من أعظم مؤرخى فارس. ولد فضل الله رشيد الدين بن عماد الدولة أبو الخير فى همذان حوالى عام ١٢٤٧ م؛ وبدأ حياته العلمية فى حكم العاهل المولى أبا غاخان طبيبا ممارسا للمهنة. غير أنه كان إلى جانب درايته الواسعة بالطب سياسيا عظيم المواهب نافذ البصيرة. ومن ثم ارتقى فى عهد غازان خان (١٢٩٥ - ١٢٠٤ م) من مركزه السابق إلى مرتبة الصدر (وإلى
مرتبة مؤرخ القصر أيضا) وذلكُ بعد مقتل صدرجهان الدين الزنجانى (٤ مايو سنة ١٣٩٨). وفى عام ٧٣٠٣ صحب مولاه بصفته هذه فى حملة له شنها على الشام. وبلغ رشيد الدين فى عهد أولجايتو (١٠٣٤ - ١٣١٦) أوج حياته العلمية. وقد أنفق دخله الهائل فى إقامة كثير من المنشآت الخيرية.
مثال ذلك أنه أراد أن يجمل السلطانية حاضرة المغول الجديدة فى فارس، فشيد ضاحية جديدة بأكملها عرفت باسمه "الرشيدية" وكانت تتألف من مسجد ومدرسة ومستشفى وعدة آلاف من البيوت. وكان رشيد فى الوقت نفسه دائبا على تأليف كتاب فى تاريخ العالم، قدم الجزء الأول منه لمولاه فى الرابع عشر من شهر أبريل عام ١٣٠٦.
وكان نفوذه فى تلك الفترة لا حد له، بل هو قد أفلح فى حمل مولاه أولجايتو على تغيير مذهبه واعتناق المذهب الشافعى. وأنقذ من الموت عالمين من أبرز علماء بغداد هما شهاب الدين السهروردى وجمال الدين، فقد اتهما بالتفاوض مع مصر وكانا يتوقعان الحكم بقتلهما. واستأنف رشيد عام ١٣٠٩ نشاطه فى إقامة المبانى فأنشأ ضاحية جديدة بالقرب من غازانية إلى
الشرق من تبريز، وأمدها بقناة عظيمة تأخذ مياهها من سراورود. غير أن المركز السابق الذى بلغه هذا الرجل العظيم خلق له طائفة من الأعداء. وفى
[ ١٦ / ٥١٦١ ]
عام ١٣١٥ مر به وقت عصيب بسبب الضائقة المالية التى حالت دون دفع أعطيات الجند. ولم يدخر أعداؤه بعد وفاة أولجايتو وسعا فى سبيل القضاء على رشيد الدين. فصرف عن منصبه الرفيع فى أكتوبر عام ١٣١٧، كما أن وفاة راعية الأمير سرنج (فى يناير. سنة ١٣١٨) حرمه من آخر سند له، فأعدم آخر الأمر هو وابنه الصغير خواجه إبرهيم ذلك أنه أتهم ظلما بأنه
دس السم لمولاه السابق أولجايتو (١٨ يولية سنة ١٣١٧) ومثل بجثمانه أشنع تمثيل كما هدم ونهب "الربع الرشيدى" مفخرته. ومع ذلك أفلح ولده الأكبر غياث الدين فى أن يحتفظ بمنصب رفيع حتى بعد وفاة والده، إلا أنه حكم عليه أيضا بالإعدام عام
١٣٣٦. ولم ينته الأمر عند هذا الحد بل إن جثمان رشيد لم يترك ليثوى فى قبره آمنا، ذلك أن ميرانشاه المجنون (١٤٠٤ - ١٤٠٧) ولد تيمور جاء بعد ثمانين عاما فأمر بنبش قبر رشيد وأخرج عظامه ودفنها فى مدافن اليهود (١٣٩٩ م).
وترجع شهرة رشيد كما أسلفنا إلى تاريخه الخالد "جامع التواريخ، وهو تاريخ للمغول بدأ يكتبه بتكليف من غازان خان، ومن ثم يعرف أحيانا باسم "تاريخ غازانى". ثم أمر أولجايتو بإتمام هذا الكتاب وأن يُوفَى بتاريخ عام للعالم الإسلامى ويلحق به ذيل
جغرافى. وكان الكتاب، وفقا لخطته الأصلية، يتألف من جزءين رئيسيين: (١) تاريخ المغول (٢) تاريخ عام وذيل.
غير أنه أتخذ الصورة التالية بعد أن تم فى عام. ١٣١٠ - ٣١١.
المجلد الأول:
١ - تاريخ القبائل التركية والمغولية، أقسامها ونسبها وأساطيرها.
٢ - جنكيز خان، أسلافه وخلفاؤه حتى غازان.
المجلد الثانى:
المقدمة: آدم وأنبياء المسلمين والعبرانيين.
١ - ملوك الفرس القدامى.
٢ - محمد والخلفاء حتى عام ١٢٥٨.
[ ١٦ / ٥١٦٢ ]
تاريخ الأسرة الحاكمة فى فارس: الإسماعيلية فى الشرق والغرب. الأوغز والترك، والصينيون، واليهود والفرنجة: أباطرتهم وباباواتهم، الهند، بوذا ودينه.
