أعظم قبيلتين من الجمرات فى شمالى بلاد العرب فى الزمن القديم وأوسعها سلطانا.
[ ١٦ / ٥٠٩٥ ]
والاسم ربيعة شائع جدًا بين القبائل العربية. وثمة قبائل من مضر تحمل هذا الاسم ولها شأن أكبر من غيرها، وهى ربيعة بن عامر بن صعصعة، ومنها خرجت كعب وكلاب وكليب، ثم ربيعة بن عبد الله بن كعب، وربيعة بن كلاب، وربيعة بن الأضبط، وربيعة بن
مالك بن جعفر، وربيعة بن عقيل، وربيعة بن جعدة. وثمة أيضًا ثلاثة فروع من عبد شمس تسمى بربيعة.
ونذكر من القبائل اليمنية الكبرى: ربيعة بن الخيار، وربيعة ابنَ جْرول، وربيعة بن الحارث بن كعب WUstrnfeld:
Register، ص ٣٧٧ وما بعدها). أما بنو ربيعة فحسب، أو بنو أبى ربيعة، فعشيرة من عشائر شيبان (العقد، جـ ٣، ص ٦٠، س ٢٧ وما بعده؛ ص ٦٥، س ٢٥ وما بعده). وأما ربيعة الكبرى أو الوسطى، أو الصغرى، فاسم يطلق على ثلاث بطون من تميم، هى ربيعة بن مالك بن زيد مناة، وتعرف أيضًا باسم "ربيعة الجوع "، وربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وربيعة بن مالك بن حنظلة.
والجمع الربائع يشكل كل هؤلاء (لسان العرب، جـ ٩، ص ٤٦٩،س ٩؛ العقد، ج ٢، ص ٤٧، س ٢٦، ص ٤٣، س ١). أما الاسم مضر فعلى خلاف ربيعة يكاد لا يذكر فى غير ذلك من المواضع (ربما اقتصر فى ذكره على أنه رواية فى مطر بن شريك: العقد، جـ ٣، ص ٧٤، س ٢، المصدر المذكور، ص ٢٩٠).
نسبهما: يقول علماء الأنساب إن الجد المشترك لمعظم القبائل فى شمالى جزيرة العرب هو نزار بن معّد بن عدنان وقد أعقب نزار من زوجه سودة بنت عكّ ابن عدنان ولديه مضر وإياد، ومن زوجه جدالة بنت وعلان من عشيرة جرهم البائدة ولديه ربيعة
وأنمار (الطبرى، جـ ١، ص ١١٠٨؛ ويزيد البتنونى [أنظر المصادر] عليهما قضاعة؛ ولكن راجع Wustenfeld، المصدر المذكور، ص ١٣٧ وما بعدها).
ولدينا علاوة على الرواية المشهورة عن تقسيم ميراث نزار بين ولديه وتلقيب مضر من ثم بربيعة الحمراء (نسبة إلى الخيمة الحمراء: Goldziher: Muh. Stud،
[ ١٦ / ٥٠٩٦ ]
جـ ١، ص ٢٦٨. وانظر مع ذلك لسان العرب. جـ ٧، ص ٢٦؛ س ١٧) وربيعة بربيعة الفرس، رواية أخرى تقول إن ربيعة دفن إلى جانب نزار. أما مضر الذى نزل بمكة فقد دفن فى الَرْوحاء على مسيرة يومين من المدينة، ويقال إن قبره هناك غدا مزارًا يحج إليه الناس.
الديار بكرى: تاريخ الخميس، القاهرة ١٢٨٣ هـ، جـ ١، ص ١٤٨، س ٦ الحلبى: السيرة، القاهرة ١٢٩٢ هـ، جـ ١، ص ٢١، س ١٧).
وقد جاء فى شجرة نسب ربيعة ومضر أن مضر كان له ولدان: الياس (معرفة) أو إلياس، أو ألياس، وعيلان الناس جد قبائل عظيمة مشهورة.
وأعقب إلياس ثلاثة أبناء من زوجته ليلى بنت حلوان المعروفة بخندف (انظر فستنفلد، المصدر المذكور، ص ١٣٣) ومن ثم عرفت سلالتها ببنى خندف.
وهؤلاء الأبناء الثلاثة هم: مدركة، وطابخة، وقمعة (ابن عبد البر: الإنباه، ص ٧٢ وما بعدها) وقد اصبح الولدان الأولان أيضًا جدين لقبائل عظيمة ذات شأن. ذلك أن مدركة أعقب هذيلا وخزيمة؛ وكذلك غدا خريمة جدًا لأسد وكنانة وإلى كنانة تنتسب قريش وغيرها من القبائل. أما أدبّن طابخة فقد أعقب ضَبة عبد مناة، وعمرو الذى عرفت سلالته بمزينة نسبة إلى زوجته، ومّر وحُميس .. وكان تميم أيضا جدا لقبيلة من أعظم قبائل العرب.
