أحمد بن على أبو العباس، شيخ الطريقة الرفاعية. توفى فى ٢٢ جمادى الأولى عام ٥٧٨ (٢٣ سبتمبر ١١٨٣) فى أم عبيدة من ناحية واسط. ويذكر بعض الكتاب أنه ولد فى المحرم عام ٥٠٠ (سبتمبر ١١٠٦)، ويقول آخرون إنّه ولد فى رجب عام ٥١٢ (أكتوبر- نوفمبر ١١١٨) فى قرية حسن إحدى قرى ناحية البصرة. وهذان المكانان فى إقليم البطائح ومن ثم نسبته البطائحى.
وتفسر كلمة الرفاعى عادة بأنها إشارة إلى سلف من أسلافه يدعى رفاعة، غير أن البعض يرون أن هذا الاسم علم على قبيلة من القبائل. ويقال إن هذا السلف
[ ١٦ / ٥١٧٣ ]
"رفاعة" قد هاجر من مكة إلى إشبيلية من أعمال الأندلس عام ٣١٧، ومنها وفد جد أحمد إلى البصرة عام ٤٥٠، ومن هنا لقب أيضا بالغربى.
والإشارة الواردة عنه فى كتاب ابن خلكان قصيرة لا غناء فيها، غير أن ثمة تفصيلات أكثر عنه وردت فى كتاب تاريخ الإسلام للذهبى (مخطوط فى مكتبة بودليان Bodleian) أخذت من مجموعة مناقبه التى وضعها محيى الدين أحمد بن سليمان الحّمامى ولقنها أحد تلاميذه عام ٦٨٠. ولم تظهر هذه المجموعة بين ثبت الرسائل الخاصة بهذا الموضوع التى ذكرها أبو الهدى أفندى الرافعى الخالدى السيادى فى كتبه: تنوير الأبصار (القاهرة ١٣٠٦ هـ) وقلادة الجواهر (بيروت ١٣٠١ هـ) - وقلادة الجواهر سيرة مستفيضة تنقل كثيرًا من الشواهد عن "ترياق المحبين" لتقى الدين عبد الرحمن ابن عبد المحسن الواسطى المتوفى عام ٧٤٤ (وقد عرفه حاجى خليفة) - و"أم البراهين" لقاسم بن الحاج، و"النفحة المسكية" لعز الدين الفاروثى المتوفى عام ٦٩٤ وغير ذلك من الكتب. وقد استقى الحمامى رواياته من شخص يدعى يعقوب بن كراز، وكان مؤذنا عند
الرفاعى. ويجب أن نحتاط كثيرًا فى استخدام مثل هذه المعلومات.
وجاء فى بعض الروايات أن الرفاعى ولد بعد وفاة أبيه، فى حين أن معظم الروايات تجعل وفاة أبيه فى بغداد عام ٥١٩ عندما كان ولده أحمد فى السابعة من عمره. ثم كفله عندئذ خاله منصور البطائحى، وكان مقيما عند نهر دقلا من أرباض البصرة. والمنصور هذا (هناك إشارة عنه فى كتاب الشعرانى "لواقح الأنوار" جـ ١، ص ١٧٨) يذكر على أنه شيخ طائفة دينية يطلق عليها أحمد اسم الرفاعية (لو صح ما نقله عنه حفيده فى كتابه القلائد، ٨٨ ص). وقد أرسل منصور ابن أخته الى واسط ليتفقه على
أبى الفضل على الواسطى من شيوخ الشافعية، وعلى خاله أبى بكر الواسطى، وظل الرفاعى يطلب العلم حتى السابعة والعشرين من عمره، ثم قال إجازته على أبى الفضل، والخرقة من خاله المنصور الذى طلب إليه أن
[ ١٦ / ٥١٧٤ ]
يستقر فى أم عبيده وكان فيها على ما يظهر مال لأسرة أمه، وبها دفن يحيى البخارى الأنصاري والد أمه، وفى العام التالي (٥٤٠) توفى منصور تاركا مشيخة الطائفة إلى أحمد حارمًا منها ولده.
والظاهر أن نشاط أحمد كان محصورًا فى أم عبيدة والقرى المجاورة لها التى لم تكن أسماؤها معروفة للجغرافيين، بل إن أم عبيدة ذاتها لم يذكرها ياقوت وإن كانت قد ذكرت فى نسخة من كتاب "مراصد الاطلاع".
وهذه الحقيقة تدعونا إلى عدم تصديق ما ذكره أبو الهدى من جمهرة مريديه بل خلفائه وذلك العدد الكثير من العمائر الضخمة الفاخرة البناء التى كان يجتمع فيها وإياهم. وذكر سبط ابن الجوزى فى كتاب "مرآة الزمان" (شيكاغو سنة ١٩٠٧، ص ٢٣٦) أن شيخا من شيوخ الرفاعية أخبره أنّه شاهد نحو مائة ألف شخص مع الرفاعى فى ليلة من ليالى شعبان.
