يطلق هذا الاسم فى شمالى إفريقية على فرع من الخوارج الذين خرجوا على عليّ عندما قبل التحكيم مع معاوية. وقد دخل مذهب الخوارج إلى المغرب فى النصف الأول من القرن الهجرى الثانى فى صورة الإباضية والصفرية، وانتشر بسرعة بين البربر حتى أصبح المذهب القومى لهم، اتخذوه ذريعة لنضالهم مع أهل السنة من العرب " ولعب أباضية طرابلس وإفريقية تحت زعامة إماميهما الكبيرين "أبى الخطاب وأبى حاتم" الدور المهم فى فتنة البربر فى القرن الثانى الهجرى التى كادت تجرد الخلافة من إفريقية.
ولقد حكمت أسرة أباضية هى الأسرة الرستمية فى تاهرت (تاكدمت) أكثر من ١٣٠ عامًا، ولم يزل حكمها إلا حين أسس الفاطميون دولتهم فى المغرب. وبعد أن خرب أبو عبد الله الشيعى تاهرت سنة ٢٩٦ هـ
[ ١ / ٥٧ ]
(٩٠٩ - ٩٠٨ م) تفرق شمل الأباضية فى صحراء تونس والجزائر وفى جربة. وهم لايزالون فى هذه الأيام يعيشون جماعات متماسكة فى ورجلة ومزاب وجبل نفوسة وفى جزيرة جربة. ولهم مصنفات دينية وتاريخية هامة. وجماعاتهم الدائمة الاتصال بعضها ببعض تحرص حرصًا شديدًا على حماسها المتأجج. ولهم كذلك صلات ليست بالقليلة مع الإباضيين فى عمان وزنجبار. ولقد انقسم الأباضية الإفريقيون ثلاث فرق سياسية ودينية على السواء وهي: النكارية والخلفية والنفاثية. والنكارية الذين كان لهم شأن فى تاريخ الفق الإفريقية لاتزال تمثلهم حتى الآن جماعات صغيرة فى جربة وزواغة (طرابلس).
ومن الطبيعى أن يعارض الأباضية بشدة فى اتهام أهل السنة لهم بالمروق. وهم يزعمون أنهم هم وحدهم الذين حافظوا على تعاليم الإسلام الحقة. ويقولون إن فرقتهم وحدها هى الفرقة الناجية من بين الفرق الثلاث والسبعين التى انقسم المسلمون إليها. وقد نشأ الخوارج كما قدمنا عندما اختلفوا مع علىّ فى أمر التحكيم، وهم دون أن يجادلوا فى شرعية حكم الخلفاء الأربعة الراشدين كما يفعل الشيعة، يصرون على أن القدوة الحسنة بعد النبى كانت فى أبى بكر وعمر، أما عثمان فلم يقتف آثارهما. والأباضية يشيرون فى كتبهم بعناية إلى ما أسموه "بدع عثمان".
ويجب على المسلمين إقامة الإمامة عندما يتوافر لديهم القدرة والعلم. وليس من الضرورى أن يكون الإمام قرشيًا بل يكتفى أن يكون فاضلا ورعًا وأن يحكم طبقًا لأوامر القرآن والسنة، فإذا ابتعد عنهما وجب خلعه. والقرآن كلام الله هو الذى خلقه. ولن يُرى الله فى الجنة. والثواب والعقاب فى الحياة الأخرى أبديان. والنار كالجنة لا يعتورها الفناء. والله يغتفر الصغائر، أما الكبائر فلا تمحوها إلا التوبة. ومن واجب كل مسلم أن يعمل المعروف وينهى عن المنكر ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وفرض حق على المسلمين الاعتراف بوحدتهم والتعبير عن هذه
[ ١ / ٥٨ ]
الوحدة بالقول والعمل. ولكن الفرد الذى يخرج على شرائع الدين حق عليه الحرمان من صداقة إخوانه فى الدين ويجب أن يعامل معاملة العدو إلى أن يقوم بفروض التوبة. كما أن هناك نوعًا من الحرمان له نتائج دينية ومدنية خطيرة.
وأباضية الجزائر يتشددون كثيرًا فى الأمور الخلقية خصوصًا فى قصور مزاب حيث لا يستطيعون الفرار من رقابة "الطلبة". أما فى مدن التل الجزائرى حيث يجتمعون بقصد التجارة فلا يتفق عملهم مع النظريات دائمًا. ويجب أن نعترف بوجه عام أنهم يتمسكون بعقائدهم تمسكًا شديدًا. وهم لا يختلطون بالمسلمين من أهل السنة إلا لضرورات تجارتهم النافقة. وقلما يصاهرون أهل السنة لأن مثل هذا الزواج مما تبرأ منه الجماعة.
وهذا النقاء سواء أكان عن إخلاص أم تظاهر يجعل منهم كتلة متجانسة متآلفة متمايزة تمام التمايز بسلوكها وأخلاقها وهيولها بين أهل السنة من العرب والبربر فى شمالى إفريقية.
المصادر:
(١) La Zenata du Mzab، de: R. Basset Ouargla et de l'Oued Rir
(٢) Les Sanctuaires du Djebel: R. Basset Nefousa .
(٣) Les livres de la: A. de Motylinski Secte Abadhite .
(٤) L'Aqida des Abad-: A. de Motylinski hites (مجموعة الأبحاث والنصوص التى نشرت فى مؤتمر المستشرقين الرابع عشر، ص ٤٠٩ وما بعدها).
[ده موتيلنسكى A. Dw Motylinski]