وأما أبناء ربيعة الفرس فهم أكلب، وضبيعة، وأسد وأعقب أسد عميرة، وعنزة وجديلة، وإلى هؤلاء يرفع عبد القيس والنمر، ووائل بن قاسط أنسابهم. وكان وائل جد قبيلتين من أعظم قبائل العرب سلطانًا، وهما بكر، وتغلب ومن بكر خرجت قبائل حنيفة وشبيان، وذهل، وقيس بن ثعلبة وغيرها (انظر ابن دريد: الاشتقاق، ص ١٨٩ - ٢١٦).
ونخرج من معجم البكرى بالفكرة التالية عن منازل ربيعة ومضر: عندما قسمت جزيرة العرب بين أحفاد معد خص مضر تخوم الأرض المقدسة حتى السروات، كما كان من نصيبها البقعة التى على هذا الجانب من الغور وما يليه؛ أما ربيعة فقد خصها سفوح تلال غمر ذى كندة والجزء الأوسط من ذات عرق وما يليه من النجد حتى الغور الذى فى تهامة.
[ ١٦ / ٥٠٩٧ ]
وقد زادت القبيلتان فى رقعة منازلهما، فطردتا أبناء معد الآخرين من مكة وناحيتها. ولما نزحت عبد القيس إلى البحرين احتل بعض قبائل ربيعة هضاب نجد والحجاز وتخوم تهامة حيث قامت منازلهم الذنائب، وواردات، والأحّص، وشبيث، وبطن الجريب، والتغلمان. وانشعبت عشائر ربيعة المختلفة نتيجة لحرب نشبت، فشقوا طريقهم إلى الإمام، وبلغ معظمهم أرض الجزيرة حيث احتلوا الأرض التى حملت أسماءهم من بعد وهى ديار ربيعة وديار بكر؛ Wohn-: Wustenfeld
sitze، ص ١٠٧، ١٣٦ وما بعدها، ١٦١ وما بعدها، ١٦٨، Blau في Zeitschr.der Deutsch. Morgenl' Gesell. جـ ٢٣، ١٨٦٩، ص ٥٧٩ وما بعدها).
ولما نزحت ربيعة عن تهامة بقيت مضر فى منازلها حتى هزمت خندف قيسا، فسارت قيس قدمًا ودخلت أرض نجد. ودب الشقاق بين خندف، فحمل ذلك طابخة إلى الهجرة إلى نجد والحجاز وما يليهما. وسارت عشائر من طابخة حتى بلغت اليمامة، وهجر، ويبرين وعمان. واستقرت بطون منها فى البحرين والبصرة. على أن عدة قبائل من مدركة بقيت فى تهامة، مثال
ذلك أن سلالة نضر بن كنانة أقاموا فيما جاور مكة (Wohn-: Wustenfeld sitze، ص ١٦٩ ومابعدها). أما مضر التى هاجرت إلى أرض الجزيرة فقد نسبت إليها ديار مضر، وهى التى تبين لبلاو Blau(المصدر المذكور، ص ٥٧٧)
أنها عين القبيلة العربية Mavtavtrai التى ذكرت فى الجزيرة فى القرن الرابع الميلادى.
تاريخ ربيعة ومضر: ظلت ربيعة ومضر خاضعتين لليمن حتى أطاح الأحباش بمملكة حمير، واستطاع بنو ربيعة ومضر أن يرفعوا عن كاهلهم نير اليمن عدة مرات عندما كانوا يدينون جميعًا بالطاعة لأمير منهم. وقد سجلت أخبار أيام من هذه الحروب، وهى أيام البيداء والسُلاّن وخَزَاز أو خزازى، وكانت الغلبة فيها لقبائل معّد Reiske: Primae Lineae /hist. regn. Arab، طبعة فستنفلد، ص ١٨٠ وما بعدها؛ اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ١، ص ٢٥٧؛ ياقوت، جـ ٢، ص ٤٣٢
وما بعدها، جـ ٣، ص ١١٤ وما بعدها).
[ ١٦ / ٥٠٩٨ ]
وقد كانت ربيعة ومضر تابعتين مدة مع الزمن لمملكة كندة التى كان حكامها يحملون لقب ملوك معّد (أو مضر) وربيعة Geogr: Sprenger ص ٢١٦).
