هى فى الأصل ركن البناء. وكانت تطلق بادئ الأمر على صومعة الراهب المسيحى (قارن الكلمة اليونانية) ثم أطلقت على المسجد الصغير أو على المصلى. ولا يزال للكلمة هذا المعنى عند
[ ١٧ / ٥٢٣٩ ]
المسلمين فى الشرق، ذلك أنهم يفرقون بينها وبين المسجد الذى يفوقها شانًا، وهو يعرف أيضًا بالجامع. على أن المصطلح "زاوية" ظل محتفظًا فى شمال إفريقية بمعنى أكثر شمولا من ذلك، إذ هو يطلق على بناء أو طائفة من الأبنية ذات طابع دينى، وهى تشبه الدير أو المدرسة. وقد ذكر دوماس Daumas عام ١٨٤٧ (La Kabylie ص ٦٠) تعريفًا جيدًا للزاوية المغربية. والظاهر أن هذا التعريف يتفق فى الجوهر وما عليه الزاوية فى الوقت الحاضر. (انظر العبارة المقتبسة فى Suppl: Dozy تحت مادة زاوية). فنحن نجد فيها جميع الأشياء التالية أو الكثير منها: غرفة للصلاة بها محراب: ضريح لأحد المرابطين أو ولى من الأشراف تعلوه قبة؛ غرفة قصرت على تلاوة القرآن؛ مكتبًا أو مدرسة لتحفيظ القرآن، ثم غرفًا مخصصة لضيوف الزاوية وللحجاج والمسافرين والطلبة. ويلحق بالزاوية عادة قرافة تشمل قبور أولئك الذين أوصوا فى حياتهم بأن يدفنوا فيها. ويقول دوماس Daumas " إن الزاوية هى على الجملة مدرسة دينية ودار مجانية للضيافة، وهى بهذين الوصفين تشبه كثيرًا الدير فى العصور الوسطى".
على أنه قد طرأ على فكرة الزاوية فيما يظهر تغير خاص إلى حد ما منذ العصور الوسطى فى العالم الإسلامى الغربى على الأقل. أما فى المشرق فسرعان ما اكتسب هذا المصطح معنى محددًا فقصر استعماله على المساجد الأقل من ذلك شأنًا، ولم يستعمل هناك مرادفا للمصطلحات الأكثر منه تحددًا مثل الدير والخانقاه أو التكة التى كانت تطلق بصفة خاصة على المنشآت الصوفية التى يرد أصلها بصفة عامة إلى التصوف الإسلامى عند الفرس.
على أن المصطلح زاوية ظهر فى المغرب حوالى القرن الثالث عشر مرادفًا للرابطة، أى الصومعة التى يعتزل فيها الولى ويعيش وسط تلاميذه ومريديه (انظر ترجمة C. S. Colin لكتاب المقصد للباديسى فى. A. M جـ ٢٦ [١٩٢٦] ص ٢٤٠ تحت هذه المادة). ومع ذلك فإن الزاوية أو الرابطة ليست فى جميع الأحوال هى الرباط، وهو منشأة تخدم
[ ١٧ / ٥٢٤٠ ]
غرضا آخر كان له فى بادئ الأمر طابع حربى. وجدير بنا فى هذه المناسبة أن نشير إلى رواية ابن مرزوق التلمسانى المتوفى عام ٧٨١ هـ (١٣٧٩ م) الذى خص الفصل الثانى والأربعين من رسالته عن أبى الحسن على السلطان المرينى المسماة "المسند الصحيح الحسن" بالكلام عن الزوايا التى شيدها هذا السلطان. وقد ذكر أن الزاوية هى ما يعرف فى الشرق باسم الرباط أو الخانقاه، ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن كلمة رباط كانت تستعمل أيضا فى مراكش للدلالة على المنشآت التى يوجه فيها النشاط العسكرى بصفة خاصة ضد الأعداء والمارقين. وكان هذا يصدق على رباضى آسفى وسيدى شيكر على وادى تنسيفت. ولا شك فى أن صوامع الزاوية الأولى قد نمت سريعًا ولم تصبح أماكن يفزع إليها الناس هربا من الدنيا فحسب بل أصبحت أيضا مراكز للحياة الدينية والصوفية حيث عمل العلماء من غير رجال الدين الذين كان التصوف شغلهم الشاغل على تقريبه إلى أذهان الجماهير. فأصبحت الزوايا آنئذ مراكز تستهوى قلوب الناس ومدارس دينية، كما أصبحت إلى حد ما دور ضيافة مجانية يقصدها الرحالة الذين يبحثون عن الكمال الروحى. وهذا يفسر لنا قول ابن مرزوق فى كلامه عن الزوايا فى زمنه "من الواضح أن الزوايا عندنا فى المغرب تأوى المتجولين وتطعم المسافرين".
ولا نجد فى الأندلس زوايا قبل عهد أسرة بنى نصر بغرناطة، ومن ثم فإنها ترجع إلى العهد ذاته الذى شيدت فيه زوايا أبى الحسن السلطان المرينى، ولابد أنها أقيمت لنفس الأغراض التى أقيمت من أجلها تلك الزوايا. وفى عام ١٩٠٣ ذهب كل من و. مارسيه وج. مارسيه W. & G. Marcais مذهبا طريفا فى هذا الشأن فقالا إن السلاطين المرينيين وسلاطين بنى عبد الواد الذين حكموا فى القرن الرابع عشر الميلادى إنما قصدوا من إنشاء المدارس المغربية أن تكون اعترافًا رسميا منهم بالمدارس الملحقة بالزوايا. ولعل الأرجح أن هؤلاء السلاطين قد حاولوا بمنشآتهم التى أقاموها بجانب مراكز التعليم الدينى الكبرى، وخاصة جامع القرويين بفاس، أن يخففوا إلى حد ما من حدة المنافسة
[ ١٧ / ٥٢٤١ ]
التى سببتها مدارس الزوايا فى المدن وفى خارجها.
وأهم الزوايا فى شمال إفريقية اليوم -سواء أكانت تقوم الآن فى المدن أم فى الريف حيث تنمو حولها فى أغلب الأحيان بعض المدن الصغيرة- هى المقر الرئيسى أو الفروع للمرابطين أو لطوائف الشرفاء الدينية.
وقد كان للزوايا مسلمى الغرب علاوة على شأنها الدينى والعقلى أثر سياسى مباشر على أهل البلاد فى المناطق البعيدة عن مقر الحكومة المركزية. وأبرز مثل على ذلك زاوية الدلاء فى ناحية تادلا فى مراكش الوسطى على ضفاف أم ربيع، إذ استغل مشايخها القلاقل التى أعقبت سقوط أسرة السعديين فى النصف الثانى من القرن السابع عشر فعملوا على بسط سلطانهم الدنيوى على الجزء الأكبر من هذه الناحية التى كانت تابعة لفاس. ونذكر من الأمثلة فى الأزمنة الأحدث من ذلك عهدًا زاوية إيلغ البربرية فى تازروالت وزاوية أحنصال فى منطقة الأطلس الوسطى.