واسمه الكامل أبو عمر (ويكتب خطأ "أبو عمرو") يوسف بن هارون الكندى القرطبى الرمادى: شاعر من شعراء
[ ١٧ / ٥١٩٢ ]
الأندلس عاش فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) ومات فى أوائل القرن الخامس (الحادى عشر الميلادى) عام ٤٠٣ (١٠١٣ م) فى يوم العنصرة أى عيد القديس يوحنا (٢٤ يونية). وفى رواية ابن حيان (فى كتاب ابن بشكوال، انظر المصادر) أنه توفى عام ٤١٣ هـ (١٠٢٢ - ١٠٢٣ م). ويذكر المقرى (نقلا عن ابن حيان) أنه دفن فى مقبرة قرطبة المعروفة بمقبرة كلع.
وتفسر النسبة "الرمادى" على وجهين:
١ - يقال أن هذا الشاعر جاء من الرمادة، وهى قرية بين الإسكندرية وبرقة، على أن هذا التفسير لا يعتد به لأن الرمَّادة بتشديد الميم، وهو الرسم الذى ذكره الجغرافيون الذين تحدثوا عن هذا الموضع كاليعقوبى والبكرى والإدريسى، لا ينسب إليها بالرمادى بميم غير مشددة.
٢ - والتفسير الثانى هو أن الرمادى نسبة إلى الرماد وهو التفسير الوحيد الممكن. ولعل الشاعر فى حداثته قد اشتغل بتجارة الرماد. وتوكيدًا لذلك نوجه النظر إلى الكنية الفرنجية التى كنى بها فى الأصل، وهى أبو جنيس (ذكرت خطأ "أبو سبيح" فى يتيمة الدهر). أى Padre ceniza ومعناها صاحب الرماد.
والرمادى قرطبى قضى حياته كلها فى قرطبة اللهم إلا فترة قصيرة قضاها منفيًا فى سرقسطة، وقد سيطرت على حياته ثلاثة عوامل كبرى: اتصاله الوثيق بأبي على القالى، وإخلاصه لدعوة الحاجب أبى الحسن المصحفى، وحبه للخلوة.
لم يكن لأبى على القالى منذ وصل إلى قرطبة عام ٣٣٠ هـ (٩٤٢ م) بعد أن استدعاه الخليفة الأموى عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ = ٩١٣ - ٩٦١ م) من المشرق إلى الأندلس، تلميذ أخلص من الرمادى الذى درس عليه كتاب النوادر. وقد أفصح هذا العالم الشاب عن إعجابه بالقالى فى قصيدة لامية مشهورة من بحر الكامل لم يبق منها سوى ثلاثين بيتا وردت فى يتيمة الدهر للثعالبى وفى كتاب مطمح الأنفس للفتح بن خاقان (انظر المصادر). وهذه القصيدة هى التى أكسبت الرمادى لقب متنبئ الغرب، وهو اللقب الذى كان قد خلع من قبل على ابن هانئ الأندلسى، ثم لقب به من
[ ١٧ / ٥١٩٣ ]
بعده ابن درّاج القسطلى وأبى طالب عبد الجبار. وقد درس الرمادى أيضًا على عالم أندلسى آخر يدعى أبا بكر يحيى بن هذيل، الكفيف أى الأعمى الذى لا نعرف عنه إلا النزر اليسير.
