اسم أسرة حاكمة. ولا يفرق مؤرخو الزيدية بين أئمة الزيدية فى الديلم وأئمتهم فى اليمن. وسنتكلم فى هذه المادة عن زيدية اليمن فحسب. وقد فصل مؤرخو الزيدية الكلام عن بعض
[ ١٦ / ٥١٣٧ ]
عهود هؤلاء، فى حين لا نجد عن بعض العهود الأخرى سوى إشارات عارضة ذكرها كتاب كان اهتمامهم الخاص موجهًا إلى نواح أخرى، ومن ثم كانت هذه التفصيلات فى كثير من الأحيان ضعيفة السند، كما أننا نشك فى أن بعض أفراد الزيدية قد ادعوا الإمامة حقًا. والاسم الرس نسبة إلى عقار بالقرب من مكة كان فى حوزة القاسم الّرسى جد إمام الزيدية الأول، وهو من
سلالة الحسن بن على بن أبى طالب.
وفى عام ٢٧٠ هـ (٨٩٣ م) دخل يحيى، الملقب بالهادى إلى الحق، بلاد اليمن قادمًا من الحجاز، وسار حتى أشرف على صنعاء، ولكنه عاد أدراجه بعد أن عجز عن فتح هذه البلاد. ثم عاود الكرة واحتل صعدة عام ٢٨٤ هـ، واستولى على نجران، على أنه لم يمكن لنفسه فى هذه النواحى؛ وظل القتال مشبوبًا؛ شاهد ذلك أنه استولى على صنعاء أكثر من مرة، وكان ولده أسيرًا بها عام ٢٩٠. ثم ظهر القرامطة فى اليمن واستولوا على صنعاء عام ٢٩٤. وبقيت فى حوزتهم ثلاثة أعوام فضلا عن
استيلائهم على كثير من المدن الأخرى.
وقد عاون الإمام على إخراجهم من صنعاء، ولكنه لم يستطع الاحتفاظ بالمدينة لنفسه، وتوفى عام ٢٦٧ هـ (٩١٠ - ٩١١ م) وكان فى اليمن فى حياته ولاة وجند من العباسيين. وقد اشتبك يحيى مع القرامطة فى سبعين واقعة، وبلغ من قوته أنه كان يستطيع أن يطمس بأصابعه النقش الذى على العملة. وكان يحيى على مذهب الحنفية يستهدف إقامة حكومة إسلامية تفرض
على النساء الحجاب، ويقتسم الجنود المغانم وفقًا لما جاء فى القرآن. وحاول أن يجعل الذميين فى نجران يبيعون كل ما يكونون قد اشتروه من أرض فى العهد الإسلامى. ولم يجد بدًا من الاكتفاء بفرض ضريبة قدرها تسع المحصول. وبادر الناس بعد وفاة يحيى إلى مبايعة ابنه محمد الذى احتفظ بصعدة حاضرة له، وامتد حكمه على نجران وهمدان وخولان. واعتزل محمد
الحكم عام ٣٠١ هـ فخلفه أخوه الذى كان فى حرب مستمرة مع الزعماء والقرامطة على اختلافهم. وقد هزمه بنو يعُفر عام ٣٢٢ هـ (٩٣٤ م) وأدركته المنية، فاحتل الظافرون مدينة صعدة
[ ١٦ / ٥١٣٨ ]
أربعة أشهر، وادعى ولد من أولاده اسمه حسن أحمد الإمامة. على أن الناس بايعوا ولدًا آخر يدعى القاسم المختار. ونشب الخلاف بين الأخوين، ولكنهما عزلا آخر الأمر، وإن كان القاسم قد استطاع أن يستولى على صنعاء عام ٣٤٥ هـ (٩٥٦ م) ثم اغتيل قبل أن ينتهى هذا العام، وتوفى أخوه حسن من قبله. وكان يوسف الداعى أمير صنعاء إبان القلاقل التى أعقبت ذلك، وظل محتفظا بها إلى أن أخرجه منها واغل جديد من الشمال. وفى عام ٣٨٨ هـ (٩٩٨ م) كانت الدعوة فى اليمن للقاسم المنصور، ثم قابلته الوفود فى بيشة ومكن لنفسه فى صعدة بمساعدة قبيلة خثعم، واستولى على صنعاء، فى حين كانت الخطبة له فى كحلان ومخلاف جعفر. وتوفى القاسم عام ٣٩٣ هـ، وحكم ابنه البلاد من ألْهان إلى صعدة وصنعاء حتى قتل عام ٤٠٤ هـ ويقول البعض إنّه لم يمت، ولكنه كان المهدى، وفى رواية أخرى أنه ادعى ذلك. وربما جاز لنا وقد بلغنا هذا الحد أن نقول إن دولة الأئمة قد انتهت.
أما بعد ذلك فهذه الصفة عادت لا تنطبق على أمراء هذه البلاد. وكان الجيش يتألف من نحو ألف فارس وثلاثة آلاف راجل. وجاء الإمام الذى حكم البلاد بعد ذلك من الحجاز، وصادف بعض النجاح. وأقبل قبل وفاته واغل آخر من الديلم يدعى أبا الفتح عام ٤٣٠ هـ (١٠٣٨ - ١٠٣٩ م) استولى على صعدة وغيرها من الأماكن، وقتل وهو يحارب السلطان السليحى. ويقال إن أبا طالب يحيى الإمام فى الديلم والمتوفى عام ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م) قد بايعه الناس إمامًا فى شمال اليمن، وأنه أقام عليها واليًا من قبله. وبويع أحمد بن سليمان عام ٥٣٢ هـ وحكم صعدة ونجران والجوف. وفى عام ٥٤٥ هـ انعقد مجلس كبير تولى مناقشة أحمد ثمانية أيام لمعرفة مدى صلاحيته للإمامة.
