أبو العباس أحمد (محمد) بن المقتدر، الخليفة العباسى للثانى عشر. ولد في شهر ربيع الثانى ٢٩٧ م (ديسمبر ٩٠٩ م) وكانت أمه جارية تدعى ظلوم.
رُشح للخلافة عقب مقتل أبيه المقتدر مباشرة، غير أن الاختيار وقع على القاهر وكان من أمر القاهر أن زج به في السجن، وقد أطلق سراحه بعد سقوط القاهر، واعتلى عرش الخلافة في جمادى الأولى ٣٢٢ (أبريل ٩٣٤). واختار الراضى إبان هذه الشدة
علي بن عيسى وزير المقتدر مستشارًا له، غير أن عيسى طلب منه أن يعفيه من ذلك لتقدمه في السن، ومن ثم اختار ابن مقلة ليشغل هذا المنصب. وقد ظل محمد بن ياقوت صاحب النفوذ الأكبر بين رجال البلاط. ولما سقط محمد في جمادى الأولى عام ٣٢٣ (أبريل ٩٣٥) استطاع ابن مقلة أن يستعيد سلطانه على إدارة البلاد، أما الخليفة فقد ظل مجردًا من الحول والطول. ولم يبق ابن مقلة في الحكم أمدًا طويلًا، فقد قبض عليه المظفر بن ياقوت أخو محمد السالف الذكر في جمادى الأولى عام ٣٢٤ - (أبريل ٩٣٦ واضطر الخليفة المسلوب السلطة أن يصرفه عن منصبه وأن يستدعى في العام نفسه محمد بن رائق والى واسط والبصرة ويكل إليه مقاليد الأمور كلها بصفته أميرًا للأمراء. وكان معنى هذا قطع الصلة بالماضى قطعًا تامًا، إذ لم يسمح للخليفة إلا باستبقاء العاصمة وأرباضها، كما جرد من جميع سلطانه في إدارة الحكم، وأخذ ابن رائق هو وبطانته يبتون في جميع المسائل الهامة وظل ابن رائق قابضًا على زمام الأمور قرابة سنتين، وكان اسمه يذكر في الخطبة مع اسم الخليفة. ومهما يكن من
الأمر فقد حل محله في الرياسة بحكم في ذى القعدة عام ٣٢٦ (سبتمبر ٩٣٨).
[ ١٦ / ٥٠٧١ ]
ومما زاد الطين بلة أن الصعاب المالية والمنازعات المستمرة بين الوزراء والأمراء في ذلك الوقت قد أضيف إليها الحروب التي نشبت مع أعداء البلاد في الخارج. ففي عام ٣٢٣ هـ (٩٣٥ م) حاول الراضى أن يصرف ناصر الدولة وإلى الموصل عن منصبه ولكنه خاب في ذلك. وبعد سنوات قلائل هاجم بجكم، وفى صحبته الخليفة، الحمدانيين لاجبارهم على دفع الجزية المفروضة عليهم، ولكنه اضطر إلى مصالحتهم ذلك أن ابن رائق الهارب قد ظهر فجاة في بغداد. واستمر القتال أيضًا مع البوزنطيين، وتقدم الحمدانيون إلى ساحة الحرب بصفتهم حماة الإسلام. وأنشأ محمد بن طغج في مصر الأسرة الأخشيدية واضطر بجكم في الوقت نفسه إلى محاربة البويهيين الذين كانوا يتقدمون من عدة نواح، ثم دخلوا بغداد بعد ذلك بسنوات قلائل دخول الظافر المنتصر.
وكان على الراضى أن يتخذ في العاصمة ذاتها بعض الإجراءات ضد الحنابلة المتعصبين (٣٢٣ هـ - ٩٣٥ م) الذين كان لهم أتباع كثيرون بين عامة الشعب، وكانوا قد اقترفوا كل أنواع الشطط. فقد دخلوا البيوت الخاصة وحطموا الآلات الموسيقية،
وأساءوا إلى الجوارى المغنيات، وأراقوا كل ما عثروا عليه من خمور وتدخلوا في التجارة، وضايقوا عابرى السبيل، واعتدوا على الشافعية، وسلكوا بوجه عام مسلكا استبداديًا يذكرنا بمحاكم التفتيش.
وتوفى الراضى بالاستسقاء في منتصف شهر ربيع الأول عام ٣٢٩ (ديسمبر ٩٤٠). ويشيد المؤرخون العرب بورعه وعدله ورحمته وكرمه وكذلك باهتمامه بالأدب. ومن قبيل ذلك ما جاء في الفخرى (ابن الطقطقى: الفخرى، ص ٣٨٠): من "أنَّه آخر خليفة دون له شعر. وآخر خليفة انفرد بتدبير الملك، وآخر خليفة خطب على منبر يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء
ووصل إليه العلماء، وآخر خليفة كانت مراتبه وجوائزه وخدمه وحجابه تجرى على قواعد الخلفاء المتقدمين".
[ ١٦ / ٥٠٧٢ ]
وقد تصدق عليه هذه الصفات في جملتها، ولكن الراضى لم يكن مستقلا في تصرفاته، بل كان على العكس من ذلك ألعوبة في أيدى وزرائه وأمرائه.