وقد أصبح الرمادى عندما بلغ أوج شهرته شاعر الخليفة الأموى الحكم
الثانى المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ = ٩٦١ - ٩٧٦ م) ثم غدا شاعر ولده وخليفته هشام الثانى المؤيد (٣٦٦ - ٣٣٩ هـ = ٩٧٦ - ١٠٠٩ م)، غير أن انحيازه إلى دعوة الحاجب أبى الحسن جعفر بن عثمان المصحفى واشتراكه فى المؤامرة التى دبرها الخصى جوهر لخلع الحكم الثانى والمناداة بخليفة آخر غير ولده هشام قد جرا عليه غضب الوزير العظيم المنصور بن أبى عامر، فكان أن ألقى به فى غياهب السجن بالزهراء حيث قاسى شتى ألوان العنت وسوء المعاملة. ونظم الرمادى فى سجنه أروع أشعاره (ومن بينها قصيدة بائية من بحر الطويل وقصيدة هائية من هذا البحر) كما أعد كتابًا منظومًا عن الطير ختمه بقصيدة مدح فيها ولى العهد المنتظر هشاما الثانى. وتوسط أصدقاؤه فى الإفراج عنه، ولكنه نفى خارج البلاد. فشخص إلى عبد الرحمن بن محمد التجيبى والى سرقسطة وأشاد بمناقبه فى قصيدة ميمية. وأمنه المنصور فأصبح فى استطاعته العودة إلى قرطبة على شرط ألا يختلط بالناس. ثم عفا عنه آخر الأمر فاندمج فى المجتمع وألحق "مرتزقًا" ببلاط ذلك الحاجب الواسع النفوذ، واشترك بهذه الصفة فى الحملة التى سيرت على برشلونة عام ٣٧٥ هـ (٩٧٥ م). وعاش الرمادى عيشة بؤس إبان الفتنة التى أدت إلى انهيار الخلافة الأموية وقيام طائفة من الدويلات المستقلة تحت حكم ملوك الطوائف، وتوفى وهو فى أشد حالات الكرب والبلاء فى السنوات الأولى من القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى).
واشتهر الرمادى بصفة خاصة بحبه الطاهر لذلك المرأة الغامضة خلوة (وتكتب خطأَ حلْوَة أو حُلْوَة) التى لقيها فى يوم من أيام الجمعة ببساتين بنى مروان العامة على الضفة اليسرى للوادى الكبير عند نهاية الجسر، ولكنه لم يستطع أن يراها مرة أخرى. وقد بذل أبو محمد بن حزم الظاهرى، الذى
[ ١٧ / ٥١٩٤ ]
عرف بزهادته فى تناول مثل هذا الموضوع- كل ما فى وسعه لإذاعة هذه القصة الغرامية، على أن ذكرى خلوة لم تشغل قلب الرمادى أو عقله فيما يبدو لنا إلا قليلا. صحيح أنها كانت قد ملكت عليه قلبه وهو فى سرقسطة حتى أوحت إليه بجميع النسيب الذى قاله فى مدح الوالى التجيبى، إلا أن ذكراها قد انمحت من مخيلته تمامًا بعد عودته إلى قرطبة، ذلك أن قلبه لم يتعلق هذه المرة بامرأة بل بغلام مستعرب أطلق عليه الشاعر اسم يحيى أو نصير.
والظاهر أن أحدًا لم يجمع بعد ديوان الرمادى، ولم يبق من كتاب الطير الذى ألفه فى السجن سوى لامية يصف فيها الصيد بالبازى. وقد ذكرنا فيما سبق أهم ما بقى لنا من أبياتها. وكان الرمادى تلميذًا لأبى على القالى، ومن ثم جنح إلى محاكاة شعراء الشرق، ولكنه أظهر شغفًا بالموشح بعد ابن عبد ربه وقبل عبادة بن ماء السماء، وأدخل على صناعته كثيرًا من البدع. ولشعر الرمادى على الرغم من محاكاته للشعراء القدامى طابع ذاتى يتسم به، وخاصة عندما يناجى خلوة أو يصف ما عاناه فى السجن بالزهراء. ولا تخلو أبياته القليلة التى أشار فيها إلى مواطن الضعف فى شخصية هشام الثانى واستسلامه التام لأمه صبح وللحاجب المنصور، ولا الأبيات التى تحدث فيها عن مؤامرة جوهر، من الفوائد التاريخية. ونذكر أخيرًا أن المعلومات التى أوردها عن المستعربين mozarabs (عبادتهم وأزيائهم) فى خلال حديثه عن محبوبه تتيح لنا أن نحقق ما قاله أبو عامر بن شهيد فى هذا الموضوع نفسه. ومن ثم كانت هذه المعلومات وثائق لها شأنها؟