وكان فى عزم رشيد الدين أن يضيف تاريخ عهد أولجايتو أيضا بحيث تكون بداية هذا العهد (١٣٠٦ - ١٣٠٧) فاتحة المجلد الثانى، ونهايته خاتمة هذا المجلد. ولا نعلم هل نفذ ذلك أم لم ينفذه، لأن هذا القسم من الكتاب هو والذيل الجغرافى لا وجود لهما فى جميع المخطوطات التى وصلت إلينا.
وأهم سمات هذا الكتاب العظيم إخلاص رشيد فى عمله، فقد حاول أن يرجع إلى أحسن المصادر وأوثقها. صحيح أنه لم يتيسر له الرجوع إلى الأخبار المغولية المشهورة المعروفة باسم "ألتن دبتر" بوصفه فارسيا من الفرس، إلا أنه استخرج منها الحقائق الضرورية بالاستعانة بصديقه بولاد جينك سيانك كما استعان أيضا بعض الاستعانة بغازان نفسه، وكان غازان على دراية
واسعة بتاريخ قومه. وأمده بالمعلومات عن الهند "بهكشو" هنديا، كما زوده عالمان صينيان بالمعلومات عن الصين.
ومن أعجب العجب أن نلمس فى عالم من علماء العصور الوسطى مثل رشيد الدين كل هذه المعرفة المتعددة الجوانب.
لقد كان رشيد يعلم بالنزاع بين البابا والإمبراطور، بل كان يعلم أن استكلندة تدفع الجزية لإنكلترة وأنه لا توجد ثعابين فى إيرلنده.
وكان رشيد الدين مدركا تمام الإدراك ما لكتابه من شأن، ولذلك حاول بكل الطرق الممكنة أن يضمن له البقاء فأمر بكتابة نسخ منه لأصدقائه ولكثيرين من العلماء. وكانت المصنفات المكتوبة بالفارسية تترجم إلى العربية والعكس بالعكس. وكان رشيد يرسل
كل عام نسخا من تاريخه إلى مكتبات المدن الكبرى، ولا يضن على أى فرد بأن ينسخه دون مقابل، غير أن كل ما فعله رشيد فى هذا الصدد لم يأت بطائل، ذلك إنّه لم تصل إلينا نسخة كاملة من هذا التاريخ.
ولرشيد الدين علاوة على هذا التاريخ العظيم: (١) كتاب الأحياء والآثار، وهو فى أربعة وعشرين فصلا
[ ١٦ / ٥١٦٣ ]
تناول فيها مسائل فى الأرصاد الجوية، والزراعة، وتربية النحل والقضاء على الثعابين والآفات الأخرى ألخ، وفى هذا الكتاب أيضا نبذ عن العمارة والتحصينات وبناء السفن والتعدين وصناعة المعادن. ولم نعثر بعد على آية نسخة منه. (٢) التوضيحات، وهى رسالة صوفية فقهية فى تسعة عشر فصلا (٣) مفتاح التفاسير، وهو فى بلاغة القرآن وتفسيره إلخ (٤) الرسالة السلطانية (تمت فى ١٤ مارس سنة ١٣٠٧) وهى خلاصة مناظرة فقهية عقدت فى حضرة أولجياتو (٥) لطائف الحقائق، فى أربع عشرة رسالة فى الفقه والتصوف، وقد كتب المصنفات الأربعة الأخيرة باللغة العربية، ويتألف منها ما يعرف باسم "المجموعة الرشيدية"، وتوجد نسخة جيدة من هذه المجموعة كتبت عام ١٣١٠ - ١٣١١ (ومن المحتمل أن يكون ذلك قد تم بطلب من المؤلف نفسه) فى المكتب الأهلية de Slane) Bibliotheque Nationale: Catalogue des manuscrits arabes باريس ١٨٨٣ - ١٨٩٥، رقم ٢٣١٤، ص ٤٠٧). (٦) بيان الحقائق فى سبع عشرة رسالة فقهية تتناول بعض المسائل الطبية من وقت لآخر. وكان فى مكتبة الأستاذ بروان الخاصة. E.G. Browne مجموعة قيمة من ٥٣ رسالة وجهها رشيد الدين إلى بعض الرجال البارزين. وقد جمع هذه الرسائل سكرتيره الخاص محمد أبرقوهى.
ولتاريخ رشيد الدين قيمة عظمى، ومع ذلك فإنه ليست لدينا طبعة كاملة للأجزاء الموجودة منه سواء بنصها أو فى ترجمات لها. على أن هذه المهمة ليست يسيرة، لأن مخطوطات هذا الكتاب-وإن تعددت- غير موثوق فيها جميعا، وتحتاج إلى عمل شاق عسير يقوم على النقد، بل إن أقدم المخطوطات (المتحف البريطانى، الملحق ١٦، ٦٨٨، Rieu رقم ٧٨ - ٩٧٩
يشوبها الخطأ. وفى رأى بارتولد أن أحسن مخطوط فيما بلغ إليه علمه هو المخطوط المحفوظ فى المكتبة العامة بليننغراد وقد نسخ عام ١٤٠٧ - ١٤٠٨. ويوجد مخطوط قديم قيم جدا (القرن الرابع عشر أو القرن الخامس عشر) بالمكتبة الاسيوية المركزية فى
[ ١٦ / ٥١٦٤ ]
تاشكند (أنظر Jahresbericht: E.K.Betger fur das Jahr نلأ ٣ der Mitt. . As Staatsbibliothek ١٩٢٥ [بالروسية] Nach-: W.Barthold richten der Akademie der Wissenschaften،der U.S.S.R سنة ١٩٢٦، ص ٢١٧ وما بعدها وهو بالروسية).