كانت قصبة فلسطين، وهى على مسيرة ٢٥ ميلا إلى شرق الشمال الشرقى من بيت المقدس. وقد كان الخلفاء الأمويون يؤثرون العيش فى البلاد الريفية الصغيرة على مدينة دمشق. والغالب أنهم كانوا يختارونها فى فلسطين، وشاهد ذلك أن معاوية ومروان من بعده وغيرهما كانوا يقيمون فى كثير من الأحيان فى الصنّبرة على الضفة الجنوبية من بحيرة طبرية، وكان يزيد الأول يقيم فى هَوارين وأذرعات، وعبد الملك فى الجابية، والوليد فى أسَيْس (الآن تل سيس إلى الجنوب الشرقى من دمشق) وفى القريتين، وأبناؤه فى القسطل؛ وكان يزيد الثانى أيضًا يقيم فى الموَّقر بالقرب من فُدين فى بيت رأس - Lam La Badia et le. Hira sous les: mens Omaiyddes فى Melanges de Faculte Orientale de Beyrouth جـ ٤، سنة ١٩١٠، ص ٩١ - ١١٢، The A. Musil Country Residences of the Omayyads فى Palmyrena نيويورك سنة ١٩٢٨، ٢٧٧ - ٢٩٧).
وفى عهد الوليد كان أخوه سليمان واليًا على فلسطين، وقد نسج سليمان على منوال عبد الملك مشيد قبة الصخرة فى بيت المقدس وأخيه الذى أعاد بناء مسجد دمشق (ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٢، ص ٨١٨) فاختط مدينة الرملة الجديدة ونقل إليها مقر الحكومة الإقليمية التى كانت فى اللد منذ طاعون عمواس وذلك عام ١٨ هـ (٦٣٨ - ٦٣٩ م). واستمر أيضًا فى الإقامة بالرملة وهو خليفة (٩٦ - ٩٩ هـ = ٧١٥ - ٧١٧ هـ).
ونقل سكان اللد جميعًا إلى الحاضرة الجديدة لجند فلسطين، وحصنها وترك اللد حتى صارت خرائب. وكان أول ما بنى فيها سليمان قصره، ثم دار الصباغين التى زودت بصهريج ضخم. وقد استصفيت هذه العمائر فى تاريخ متأخر هى وجميع أملاك بنى أمية ودخلت فى حوزة ورثة صالح بن على بن عبد اللَّه. وبدأ سليمان أيضًا بتشييد المسجد ثم استمر فى بنائه عندما ولى الخلافة. وتم تشييده فى عهد عمر بن عبد العزيز
[ ١٧ / ٥٢٠٣ ]
وإن لم يكن ذلك على النطاق الذى استقر عليه الرأى أول الأمر. وكان أمر الإنفاق على بناء القصر والمسجد الجامع فى يد البطريق بن النكا أحد نصارى اللد (البلاذرى طبعة دى غوى، ص ١٤٣ وما بعدها ويكتب هذا الاسم بصيغ مختلفة: بطريق بن بكا فى ابن الفقيه، المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٥ ص ١٠٢، وابن بطريق فى ياقوت (ج ٢، ص ٨١٧). ويذكر ياقوت (جـ ٢، ص ٨١٧) أن هذا البطريق سأل أهل اللد أن يعطوه منزلا بالقرب من الكنيسة فلما أبوا عليه ذلك، عزم على تخريب الكنيسة. ويذكر المقدسى (المكتبة الجغرافية جـ ٢، ص ١٦٤ وما بعدها) أن الخليفة هشاما هدد أهل اللد بتدمير كنيستهم إذا هم لم يسلموا ما أخفوه عندهم من الأعمدة الرخامية التى اعتزموا أن يشيدوا بها عمارة فاخرة. وبدأ هشام أيضًا فى مد قناة تدعى بَرَدة إلى هذه المدينة الجديدة واحتفر آبارًا عذبة، ذلك أن المدينة كانت على مسيرة ١٣ ميلا تقريبًا من أبى فطرس أقرب الأنهار إليها (اليعقوبى، المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٧، ص ٣٢٨).
وأخذ الخلفاء العباسيون فيما بعد على عاتقهم التكاليف الباهظة اللازمة لصيانة هذه القناة، وكان الأمر فى تلك النفقة يخرج فى كل سنة فلما استخلف المعتصم أسجل بذلك سجلا وصارت النفقة يحتسب بها للعمال.
