قصبة مملكة نجد، فى الواحة المعروفة بالاسم نفسه التى تقع على الضفة اليسرى لوادى حنيفة الممتد صوب الشمال، وهو واد ضحل يعد جزءا من حوض الشمسية. وطول هذه الواحة التى على هيئة اللوزة ثلاثة أميال وعرضها ميل فحسب.
وتكتنف الرياض من جميع الجهات إلا الجهة الشمالية الشرقية أحراج كثيفة من النخيل. ففى هذه الجهة حرجات قليلة متناثرة تتخلل منظر
[ ١٧ / ٥٢٣٠ ]
هضاب أبى مخروق حيث يخرج المجرى الرئيسى الذى يمد الواحة بالماء. وهو وادى الشمسية الذى يمر بالجانب الشرقى للمدينة فى سيره نحو منفوحة. وقد شيدت الرياض على شرف من الحجر الجيرى تنحدر جميع جوانبه مبتدئة من قمته الوسطى، ويقوم القصر على هذه القمة، وهيئة المدينة التى زودنا فلبى Philby بصورة واضحة عن خطتها، أشبه شئ بشكل رباعى غير متساوى الأضلاع مساحته ١٠٠ فدان تقريبا.
وكان يحيط بالرياض سور منيع يبلغ ارتفاعه نحو من ٢٥ قدما، شيد بالآجر الغليظ المجفف فى الشمس، ويدعم هذا السور شرفات وأبراج تبرز منه ويتفاوت ارتفاعها ما بين ٣٠ و٤٠ قدما، وبعضها مدور الشكل، وقد جددت أجزاء كبيرة من السور حديثا، لأن التحصينات القديمة كانت قد خربت أيام ابن رشيد. وبقيت فى الغرب والجنوب أسوار وشرفات من العهد السابق لابن رشيد.
والظاهر أن الرياض التى نافستها منفوحة فى يوم من الأيام منافسة قوية، كانت فى الأصل على مسيرة ٤٠٠ ياردة تقريبا إلى الشمال الشرقى من موقعها الحالى، قبال بساتين الشمسية حيث تقوم الآن طائفة من الأطلال تعرف بحجر اليمامة. وتتخلل حلقة الأسوار تسعة أبواب بطل استعمال بعضها فى الوقت الحاضر. ومن أهم هذه الأبواب الباب الذى على الجانب الشرقى (باب ثمَيرى)، وهو يؤدى إلى الطرق الرئيسية إلى الشمال والشرق كما يؤدى إلى الطريق الذى يسير جنوبا إلى منفوحة، ثم الباب الذى فى الركن الشمالى الغربى، وهو يؤدى إلى وَشم وقسيم، وإلى طريق الحجاج الغربى المؤدى إلى مكة. وفى الجنوب الغربى بابا دَخْمَة ومُرَيقِب، وبينهما باب غير مسمى، وكلها تؤدى إلى الطريق التى إلى الجنوب والجنوب الغربى، ويؤدى باب بديعة إلى بَطن، وباب الشمسية إلى الطريق الشمالَى. وتؤدى طرق المدينة إلى القصر، ويسير الطريق الرئيسى منها فى خط مستقيم إلى القصر. ثم يمر بالسوق إلى باب بديعة ويتفرع منه طريق يخرج من طرف السوق ويؤدى إلى باب ذهيرى.
[ ١٧ / ٥٢٣١ ]
وتشغل السوق جميع المنطقة التى إلى الشمال من القصر، ويقسمها سور قسمين: الأول خصص للنساء، ويحفل الثانى بحوانيت ساذجة المظهر أقيم بعضها فى الجدار الجنوبى للمسجد الجامع.
وهذا المسجد بناء رحيب قائم الزوايا طوله ١٨٠ قدما وعرضه ١٥٥ قدما، وله بابان، الباب الكبير ويدخله الناس من السوق فى جدار المسجد الجنوبى، وله مداخل جانبية فى الشرق والغرب. وينقسم المسجد من الداخل إلى ثلاثة أقسام، الأوسط وله صحن مكشوف، أما القسمان الآخران فتغطيهما سقوف مستوية تقوم على عدة صفوف من عمد من الحجارة الضخمة تضم بينها أروقة. ويشغل الإيوان الذى فى جانب القبلة نصف البناء كله تقريبا. وللسقوف دورات قليلة الارتفاع وسلم ذو درج فى الجانب الشمالى يحل محل المنارة. وإلى الشمال من الطريق الرئيسى قلعة مربعة ذات أسوار وشرفات هائلة فى أركانها الأربعة، وهى تستعمل الآن دارا للصنعة ومخزنا وسجنا، ويشغل قصر ابن سعود، وهو قصر بسيط متين البناء ذو شرفات يواجه السوق المكشوفة، ربع مساحة المدينة كلها تقريبا. وفى الرياض مساجد كثيرة علاوة على المسجد الجامع، وتقوم مقبرة المدينة فى الرحبة التى فى ظاهرها بين باب الشمسية وأحراج النخيل التى تمتد إلى بساتين الشمسية، وتوجد على مسافة منها نحو الشرق على يسار مهد وداى الشمسية مقبرة صغيرة أخرى خصصت للأسرة الحاكمة. وبين المقبرتين عند الباب الشرقى مصلى فسيح يحيط به سور واطئ من الطوب اللبن، ولا تقام الصلاة فيه إلا فى الأعياد الكبرى، ولهذا المصلى محراب للقبلة فى وسط الجدار الغربى.