واعترفت بقية ربيعة ومضر، شأن بكر وتغلب، بإمارة الحارث بن عمرو المقصور الكندى الذى قادهم إلى النصر فى حربهم مع الملوك الغسانيين واللخميين، ولكنه فقد الأرض التى فتحها (حمزة الإصفهانى، طبعة Gottwaldt جـ ١، ص ١٤٠). وحدث عقب وفاته أن دالت مملكة ذى نواس على يد الأحباش، وأصبح الكنديون لا يدينون بالولاء لليمن، وعندئذ نشبت حرب البسوس بين بكر وتغلب. وانتهى "يوم الكلاب الأول"، ويعرف بيوم كلاب ربيعة لأن القبيلتين كانت من نسل ربيعة بن نزار، لصالح تغلب، فولت ربيعة وجهها شطر المنذر الثالث ملك الحيرة، فما كان من هذا الملك إلا أن بسط سلطانه على ربيعة ومضر وغيرهما من قبائل جزيرة العرب الوسطى (اليعقوبى، المصدر المذكور؛ ياقوت: المعجم، جـ ٤، ص ٢٩٤ وما بعدها). وإلى هذا العهد تنتسب غزوة تغلب لأرض الجزيرة، والراجح أن تغلب هى أول من نزل بالجزيرة من الربايعة. وتبعها بنو نمر بن قاسط وغيرهم من قبائل ربيعة الأخرى، ولم تخمد نار العداوة بين تغلب وبكر، ووقفت كل منهما فى طرف يوم ذى قار وكانت غلبة بكر التى أشيد بها وعدت نصرًا كبيرًا على الفرس (انظر Sasanide: Noldeke، ص ٣١٠ وما بعدها، وهى وقعة يجعلها ياقوت سابقة على هذا التاريخ، جـ ٢، ص ٧٣٥ وما بعدها) سببًا فى تحرير قبائل جزيرة العرب الوسطى من النير الأجنبى، ومهدت الطريق لظهور الإسلام.
وتقول القصص إن مضر كانت لها صلات قديمة جدًا بالكعبة. وقد طردت إياد امراء تهامة وسدنة الكعبة من مكة.
وتمت الغلبة لمضر فى النزاع الذى نشب من أجل القيام على البيت العتيق، ولكنها اضطرت إلى التخلى عن سدانة الكعبة لخزاعة، ولم يبق لها من الشئون الدينية الخالصة المتصلة بالحج إلا ثلاثة هى إجازة عرفات، وإضافة المزدلفة، وإجازة منى، وظلت الأسر المضرية تتولى ذلك أيضًا بعد التقسيم الجديد الذى أجرته قصى (انظر ابن خلدون: العبر، جـ ٢، ص ٣٣٣، ٣٣٥؛
[ ١٦ / ٥٠٩٩ ]
اليعقوبى، كتابه المذكور، جـ ١، ص ٢٧٤). وكذلك تولت مضر فى ظل كندة منصب التوقيت الخطير - Spren) (Geogr: ger، ص ٢٢٥). وكانت النصرانية منتشرة بين ربيعة فى أيام النبى [- ﷺ -]، أما مضر فقد بقيت مستمسكة أكثر من ربيعة بشعائرها الوثنية القديمة، وكانت أقل من قبائل التخوم تأثرًا بسلطان الآرامية ("وربما كان هذا بعض السبب فى الوحشة التى دبت بينها وبين ربيعة": Welhausen Reste ص ٢٣١). وكان رجب هو الشهر المقدس عند مضر (ومن ثم رجب مضر؛ انظر Wellhausen، الكتاب المذكور، ص ٩٧؛ وثمة تعليل عجيب لذلك ذكره ابن المجاور وأورده Spren- Mohommed: ger جـ ٣، ص ٤٠٣)، كما كان رمضان هو الشهر المقدس عند ربيعة (الدمشقى: نخبة الدهر، ترجمة مهرن Mehren، ص ٤٠٣) ونستبين من مناسكهم فى الإحرام أن جميع ربيعة
وكثيرًا من قبائل مضر بما فى ذلك حلف رباب كانت تابعة للحلة (اليعقوبى، كتابه المذكور، جـ ١، ص ٩٨)، . ونجد فى الدمشقى (كتابه المذكور، ص ٣٨٥) ذلك الرأى الفريد الذى يقول إن القبط هم سلالة ربيعة أو تغلب الذين هاجروا إلى مصر طلبًا للقوت.
وتفخر مزينة بأنها أول قبيلة مضرية دانت للنبى [- ﷺ -] بالولاء (كان ذلك فى زمن متقدم يرجع إلى سنة ٥
للهجرة فيما يقال؛ sprenger، المصدر المذكور، جـ ٣، ص ٢٠١). وفى سنة ٨ هـ حطم خالد بن الوليد صنم العَّزى فى نخلة، وهو الصنم الذى كانت تعبده قريش، وكنانة، و"جميع مضر" (الطبرى، جـ ١، ص ١٦٤٨). وفى عام الوفود (٩ هـ) دخلت فى الإسلام عدة عشائر كبرى من مضر وربيعة مثل تميم، وثقيف، وعبد القيس، وبكر بن وائل، ولكن هذا لا يعنى أن جميع بلاد العرب الوسطى قد خضعت للإسلام.