وقد وصف المقدسى وصفًا شائقًا مزايا هذه المدينة وعيوبها، فهى بفضل وفرة فاكهتها وخاصة التين والنخيل، وعذوبة مياهها وطيب غذائها، قد جمعت بين فضائل الريف والحضر، ومزايا المدن التى تقوم فى السهل وتجاور التلال والبحر، ومزايا أماكن الحج مثل بيت المقدس والحصون الساحلية. وكان بها مسجد كبير جميل وخمسة خانات وحمامات مريحة ومساكن رحبة وطرق فسيحة. على أنها كانت إلى ذلك أشبه بالجزيرة الموحلة إبان فصل الشتاء، أما فى فصل الصيف فقد كان حرها شديدًا. وأرض الرملة صلبة لا خضرة فيها لعدم وقوعها على نهر، ولعل قلة المياه الجارية فيها هى أهم عيب فى هذه المدينة، ولولا هذا العيب لكانت تامة
[ ١٧ / ٥٢٠٤ ]
يوناني
الفضائل، ذلك أن مياه الشرب القليلة المحفوظة فى الصهاريج لا تصل إلى أيدى الطبقة الفقيرة من السكان. وتشغل الرملة مساحة قدرها ميل مربع. وعمائرها مشيدة من حجر البناء اللطيف والآجر. وكانت سلعها تصدر بصفة خاصة إلى مصر. وأهم أبواب الرملة هى: درب بئر العسكر (نسبة لحى العسكر، انظر ياقوت، جـ ٣، ص ٦٧٤؛ صفى الدين، مراصد الاطلاع، جـ ٢، ص ٢٥٨)، ودرب مسجد عنابة (وافترض دى غوى أن هذه التسمية أخذت من اسم مدينة أخرى هى عنابة على مسيرة أربعة أميال إلى الشرق من الرملة) ودرب بيت المقدس، ودرب بيلعة أى بالعة أو بالغة؟ أو قرية العنب، وهى قرية بعلة القديمة التى تعرف الآن باسم أبو غوش؟) ودرب لّد ودرب يافا، ودرب مصر، ودرب داجون نسبة إلى مدينة مجاورة بها مسجد ومعظم أهلها من السامريين Samaritans (وبيت دكن Dagon هى الآن بيت دجن).
ويقوم فى وسط سوق الرملة الجامع الأبيض الكبير ومحرابه أكبر ما نعرف من المحاريب، كما أن منبره يلى منبر جامع بيت المقدس، وكثيرًا ما أعجب الناس بمأذنة هذا الجامع الجميلة.
ونحن لا نعرف على وجه اليقين هل كان ثمة مدينة قديمة تقوم فى موقع مدينة الرملة، لأن هذه المسألة موضع خلاف. وقد نبذ الناس الرأى القديم الذى يقول إن الرملة هى مدينة أريماثيا Arimathia أو رمثة Ramatha أورماثيام Ramathiam . ويجدر بنا أن ننظر بعين الاعتبار إلى الاسم القديم () أى المعسكر، وهو اسم موضوع كثير، ما أطلق على أماكن فى فلسطين نذكر منها على سبيل المثال معسكر بيت المقدس. Hebr جـ ١٣، ص ١٣، ص ١١، ١٣؛ Act،Apost جـ ٢١، ص ٣٤؛ جـ ٢٣، ص ٣٢) وأسقفيات فى فلسطين (الآن بئر الزراعة، انظر Vie de S.: Federlin Denier Euthyme le Grand - ص ١٠٤ - ١١١) ولبنان الفينيقية Libanesia R.: Phoinike Aigrin مادة Dict. d'hist في et geoger . et de gdgr. ecles . جـ ٣، ص ١١٩٤ - ١١٩٦) أما مدينة الرملة المصرية التى
[ ١٧ / ٥٢٠٥ ]
على مسيرة أربعة أميال إلى الشمال الشرقى من الإسكندرية فهى تعادل مدينة نيقية Nicopolis القديمة التى عرفت فيما بعد باسم بارمبوله Parembole. غير أن كتاب العرب يذكرون أنه لم تقم من قبل مدينة فى هذا الموضع، وإنما كانت هناك منطقة رملية سميت المدينة باسمها (البلاذرى ص ١٤٣ وغير ذلك من المواضع).
وكان سكان الرملة فى عهد اليعقوبى (المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٨، ص ٣٢٧ وما بعدها) خليطًا من العرب والفرس (انظر منازل الفرس فى الشام كتاب الكندى: ولاة مصر، طبعة Guest، ص ١٩). أما الموالى فكانوا من السامريين.
