١ - مع اعترافنا بما لبعض المستشرقين من قدم راسخة فى الدراسات الإسلامية، فإننا نجد منهم غمزات هنا وهناك للرسول [- ﷺ -] ما جاء به من تشريعات مصدرها الأساسى القرآن (١) ومن هذا ما يذكره كاتب هذه المادة بخصوص الآية رقم ٢٣ من سورة النساء فى بيان المحرم زواجهن من النساء وفيها: " وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة " حيث يقول: ولابد أن يكون ذلك مطابقًا تمام المطابقة للعادة الجاهلية القديمة إلخ.
إن الرسول [- ﷺ -] لم يكن حريصًا قط فى التشريع على أن يكون مطابقًا لما كان عليه العرب فى الجاهلية، فإن القرآن لم ينزله الله تعالى إلا لتغيير هذا الذى كان فى الجاهلية مما لا مصلحة ولا خير
_________________
(١) راجع مثلا، منتقى الأخبار بشرحه: نيل الأوطار جـ ٦: ٣١٧ - ٣١٨
[ ١٦ / ٥١٦٩ ]
فيه، ولم يقر الرسول [- ﷺ -] من العادات والأعراف الجاهلية القانونية أو الأخلاقية إلا ما رأى المصلحة والخير فى إقراره، وذلك بلا ريب قليل إلى جانب سائر التشريعات القرآنية والنبوية المحضة.
٢ - وكذلك يقول بأن مسألة النسب فى الرضاعة عولجت على أساس أنه مانع من الزواج، خلافًا لنص الآية الصريح"! مع أنّه من المعلوم ضرورة أن الرسول ما كان ليخالف نصًا قرآنيًا صريحًا إلا بوحى من الله تعالى من ضرب آخر، وهو الذى نسميه السنة؛ فإن الرسول [- ﷺ -] كما يقول القرآن نفسه "ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى" ويتناسى الكاتب الدور الذى للسنة بجانب القرآن، وهو بيانه وتحقيق المقصود منه، ولذلك يقول الله تعالى (سورة النحل ١٦/ ٤٤): " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم "
٣ - وحين يذكر الرسول [- ﷺ -] فى بعض أحاديثه هذه القاعدة، وهى: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من
النسب"، أو- كما رواه الترمذى وأحمد - "إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب"، يرى كاتب المادة أن هذا رأى جاهلى قديم سيق فى الحديث تأييدًا لما أراده الرسول! مع أن الرسول [- ﷺ -] نفسه يقول: "إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب"، أى أن مصدر هذا التشريع هو الله تعالى نفسه لا العرف فى الجاهلية!
٤ - هذا الحديث الذى ينسب للسيدة عائشة ﵂ غير جدير بالثقة حقا كما يقول الكاتب، بل غير جائز اعتقاد صحته على ما ورد. وذلك -كما يذكر الجصاص فى كتابه أحكام القرآن جـ ٢: ١٥٢، المطبعة البهية بالقاهرة سنة ١٣٤٧ هـ (١) - لأنها ذكرت أنّه كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات فنسخن بخمس، وأن رسول الله [- ﷺ -]
توفى وهو مما يتلى.
وليس أحد من المسلمين يجيز نسخ القرآن بعد موت النبى [- ﷺ -] فلو كان ثابتا لوجب أن تكون التلاوة موجودة، فإذا لم توجد التلاوة، ولم يجز النسخ بعد وفاة النبى [- ﷺ -] لم يخل ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون الحديث
_________________
(١) راجع بدائع الصنائع للكاسانى جـ ٤: ٧ - ٨
[ ١٦ / ٥١٧٠ ]
مدخولا فى الأصل غير ثابت الحكم؛ أو يكون إن كان ثابتا فإنما نسخ فى حياة رسول الله، وما كان منسوخا فالعمل به ثابت، إلى آخر ما قال.
٥ - من الثابت عند الأحناف أنهم لا يكتفون فى إثبات الرضاع بشهادة امرأة واحدة، كما يزعم كاتب المادة، بل لا يجيزون فى هذا شهادة النساء وحدهن. وفى ذلك يقول ملك العلماء علاء الدين الكاسانى، المتوفى عام ٥٨٧ هـ ما نصه: "وأما البينة (أى على ما يثبت به الرضاع) فهى أن يشهد على الرضاع رجلان أو رجل وامرأتان، ولا يقبل على الرضاع أقل من ذلك، ولا شهادة النساء بانفرادهن. وهذا عندنا (أى عند الأحناف)، وقال الشافعى يقبل فيه شهادة أربع نسوة (١)؟
الدكتور محمد يوسف موسى