أول من جهر بقراءة القرآن فى مكة، ولو أن أصحابه نهوه عن ذلك لأنه لم تكن له عشيرة تذود عنه إذا ما اعتدى عليه، لذلك تلقاه القوم بالإساءة. وهاجر ابن مسعود الى الحبشة، وتذكر بعض الروايات أنه هاجر إليها مرتين. وكان يقطن فى المدينة خلف الجامع الكبير. وكثيرًا ما كان يتردد هو وأمه على بيت الرسول - ﷺ - حتى حسبهما الناس من أهل بيت النبى - ﷺ -، ولكنه لم يكن إلا خادم الرسول - ﷺ - الأمين "صاحب النعلين والوسادة والطهور".وكان يقلد النبى فى المظاهر، ولكنه كان موضع السخرية لنحافة ساقيه. وقد أرسل شعره الأحمر طويلا، والراجح أن إرساله الشعر وارتداءه اللباس الأبيض والتطيب باستمرار أمور تتصل بالشعائر الدينية، وكان يعنى عناية
[ ١ / ٢٦٩ ]
خاصة بالصلاة، ولكنه لم يسرف فى الصوم ابقاء على صحته ليقوم بخدمة الدين.
واشترك عبد الله فى كل المشاهد، وقطع فى غزوة بدر رأس أبى جهل وكان قد جرح جرحًا بليغًا، وحمله ظافرًا إلى سيده. وهو واحد ممن بشّرهم الرسول بالجنة. ولما رأى أبو بكر إبان حروب الرَّدة أن الأمر يقتضى أن يعد "المدينة" للدفاع كان عبد الله بن مسعود أحد الذين وقع عليهم الاختيار لحماية الجهات الضعيفة من المدينة. وحضر كذلك وقعة اليَرْموك. ومن الطبيعى أن يكون كغيره من أتقياء المدينة غير صالح للحكم. وقد أرسله عمر إلى الكوفة ليقوم على بيت مالها وليعلم الناس أمور دينهم، وكثيرًا ما كان يتردد عليه الناس يستقون من علمه الغزير بالقرآن والسنُّة. وقد أسند إليه ٨٤٨ حديثًا، ومن صفاته أنه كان إذا تحدث عن النبى - ﷺ - ارتعد وتصبب العرق من جبينه واحتاط فى كلامه مخافة أن يقع فى الخطأ. وأخذ الناس عنه تفسيره المتسامح لتحريم الخمر (Vorlesungen: Goldziher ص ٦٥: عيون الأخبار، طبعة بروكلمان، ص ٣٧٣، س ١٣).
وتختلف الروايات فى خاتمة حياته. ويقال: إن عثمان صرفه عن منصبه بالكوفة فلما بلغ هذا الخبر مسامع الناس أرادوا استبقاءه فقال لهم "إن له علىّ حق الطاعة ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن" (انظر Mathew، ١٨، ٧). وهكذا عاد ابن مسعود إلى المدينة، وتوفى بها عام ٣٢ أو ٣٣ هـ وقد نيف على الستين، ودفن ليلًا فى بقيع الغَرْقَد. ويقال إن عثمان لما عاده وهو على فراش الموت وسأل عن حاله وطلبه، أجابه الإجابة المأثورة عن أهل التقى من القدماء. واختار الزبير لتنفيذ وصيته، وأبدى رغبته فى أن يدفن فى حُلَّة بمائتى درهم. وتذكر روايات أخرى أنه توفى بالكوفة، وأن عثمان لم يصرفه هو وسعد بن أبى وقاص عن منصبيهما عام ٢٦ هـ.
واشتهر ابن مسعود بصفة خاصة بأنه محدث وحجة فى القرآن. وجمعت أحاديثه فى مسند أحمد (جـ ١، ص ٣١٤ - ٤٦٦). [فنسنك A.J.Wensink]
[ ١ / ٢٧٠ ]