(مولاى) ابن الشريف بن على بن، محمد بن على: سلطان مراكش العلوى، والمؤسس الحقيقي للأسرة التى لا تزال تحكم الدولة الشريفية. ولد الرشيد عام ١٠٤٠ هـ. (١٦٣٠ - ١٦٣١ م) فى
[ ١٦ / ٥١٥٦ ]
تافيلالت بجنوب مراكش، حيث أنشأ أجداده شرفاء سجلْماسة الحسنيين زاوية مزدهرة، وَاكتسبوا شيئًا فشيئًا نفوذًا سياسيًا لا بأس به نما عندما انحلت الأسرة السعدية. وكانت مراكش فى ذلك الوقت غارقة فى الفوضى، واستطاع شرفاء تافيلالت أن يصبحوا بسرعة سادة الأراضي الفسيحة الشبيهة بالسهوب الواقعة إلى الشمال من نطاق الواحات التى تؤلف منطقة نفوذهم. وتلقب مولاى محمد، أكبر أولاد شيخ الزاوية باللقب السلطانى عام ١٠٥٠ هـ (١٦٤٦ م) بعد إنتصاره فى تازروالت (فى الجنوب الغربيّ من مراكش) على مرابط زاوية إيلغ على أبى حسّون الذى كانت له أطماع سياسية خاصة. على أنّه لم يكن قد
أفلح بعد فى القضاء على نفوذ مرابطى زاوية الدلاء فى مراكش الوسطى، فقنع مرغمًا بالسيادة الفعلية على مراكش الشرقية وحسب، بعد إن احتل مدينة فاس عام ١٦٥٠ احتلالا لم يدم إلا فترة قصيرة.
فلما توفى مولاى الشريف عام ١٠٦٩ هـ (١٦٥٩ م) هجر ولده مولاى الرشيد زاوية أجداده لأنه كان لا يثق بأخيه مولاى محمد، وذهب إلى زاوية الدلاء المنافسة لها فقابله أهلها فى الظاهر بالترحاب، إلا أنه سرعان ما أوحى إليه بمغادرتها فسار نحو
آزرو، ثم إلى فاس. فلم يسمح له بدخولها لأن الدريدى المغامر والى هذه المدينة اعتبره من الأشخاص غير المرغوب فيهم. وذهب مولاى الرشيد بعد ذلك إلى مراكش الشرقية فلم يلبث أن نجح فى أن يجمع حوله عددًا كبيرًا من الأتباع، وخاصة الشيخ اللواتى من قبيلة بنى يزناسن (بنى سناسن) الهامة، وكان هذا الشيخ من أئمة رجال الدين واسع النفوذ مسموع الكلمة.
وهاجم الرشيد فى الوقت نفسه ثريًا من أثرياء اليهود كان يعيش فى جبال يزناسن فى قرية تعرف باسم دار ابن مشعل، وكان بمثابة الحاكم لها، وقتله ثم استولى على ثروته. وقد أثار هذا الحدث خيال أهل ذلك الإقليم، وكان السبب، كما يستفاد من بيان سنيفال C. de Cenival الرائع عن هذا الموضوع،
[ ١٦ / ٥١٥٧ ]
فى نشأة أسطورة من الأساطير لا تزال ذكراها مائلة فى الاحتفال السنوى الذى يقام عقب اختيار سلطان الطلباء فى فاس. ولم يحصل الرشيد بقتل هذا اليهودى الثرى على موارد مادية هائلة فحسب. بل أتاح له ذلك أيضًا السيادة الحقيقية على أهل البلاد المجاورة. وفى ١٠٧٥ هـ (١٦٦٤ م) انضمت إلى سلطانه قبيلة أنكاد الكبيرة، واستقر فى وجدة واستتب له الأمر فيها. وما إن
وصلت أخبار تنصيب الرشيد لأخيه مولاى محمد حتى انزعج محمد لذلك أشد الانزعاج، وأسرع من تافيلالت إلى مراكش الشرقية، والتقت جنوده بجنود الرشيد، غير أن مولاى محمد خر صريعًا فى بداية القتال، ومن ثم انضمت جنوده إلى الرشيد الذى كتبت له السلامة. وهكذا انتقل مولاى الرشيد من نصر إلى نصر. وسرعان ما استولى الرشيد من بعد على تازا من غير أن
يلقى فى ذلك عناءً فهدد فاس تهديدًا مباشرًا، على أنّه صرف همه أولا إلى توطيد سلطانه فى تافيلالت مهد أسرته، وضم إلى أملاكه جبال الريف على شواطئ البحر المتوسط، وكان يحكمها وقتذاك مغامر يدعى أبا محمد عبد الله أعراص. وكان هذا الشيخ قد اتفق أولا مع الإنكليز، ثم مع الفرنسيين على إقامة محلات تجارية على خليج الخزامى Albucemas بالريف (وقد حِّرف فى وثائق ذلك العهد إلى ألبوزيم (Albouzeme . وقد انتزع مولاى الرشيد منه الريف فى شهر مارس عام ١٦٦٦.