ويعرف الصهريج الكبير عنيزية الذى إلى الشمال الغربى من الرملة بالقرب من الطريق إلى يافا باسم صهريج القديسة هيلانه St. Helena . وبهذا الصهريج كتابات كوفية تاريخها ذو الحجة عام ١٧٢ (مايو ٧٨٩) أي من عهد هارون الرشيد (Van Berchem: Inscr. arabes de Syrie القاهرة ١٨٩٧. ص ٤ - ٧؛ M. de La Citerne de Ramla in Comptesrendus Vogue de l'Acad. des Incr. et Belles - letters، جـ ٣٩، سنة ١٩١١، ص ٣٦٢ وما بعدها، ٤٩٣ وما بعدها).
وذكر المدينة بادئ ذى بدء حجاج الفرنجة باسم راموله Ramula عام ٨٧٠ م وجعل منها الصليبيون أبرشية. وقد شيدت فى القرن الثانى عشر كنيسة الصليبيين الجميلة، وهى الآن الجامع الكبير، ببوابتها القوطية العالية التى زيد عليها كتابة السلطان قتبغا من غير مراعاة لمقتضيات البراعة الفنية. وبهذه الكنيسة أيضًا كتابة تدل على أن برجها المربع (ومكانه الآن مأذنة مستديرة) قد شيد أو أعيد تشييده عام ٧١٤ هـ (١٣١٤ - ١٣١٥) على يد السلطان محمد.
وجدد صلاح الدين الجامع الأبيض القديم عام ٥٨٧ هـ (١١٩١ م) وزاد عليه السلطان بيبرس عام ٦٦٦ هـ (١٢٦٧ - ١٢٦٨ م) فتبين فوق المأذنة والمحراب والبوابة المواجهة لهما (مجير الدين، طبعة بولاق، ص ٤١٨، ترجمة
[ ١٧ / ٥٢٠٦ ]
Sauvaire ص ٢٠٧: الكتابة فى Van Berchem كتابة المذكور، ص ٥٧ - ٦٤) وجدد بناء المأذنة المعروفة باسم برج الرملة، أو برج الأربعين شهيدًا فى شعبان عام ٧١٨ (أكتوبر ١٣١٨) طبقا لرواية مجير الدين وما جاء فى الكتابة التى على بابها (Zwei arabische Inschriften في Jerusalemer Warte جـ ٦٩، سنة ١٩١٢، ص ١٠٠ وما بعدها). وثمة قول بعيد عن الحقيقة يزعم أن المسجد والمأذنة من عمل الصليبيين (انظر الرأى المخالف لذلك فى Van Berchem، كتابه المذكور، ص ٦٣ وما بعدها). ووصفها ناصر خسرو الذى زارها فى رمضان عام ٤٣٣٨ (١٠٤٧ م) بأنها مدينة كبيرة لها أسوار عالية منيعة من الحجر وأبواب من النحاس. ويحتفظ السكان بأوعية يجمعون فيها مياه الأمطار يضعونها عند مدخل كل بيت. وكان فيها أيضا صهريج كبير وسط المسجد الجامع يستعمله الناس كافة.
وقد هدم الزلزال الذى حدث فى الخامس عشر من المحرم عام ٤٢٥ (١٠ ديسمبر سنة ١٠٣٣) ثلث المدينة، كما خرب مسجدها (انظر ابن الأثير، جـ ٩، ص ٢٩٨).
وشيد الجزء الأكبر من المنشآت العامة والخاصة فيها من الرخام وزين بالتماثيل الجميلة والزخارف. وكان التين أهم صادرات الرملة. وقد أطلق عليها أيضًا اسم إقليم فلسطين (Recueil d'Arch،: Clermont - Ganneau،Orient، جـ ٦، ص ١٠١).
وخرب صلاح الدين المدينة عام ٥٨٣ هـ (١١٧٨ م) خوفًا من استيلاء الإفرنج عليها مرة أخرى، وبقيت على هذه الحال من الخراب إلى الآن (ياقوت، جـ ١، ص ٨١٨، صفى الدين: مراصد الاطلاع، جـ ١، ص ٤٨٣). وزارها ابن بطوطة عام ٧٥٦ (١٣٥٥ م) وذكر الجامع الأبيض وقيل له إنه دفن فيه ثلثمائة نبى. وأقام الدوق فيليب الطيب Philip the Good بمدينة الرملة ديرًا لاتينيا عام ١٤٢٠؛ وأعاد الملك لويس الرابع عشر تجديد هذا الدير فيما بعد.
واتخذ نابليون مدينة الرملة عام ١٧٩٨ مقرًا لقيادته. ومناخها صحى والأراضى المحيطة بها خصبة.
[ ١٧ / ٥٢٠٧ ]