وشاهد ذلك ما أبداه وفد عبد القيس للنبى [- ﷺ -] من حسرة بقولهم "إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا فى الشهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر" (Sprenger: المصدر المذكور، جـ ٣، ص ٣٧٤؛ قارن ص ٣٠١؛ تعليق ١). وقد ذكر فى حوادث عام ١١ هـ ما قاله أتباع مسيلمة الكذاب: "ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من
[ ١٦ / ٥١٠٠ ]
صادق مضر" (وربما كانت الرواية الأخرى التى تقول "أحب إلينا من كذاب مضر" أحسن من الرواية الأولى: الطبرى، جـ ١، ص ١٩٣٦ وما بعدها؛ وربما كانت هذه الرواية أقدم ما يبين عن الخلاف بين ربيعة ومضر). وحدث فى السنة نفسها أن "ربيعة" فى
البحرين ولت عليها ملكا من أهلها، ولا يمكن أن يكون المقصود بربيعة هنا سوى قبيلتى قيس بن ثعلبة وعبد القيس (الطبرى، جـ ١، ص ١٩٦٠، البلاذرى: فتوح البلدان، ص ٨٣ وما بعدها). ويرد ذكر قبائل ربيعة ومضر منذ هذا التاريخ بوصفهما من
الكتائب ذات الشأن فى الجيوش الإسلامية. على أن الروايات تبالغ فى ذكر عددهم مبالغة مشكوكا فيها (انظر Annali: Caetani حوادث سنة ١٢ هـ، الفصل ١٨٨ تعليق ٥). وقد باغت المثنى عند فتحه السواد سنة ١٣ هـ ربيعة وقضاعة مجتمعين فى سوق الخميس، وكانت لا تزالان خاضعتين للساسانيين (الطبرى، جـ ١، ص ٢٢٠٢ وما بعدها). وبعد ذلك بخمس سنوات أنفذ جيش كبير إلى الرقة ونصيبين وبدو ربيعة وتنوخ (ابن خلدون: العبر، المجلد ٢، جـ ٢، ص ١٠٧ وما بعدها).
وليس ثمة ما يدعونا إلى تتبع تاريخ ربيعة ومضر فيما بعد، ذلك بأنه يتضح مما سبق أن هذين الاسمين إنما يعرف بهما عشائر قليلة، ولا يطلقان على جميع هذا الحلف من القبائل كما ذهب إلى ذلك علماء الأنساب. والأغلب أن الاسم ربيعة يقصد به بكر وتغلب فحسب أو واحدة منهما فقط. ونجد أحيانًا جميع قبائل ربيعة داخلة فى مضر (العقد، جـ ٢، ص ٣٩، س ٣٠)، وهذا يزيد فى أسباب البلبلة والاضطراب. وترد بعض الروايات مبدأ هاتين القبيلتين إلى تاريخ موغل فى القدم، فيتعذر علينا أن
نقطع بوجودهما فى هذا التاريخ، أو يحملنا ذلك على القول بأن وجودهما فى تلك الأيام يعد كما هى الحال بالنسبة لمعد ونزار ضربا من الانتحال.
وقد بين لنا كولدسيهر (. Muh. Stud. جـ ١، ص ٩٤ وما بعدها) أن العداء بين عرب الشمال وعرب الجنوب ترد أصوله إلى المنافسة بين قريش والأنصار، وهو يرى أن الحروب الأولى التى نشبت بين معد واليمن من إبداع
[ ١٦ / ٥١٠١ ]
مخيلة المتأخرين. ويقول: "معد ومضر إنما هما الندان للأنصار" فلما اشتدت العداوة بين القبائل بفعل التطورات السياسية وعقب وقعة مرج راهط انتشرت نزعة عقد الأحلاف انتشارًا كبيرًا، وانتهى الأمر بأن انضمت تميم وقيس إلى حزب مضر الكبير. أما أزد فقد إنحازت إلى سائر اليمنية الذين دخلت فيهم ربيعة (بكر) بخراسان، ثم انضمت إليهم قضاعة الشآمية (كلب) آخر الأمر (Das arabische: Wellhausen، Reich ص ٤٤ وما بعدها). وأما أثر هذه الثنائية، بين مضر (تميم وقيس) واليمن (أزد ربيعة) التى غطت على سائر العصبيات وكانت المحور الذى يدور عليه العالم العربي كله فقد تناولنا
خطوطها العريضة