جاءت هذه المادة كما كتبها صاحبها غاية فى الإجمال، وعلى غير قليل من الغموض والقصور. ولعل السبب فى هذا وذاك اعتماد كاتبها على المراجع الأجنبية وحدها. وهيهات أن تفيد هذه المراجع فهما حقا لمسألة من الفقه الإسلامى كالمسألة موضوع البحث! ومن الخير أن تعاد كتابتها بالرجوع إلى المراجع الإسلامية الأصيلة، ولكن هذا يؤدى إلى تطويل قد يكون غير مرغوب، ولذلك نكتفى بالحديث عن أهم ما تشمله المادة، وذلك مسألتان:
(أ) هل يجوز الانتفاع بالرهن وهو مرهون ولمن يجوز إن كان مشروعا؟
(ب) ما الحكم إذا هلك الرهن قبل وفاء الراهن للدين الذى عليه للمرتهن؟
وفى أثناء الحديث عن هاتين المسألتين، سنشير إلى ما لنا من ملاحظات على المادة كما كتبها كاتبها.
(أ) الرهن أو الشئ المرهون ملك لراهنه المدين، ولهذا تكون منافعه وزياداته ملكا لصاحبه، وإذا فليس للمرتهن الدائن -فى بادئ الرأى- أخذ شئ من هذا أو الانتفاع بالرهن إلا بإذن الراهن. ومع ذلك ففى المسألة تفصيل يرجع إلى اعتبارات عديدة، منها أن يكون الرهن مما لا يحتاج إلى مؤنة كالدار
[ ١٧ / ٥٢٢٤ ]
والمتاع، أو يحتاج كالحيوان، ثم الحيوان قد يكون له لبن يحلب أو مما ينتفع به فى الركوب ونحوه، وهكذا إلى اعتبارات أخرى ليس هنا محل تفصيل القول فيها: بل يجب الرجوع إليها فى مظانها (١).
ثم رويت عن الرسول [-ﷺ-] فى هذا الموضوع أحاديث أثارت شيئا من الخلاف بين الصحابة والفقهاء أصحاب المذاهب من بعدهم، ونذكر منها قوله [-ﷺ-]. "الظهر يرُكب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدَّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذى يركب ويشرب النفقة" (٢) وقوله فيما رواه الإمام أحمد ابن حنبل: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها. ولبن الدر يُشرب وعلى الذى يشرب نفقته، (٣) وقوله: "إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدر علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا" (٤).
وواضح أن هذا الاختلاف فيمن له حق الانتفاع بالرهن، قد جاء من قول الرسول [-ﷺ-]: يركب ويشرب، أى بصيغة البناء للمجهول التى لا تعين من له هذا الحق. فمن الصحابة من ذهب إلى أن ذلك للراهن وحده لأنه مالك الرقبة، فله أن ينتفع بها مقابل نفقتها، ومن هؤلاء الصحابة ابن مسعود، ثم ذهب بعض الأئمة -لا الشافعى وحده كما ذكر كاتب المادة- من بعد إلى هذا الرأى. وفى هذا يقول الشافعى إن من رهن ذات در وظهر لم يمنع الراهن درها وظهرها لأن له رقبتها، فهى محلوبة ومركوبة كما كانت قبل الرهن. قال: "ومنافع الرهن للراهن، ليس للمرتهن منها شئ" (٥):
وذهب آخرون، إلا ابن حنبل وحده كما ذكر صاحب المادة، إلى أن الذى له الانتفاع مقابل النفقة هو المرتهن الدائن، وهذا "بقرينة أن انتفاع الراهن لأجل كونه مالكا. والمراد هنا الانتفاع فى مقابلة النفقة، وذلك يختص بالمرتهن" (٦) ويؤيد هذا الرأى ما جاء فى الرواية
_________________
(١) راجع مثلا، المغنى لابن قدامة جـ ٤، ٣٨٥ وما بعدها.
(٢) منتقى الأخبار بشرحه نيل الأوطار، جـ ٥: ٢٣٤. وراجعه مع شئ من الاختلاف فى اللفظ أو الترتيب، فى سنن أبى داود جـ ٣: ٣٩٠ - ٣٩١ طبعة مصطفى محمد، وسنن البيهقى جـ ٦، ٣٨.