ونستدل مما جاء فى كتاب "شجرات الذهب" أن سبط ابن الجوزى نفسه هو الذى شاهد ذلك، مع أن الجوزى هذا ولد عام ٥٨١، أى بعد ثلاث سنوات من وفاة الرفاعى وجاء فى كتاب "تنوير الأبصار" أن جده بل هو نفسه يؤكدان ذلك.
ولم يذكر مريدو الرفاعى أنه ألف آية رسالة، غير أن أبا الهدى يذكر له ما يلى: ١) مجلسان ألقاهما فى عام ٥٧٧ (٣ رجب) ثم فى عام ٥٧٨ (٢) ديوان من القصائد الطوال (٣) مجموعة من الأدعية والأوراد والأحزاب (٤) عدد كبير من أقوال شتى تطول أحيانًا حتى تبلغ مبلغ المواعظ، وهى مليئة فى كثير من الأحيان بالترديدات والإعادات. ولما كان الرفاعى يدعى فى مصنفاته رقم ١ و٢ و٤ أنه من سلالة على وفاطمة وأنه نائب النبى [- ﷺ -] فى الأرض، فى حين أن كتاب سيرته يؤكدون إنّه كان متواضعا ذليلا وينكرون عليه هذه الألقاب: قطب، وغوث بل شيخ، فإن صحة هذه الرسائل والمصنفات تكون
موضع شك وريبة. ويؤكد صاحب كتاب "شجرات الذهب" (جـ ٤، ص ٢٦٠) أن الفعال العجيبة التى تنسب
[ ١٦ / ٥١٧٥ ]
إلى الرفاعية كجلوسهم فى الأفران المتأججة، وركوبهم الأسد وغير ذلك (وصف هذه الفعال لين Lane فى كتابه
Modern Egyptians جـ ١، ص ٣٠٥) لم تكن معروفة لدى منشئ هذه الطريقة وقد استحدثت بعد الغزو المغولى.
ومهما يكن من شئ فإن هذه الفعال لم تكن من بدع الرفاعى، لأن التنوخى الذى عاش فى القرن الرابع الهجرى ذكر فعالا شبيهة بها. ونستشف من الحكايات التى ذكرها الذهبى (رددها السبكى فى الطبقات، جـ ٤، ص ٤٠) أن عقيدة الرفاعى كانت شبيهة بعقيدة الأهنسا الهندية، أى الإحجام عن قتل المخلوقات أو إيذائها ولو كانت من القمل والجراد. ويقال أيضًا إنّه امتدح الفقر
والزهد والبعد عن الأذى والضر والاستسلام لهما. وجاء فى كتاب مرآة الزمان كيف أن الرفاعى سمح لزوجته أن تضربه بالمسعر وإن كان أصدقاؤه قد جمعوا له خمسمائة دينار ليمكنوه من تطليقها ورد صداقها. (ولا ينفق المبلغ المذكور مع فقره المزعوم)
وهناك روايات متناقضة عن علاقاته بعبد القادر الجيلانى الذى كان معاصرًا له، فقد جاء فى كتاب "بهجة الأسرار" بإسناد خاطئ على ما يظهر رواية عن اثنين من أبناء أخت الرفاعى وعن شخص زاره فى أم عبيدة أن عبد القادر لما أذاع وهو فى بغداد أن قدمه على عنق كل ولىُ سمع الرفاعى يقول وهو فى أم عبيدة وعلى عنقى كذلك، ومن ثم فإن البعض يجعلونه تلميذًا لعبد القادر. ونجد من ناحية أخرى أن المصادر التى استقى منها أبو الهدى تجعل عبد القادر واحدًا من الذين شاهدوا فى مكة عام ٥٥٥ معجزة النبى [- ﷺ -] الفريدة وهى إخراج يده من القبر ليقبلها الرفاعى. زد على ذلك أن الرفاعى قد ذكر فى ثبت أسلافه الذى ألقاه فى مجلسه عام ٥٧٨ المنصور ولم يذكر عبد القادر، ومن ثم فالراجح أن كل واحد من هذين
الشيخين كان له مجال من النشاط مستقل عن الآخر.
وجاء فى كتاب الفاروثى، حفيد مريد من مريدى الرفاعى يدعى عمر،
[ ١٦ / ٥١٧٦ ]
تفاصيل عن أسرة الرفاعى. ذلك أنه روى أن الرفاعى تزوج أول ما تزوج من خديجة ابنة اخى منصور، ثم تزوج بعد وفاتها نفيسه ابنة محمد بن القاسمية.
وقد أنجب الرفاعى كثيرًا من البنات، وكان له أيضًا ثلاثة أبناء توفوا جميعًا قبل وفاة أبيهم. وخلفه على مشيخة الطريقة على بن عثمان أحد أبناء أخته؟