ويرتبط تاريخ الرياض الحديث بمملكة الوهابيين ارتباطا وثيقا. فقد حدث عقب وفاة محمد بن سعود أن بايع الوهابيون أخاه ثنيان بالزعامة الروحية والدنيوية، وانضم إليه أهل منفوحة التى كانت تنافس الرياض، وغيرهم من أهل البلاد الأخرى، فاشتد
[ ١٧ / ٥٢٣٢ ]
ساعده وغزا الرياض. وكان يلى أمر الواحة فى تلك الأيام دهام من أسرة ابن دَوَّاس، وقد قاوم دهام الوهابيين مقاومة عنيفة، وتحالف سنة ١٧٥٨ مع دُجَيْن بن عريعر صاحب الأحساء. وحاصر دجين معقل ابن سعود، فباء بالخيبة واضطر إلى الارتداد عنه سنة ١٧٥٩. وبعد ذلك بثلاث سنوات حملت الرياض على اعتناق مذهب جديد، ولم تجد بدا من أن تدين بالطاعة والولاء لابن سعود. على أن دهاما ظل محتفظا بهذه المدينة حتى عام ١٧٧٢ م، وفى هذه السنة نجح عبد العزيز بن محمد ابن سعود فى إسقاطه واحتل الواحة. وظلت الدرعية بالرغم من ذلك قصبة البلاد إلى أن احتلها إبراهيم باشا. فلما انسحب منها خالد باشا وغلب عليها الخراب بفعل قنابل الجيش المصرى خمل شأنها وأصبحت الرياض قصبة نجد ومقر حكم تركى بن سعود زعيم الوهابيين، صحيح أن حسين باشا قائد الحملة الجديدة التى أنفذت عليها قد احتلها إلى حين، إلا أن تركى عاد إليها عقب انسحاب حسين باشا. وفى عام ١٨٣٢ انتقض عليه مشارى بن ثنيان ابن سعود وتولى حكمها وقتل تركى فى المعركة التى نشبت بينهما. وبعد ذلك بأربع سنوات طرد خورشيد باشا الذى كان قد فتح نجدا فيصلا وأقام مقامه خالد بن سعود. على أن فيصلا عاد إلى الرياض عقب تخلى خالد عن الحكم، ثم أجبره خورشيد باشا على التسليم وأسره فى ١٢ ديسمبر ١٨٣٨ وبعث به إلى مصر، وولى على نجد عبد اللَّه بن ثنيان ابن عم خالد. واستطاع عبد اللَّه أن يثبت فى ولايته حتى بعد انسحاب الجيوش التركية المصرية من بلاد العرب الوسطى، وظل يحكم نجدا إلى عام ١٨٤٤، وفى هذه السنة استعاد فيصل حريته وفتح الرياض من جديد، وجعلها قصبته إلى أن أدركته منيته سنة ١٨٦٥. وتنازع ولداه عبد اللَّه وسعود على الحكم، وتمكن سعود من طرد أخيه من هذه المدينة، ولكنه توفى سنة ١٨٧٤، وعندئذ عاد عبد اللَّه إليها، وكان هذا النزاع قد حمل محمد بن رشيد الذى كان ينتحل لنفسه السلطان فى نجد على إقامة عبد الرحمن بن فيصل واليا على الرياض.
[ ١٧ / ٥٢٣٣ ]
وحاول عبد الرحمن الانتقاض فى سنة ١٨٩١ ولكن باء بالخيبة وألقى به فى السجن وتولى محمد بن رشيد حكم الرياض.
ولقى محمد المصاعب فى حكم هذه البلاد المتناثرة فحمله ذلك على إعادة عبد الرحمن إلى ولاية هذه المدينة، على أن عبد الرحمن فر إلى الهفوف واحتمى بالترك، فأقام محمد بن رشيد محمد بن فيصل واليا على الرياض سنة ١٨٩٢. وفى الوقت الذى كان فيه محمد بن عبد العزيز يقاتل الكويت نجح عبد العزيز ابن عبد الرحمن بن فيصل فى استعادة الرياض إلى حوزة أبيه، واعترف به أهلها واليا عليهم سنة ١٩٠٢، بل استطاع سنة ١٩٠٩ أن يحمل ابن رشيد على الاعتراف بسلطانه. وأصبحت الرياض من ذلك الوقت قصبة الوهابيين لا ينازعهم فيها منازع (*).
وثمة بلد آخر يعرف بالرياض بين مهرة وحضرموت، وقد اشتهر هذا البلد فى التاريخ بالمعركة التى وقعت فيه إبان فتنة كندة فى خلافة أبى بكر،
وذكره ياقوت فى معجمه جـ ٢، ص ٨٨١ وما بعدها).