وانتزع أحمد- تؤيده قبائل مذحج وبكيل- صنعاء من السلطان الحمدانى أو قل إنه ألحق الهزيمة به. ووقعت زبيد فى قبضته أيامًا قلائل، وكانت الخطبة له فى خيبر وينبع وحارب أحمد أيضًا القرامطة بنجاح. وكف بصره فى شيخوخته، وأسره فليتة بن
[ ١٦ / ٥١٣٩ ]
القاسم فأثار ذلك سخط الجميع حتى القرامطة. ثم أطلق سراحه، وتوفى عام ٥٦٦ هـ (١١٧٠ - ١١٧١ م). ونصب عبد الله بن حمزة إمامًا عام ٥٩٣ هـ (١١٩٦ - ١١٩٧ م) وقدم الناس ولاءهم له فى العام التالي بعد أن جاز الامتحان الذى عقد للتثبت من صلاحيته للإمامة؛ وقد نسب أشراف الحمزية إلى أبيه. واحتفظ بصنعاء أمدًا قصيرًا، ولكنه اضطر للانسحاب منها
أمام السلطان الأيوبى ووطد مركزه فى الشمال، وجبى الضرائب من خيبر وينبع. وقد تحدث أحد الكتاب عن وجود جنود من بغداد فى اليمن، ولعل ذلك كان مبالغة فى الرواية التى تذهب إلى أن الُمطِّرفية استنجدوا بالخليفة.
وفى عام ٦١١ هـ (١٣١٤ م) استولى عبد الله على صنعاء وذمار وأغار على لحج. وقد اضطر إلى إخلاء صنعاء لأن الحرب كانت قد أنهكت جنده. ويقال إنه حكم جيلان والديلم بوساطة دعاته.
وتوفى عام ٦١٤ هـ. أُما تاريخ الأئمة فى القرنين التاليين فقد أوردناه فى مادة "بنى رسول".
وفى بداية حكم بنى طاهر قام أحد أئمة صنعاء بمحاربتهم. وقد لحقت به الهزيمة آخر الأمر، وقبض عليه بعض الأهالى أثناء فراره، وأسلموه إلى إمام آخر يدعى المطهر. واستولى بنو طاهر على صنعاء، ونصبوا ولدًا من أولاد الإمام واليًا على المدن والحصون. وفى عام ٨٦٩ هـ (١١٦٤ - ١١٨٥ م) استعاد الإمام محمد عبد الناصر صنعاء. وفى العام التالي قتل الملك
الظافر الطاهرى فى هذه المدينة. وقد بدأ شأن يحيى شرف الدين فى الظهور إلى حد ما عام ٩١٢ هـ (١٥٠٦ - ١٥٠٧ م)
ثم استدعى بعد ذلك الجنود المصريين من كمران ليعاونوه على بنى طاهر، فاستولوا على تعز وصنعاء، ولكن عزيمتهم فترت عندما بلغتهم أخبار الفتح العثمانى لمصر، فطردوا سريعًا من هذه البلاد. واستطاع الإمام أن يفتح معظم الهضاب على الرغم من
وجود بنى طاهر والأشراف الناقمين، بل استولى على جازان وأبى عريش ولكنه عجز عن الاستيلاء على عدن وزبيد. وسرعان ما استولى الترك على جازان وتعز وصنعاء، وأعانهم على
[ ١٦ / ٥١٤٠ ]
ذلك النزاع بين الإمام وأبنائه. وكان القرامطة (الإسماعيلية) لا يزالون من الأعداء الخطرين وتم الاستيلاء على حمل أحد عشر جملا من كتب القرامطة، فعكف كبار أتباع الإمام على دراستها ليحذروا الجمهور مما جاء فيها من ضلالات. وفى عام ٩٥٣ هـ (١٥٤٦ - ١٥٤٧ م) قسم الإمام دولته بين أبنائه.
وقد خضع أحد أبنائه، وهو المطهر، للترك، إلا أنه انتقض عليهم عام ٩٧٤ هـ وأصاب فى أول الأمر نجاحًا. ودفع هذا الترك إلى فتح البلاد فتحًا منظما.
وحلت الهزيمة بالمطهر وسمح له بالارتداد إلى صعدة فى حراسة حامية تركية. وبعد ذلك قام إمام من أسرة أخرى، واحتفظ لنفسه بمنصب الإمامة سبع سنوات حتى وقع فى الأسر. وأتم الترك الفتح عام ٩٩٩ هـ (١٥٩٠ م) على أن القاسم جد الإمام الحالي (١) نادى بنفسه إماما عام ١٠٠٦ هـ. وتمكن ولده بعد أحداث توالى عليه فيها النصر والهزيمة من إخراج الترك من البلاد عام ١٠٤٥ هـ (١٦٣٥ - ١٦٣٦ م) وظلت مقاليد الحكم فى يد هذه الأسرة منذ ذلك. وقد يقوم النزاع على ولاية
الإمامة فيسوى حينًا بالتفاهم وحينًا بعد السيف، فيتولاها إمام ضعيف فيعزل ويخلفه ابن أقدر من أبيه.
وحوالى عام ١١٥٠ هـ (١٧٣٧ م) انفصلت أبو عريش عن اليمن، وفى عام ١٢١٩ هـ (١٨٠٤ م) أصبحت عسير مستقلة. والحاصل أن الوهابيين قد حصروا سلطان الإمام فى اليمن بمعناها الضيق فى حين أخضعت عسير لنفوذ نجد. وكان كثير من الأئمة كتابًا مجيدين ألفوا فى المسائل الدينية.