(٣) و(٤) نيل الأوطار، جـ ٥: ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٤) سنن البيهقى، جـ ٦: ٣٨ - ٣٩.
(٥) نبيل الأوطار، جـ ٥: ٢٣٤.
[ ١٧ / ٥٢٢٥ ]
الأخرى التى ذكرناها، وفيها أن من ارتهن شاة شرب من لبنها بقدر علفها، وممن ذهب إلى هذا الرأى ابن حنبل والليث بن سعد وإسحاق والحسن (١).
وهنا يرى ابن مسعود ومن ذهب مذهبه من الأئمة المتأخرين أن هذا الحديث بروايته الأخرى تلك ورد على خلاف القياس، لأن فيه إجازة انتفاع المرتهن بغير إذن الراهن (المالك) ولأن فيه تضمينه ما ينتفع به بالنفقة لا بالقيمة.
ويقول ابن عبد البر بأن هذا الحديث عند جمهور الفقهاء ترده أصول مجمع عليها، وآثار لا يختلف فى صحتها (٢). على أن السنة الصحيحة وهذا الحديث منها، من جملة الأصول فلا ترد إلا بأصل آخر أرجح منها، كما يذكر الشوكانى، بعد أن يتعذر الجمع بينها.
(ب) بعد أن وضع المرتهن يده على الرهن ضمانا أو تأمينا لدينه، أصبح الرهن وثيقة بهذا الدين الذى له، ومعنى هذا أن له أن يطالب المدين بدفع ما عليه حين يحل أجل الوفاء المتفق عليه بينهما مع استمراره حابسا للمرهون حتى يستوفى دينه كله، فإن وفى الراهن الدين انتهى عقد الرهن طبعا، وإلا بيع الشئ المرهون وحينئذ يكون "المرتهن أحق بثمنه من بين سائر الغرباء، لأن بعقد الرهن ثبت له الاختصاص بالمرهون، فيثبت له الاختصاص ببدله وهو الثمن (٣)، ومن البدهى أن للراهن ما بقى من الثمن بعد سداد الدين، وأن المرتهن يعود عليه بما بقى من الدين إن لم يف الثمن به كله.
أما إذا هلك الرهن فى يد المرتهن قبل وفاء الدين، فإن الإمام الشافعى يرى أنه هلك أمانة فيبقى له دينه يطالب به، بينما يرى الفقهاء الآخرون أنه يهلك مضمونا، ثم اختلف هؤلاء فى بيان قدر هذا الضمان، فذهب أكثرهم إلى أنه يهلك مضمونا بالأقل من قيمته ومن الدين، وفى هذا بلا ريب مصلحة للمرتهن وهذا هو "قول عامة العلماء وجماعة من الصحابة ﵃
_________________
(١) المؤلف نفسه، ص ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٢) المؤلف نفسه، ص ٢٣٥، وراجع المسألة بتمامها والخلاف فيها، وترجيح أن من له الانتفاع هو المرتهن، في "الروض النضير" لشرف الدين الحيمى اليمنى الصنعائى، مطبعة السعادة عام ١٣٤٨ هـ، ص ٣٧٥ - ٣٧٦.
(٣) البدائع للكاسانى، جـ ٦: ١٥٣.
[ ١٧ / ٥٢٢٦ ]
مثل سيدنا عمر وعبد اللَّه بن مسعود" (١) وقد رواه عن سيدنا على. ومنهم من قال إنه مضمون بقيمته بالغة ما بلغت، أى على المرتهن فضل قيمة الرهن إن كانت تزيد عن قدر الدين" ومنهم من ذهب أنه مضمون بالدين بالغا الدين ما بلغ، أى يذهب الدين كله وإن كان يزيد عن قيمة الرهن، وقد جاء فى رواية عن على ﵁ أنه قال يترادّ المرتهن والراهن الفضل؛ أى يرجع المرتهن على الراهن بفضل الدين إن كان أكثر من قيمة الرهن، ويرجع المدين بفضل قيمة الرهن إن كانت تزيد على مبلغ الدين (٢).
الدكتور محمد يوسف موسى