تستعمل كلمة رسول وجمعها رُسل، فى اللغة العربية، بمعنى ليس له صلة بالدين، وهو الرسول الذى يبعث لأمر يؤديه. أما هنا فلا يعنينا إلا المعنى الديني لهذه الكلمة. وفى القرآن ما يدل على اختصاص كل رسول بأمته ففى سورة يونس، الآية ٤٧ أنه "لكل أمة رسول". وفى سورة النحل الآية ٣٨ (١):
_________________
(١) رقم الآية في المصحف العثمانى ٣٦ (م. ع).
[ ١٦ / ٥١٤٨ ]
"ولقد بعثنا فى كل أمة رسولًا" (راجع سورة "المؤمنون" الآية ٤٤؛ وسورة غافر، الآية ٥). وما فى هذه الآيات مرتبط بما فى الآيات التى تنص على أن الله فى يوم القيامة سيجئ من كل أمة بشهيد عليها (سورة النساء آية ٤١؛ سورة القصص، آية ٧٥، راجع ما جاء من أوصاف الرسول الذى سيجوز الصراط إلى الجنة على رأس أمته: البخارى، كتاب الأذان، باب ٢٩؛ وكتاب
الرقاق باب ٥٢ (١).
ومحمد ﵊ قد أرسل إلى قوم لم يأتهم من نذير من قبله (سورة القصص، آية ٤٦، سورة السجدة، آية ٣؛ سورة سبأ، آية ٤٤)، أما الأشخاص الآخرون الذين يجعل القرآن لهم درجة الرسل فهم: نوح ولوط وإسماعيل وموسى وشعيب
وهود وصالح وعيسى ﵈.
أما عدد الأنبياء فهو أكبر من ذلك، وهو يضم إلى جانب غالبية الرسل أشخاصا من الذين ورد ذكرهم فى التوراة أو ممن هم أشبه بأشخاص التوراة مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهرون وداود وسليمان وأيوب وذى النون. أما محمد [- ﷺ -] فهو يسمى فى القرآن رسولًا تارة ونبيًا تارة أخرى، ويظهر أن الأنبياء هم الذين يرسلهم الله هداة ومنذرين لقومهم، ولكنهم لا يكونون على رأس أمة، كما هو شأن الرسل. والإنسان يميل إلى أن يتصور أن ما فى الإسلام من تمييز بين الرسول والنبى هو كالتمييز الموجود فيما كتبه علماء النصارى: فالرسول إلى جانب أنه رسول هو فى نفس الوقت نبى أيضًا؛ أما النبى فلا يتحتم أن يكون رسولا إلى جانب كونه نبيًا.
غير أن هذا ليس يقينًا بالمعنى المطلق، وذلك أن الفكرة الموجودة وراء آيات القرآن ليست دائمًا واضحة.
أما فيما يتعلق باختصاص الرسول بأمته فهو يمكن أن يُقارن بالرأى الموجود فى الأعمال المنحولة للرسل من
_________________
(١) ليس فى هذين الموضعين من البخارى أكثر من أنه سينصب الصراط بين ظهرانى جهنم وأن النبى محمدا ﵊ سيكون أول من يجوز بأمته من الأنبياء. ولن يتكلم أحد فى ذلك الموقف إلا الأنبياء وسيكون دعاؤهم: "اللهم سلم سلم"- المترجم.
[ ١٦ / ٥١٤٩ ]
الحواريين Acta apostol apocrypha) (orum وهو الرأى القائل بأن الحواريين الاثنى عشر اقتسموا العالم فيما بينهم، بحيث صار على كل منهم أن يبشر بالإنجيل لأمة من الأمم.
أما فيما يتعلق بمعنى كلمة رسول فلابد من الرجوع إلى استعمال هذه الكلمة فى النصرانية، كما لابد من الرجوع أيضًا إلى استعمال الفعل المتصل بذلك (شلَح) فى الكلام عن الأنبياء الذين فى التوراة (سفر الخروج، إصحاح ٣، فقرة ١٣ وما بعدها؛
إصحاح ٤، فقرة ١٣؛ سفر أشْعيا، إصحاح، ٦، فقرة ٨، وسفر إرميا إصحاح ١، فقرة ٧). أما عبارة رسول فهى كثيرًا ما ترد فى صورتها السريانية (شلِحْه دَله) فى الأعمال المنحولة للقديس توما. على أن الآراء التى ظهرت بعد عصر القرآن قد زادت عدد الرسل إلى ٣١٣ أو ٣١٥، دون أن تذكر أسماؤهم جميعًا (ابن سعد، طبعة سخاو، جـ ١، قسم ١، ص ١٠، والفقه الأكبر (٣)، فصل ٢٢؛ وراجع كتاب Re- Mohammedica: land De religione، الطبعة الثانية، أوترخت ١٧١٧، ص ٤٠) والقول بأن الرسل كانوا معصومين من الوقوع فى المعاصى جزء من العقيدة. أما فيما عدا ذلك فيبدو أن الفرق بين الرسول والنبى- إذا صرفنا النظر عن الفرق الهائل بين عدد الأنبياء وعدد الرسل- فرق قد غاب فى كتابات المسلمين المتأخرين فى ثنايا نظريتهم فى النبوة بوجه عام؛ فنجد أن أبا حفص عمر النسفى فى كتابه العقائد النسفية يتناول الرسل والأنبياء معًا، وهو لايفرق بين الرسول والنبى، وكذلك يتكلم الإيجى عن النبوة بوجه عام، وهو فيما يبدو يعتبر الرسل داخلين فى الأنبياء. وإذا كان يمكن أن نشير إلى فرق فهو أن الرسول خلافًا للنبى يكون صاحب شريعة ويكون معه كتاب (راجع شرح الفقه الأكبر (٢) لأبى المنتهى، حيدر آباد ١٣٢١،ص ٤) (١) أما بحسب "العقيدة" التى نشرها ريلاند Reland (ص ٤٠ - ٤٤) فالرسل
_________________
(١) ويقول التفتازانى فى شرحه على العقائد النسفية (ضمن الجزء الأول من مجموعة الحواشى البهية: طبعة القاهرة ١٣٢٩ ص ٥٣ - ٥٤) "فالرسول إنسان بعثه الله لتبليغ الأحكام، وقد يشترط فيه الكتاب، بخلاف النبى فإنه أعم [المترجم]
[ ١٦ / ٥١٥٠ ]
أصحاب الشريعة كانوا هم: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﵈.
وفى كتاب العقائد لأبى حفص عمر النسفى أن إرسال الرسل حكمة من الله. ويقول التفتازانى فى شرحه على العقيدة النسفية إن إرسال الرسل واجب لا بمعنى الوجوب على الله بل بمعنى أن الحكمة الألهية تقتضيه (١) ولكن هذا الرأى بما له من صبغة عقلية لا يقول به جميع المتكلمين، فعند السنوسى مثلا (انظر كتابه: أم البراهين) أن إرسال الرسل فى ذاته جائز ولكن الإيمان به واجب.