فى الوقت الذى أخذ فيه رولان فريجوس Roland Frejus من أهل مارسيليا ينزل إلى الشاطئ المراكشى بعد أن حصل من ملك فرنسا على امتياز المتاجرة مع الريف، وذهب فريجوس هذا لمقابلة مولاى الرشيد فى تازا، ولكن سرعان ما خابت مساعيه فى الدخول فى مفاوضات مع هذا الشيخ.
وبادر الرشيد إلى توجيه اهتمامه إلى فاس حاضرة مراكش الشمالية.
وكانت لا تزال تقاوم سلطانه. فحاصرها واستولى عليها عنوة فى الثالث من ذى الحجة عام ١٠٧٦ (٦ يونية سنة ١٦٦٦) وركن واليها الدريدى إلى الفرار. واتخذ الرشيد إجراءات صارمة لمعاقبة بعض أعيان المدينة، وبايعه أهلها
[ ١٦ / ٥١٥٨ ]
على السلطنة، واستطاع فى الوقت نفسه أن يستميل جماعة الشرفاء الأدارسة النابهى الشأن فى القصبة.
واستغل مولاى الشريف السنوات التالية فى توسيع ممتلكاته ناحية الغرب والجنوب. فجهز بادئ الأمر حملة على العرب تمكنت من طرد الزعيم الخضر غيلان واستولت على القصر الكبير وعلى مكناس وتطوان كما استولت على تازا، وكان أهلها قد انتفضوا على الرشيد. وفى عام ١٠٧٩ هـ (١٦٩٨ م) استولى على زاوية الدلاء وخربها بعد أن استأصل شأفة شيخها محمد الحاج عند بطن الرمان. واستولى مولاى الرشيد فى العام نفسه على مراكش وقتل أميرهم عبد الكريم الشَّبانى الملقب ب "كروم الحاج".وفى عام ١٠٨١ هـ. (١٦٧٠ م) قام بحملة على السوس وغدا حينئذ صاحب الكلمة العليا فى مراكش بأسرها. وقد ذكر المؤرخ الإفرنى أن المغرب كله من تلمسان حتى وادى نول على حدود الصحراء قد دان فى ذلك الوقت لسلطان مولاى الرشيد. وخرج السلطان فى العام التالي من فاس إلى مراكش حيث كان أحد أبناء أخيه يرمى إلى اعتلاء عرش السلطنة وتوفى
مولاى الرشيد إبان مقامه فى القصبة الجنوبية إثر حادث فى الحادى عشر من ذى الحجة عام ١٠٨٢ (١٩ أبريل سنة ١٦٧٢) ولما يبلغ الثانية والأربعين من عمره، ذلك أن الجواد الذى كان يمتطيه أجفل فارتطم بفرع شجرة برتقال فشج رأسه. ودفن مولاى الرشيد بمراكش ثم نقل جثمانه إلى فاس حيث دفن فى ضريح ولى الله على بنِ حرزِهم. (وينطق باللهجة العامية سيدى حرازم). ونودى بأخيه مولاى اسماعيل الذى خلفه فى الحكم سلطانًا فى الخامس عشر من ذى الحجة من العام التالي.
كانت حياة مولاى الرشيد السياسية القصيرة الأمد كما رأينا زاخرة بالنشاط مباركة الثمرات. والحق أن مؤرخى مراكش المسلمين لا يملون من الإشادة بمناقب هذا الحاكم التى لا تزال ذكراه عاطرةِ فى فاس بوجه خاص.
وهو الذى شيد فى هذه المدينة مدرسة الشراطين، وجسر الرصيف، وقصبة
[ ١٦ / ٥١٥٩ ]
الشراردة على مسيرة ميلين ونصف ميل إلى الشرق من فاس، وهو جسر على وادى سبو له تسع فتحات.