الطهطاوى: كاتب مشهور من كتاب القرن الماضى، ومن أئمة باعثى النهضة العربية الحديثة. ولد فى طهطا بمصر العليا عام ١٨٠١. وكان أبواه فقيرين وإن كانا من ذوى الحسب والنسب، وقد أكب وهو بعد صبى صغير السن على دراسة القرآن، ثم التحق وهو فى شبابه بالأزهر حيث درس بجد واجتهاد تحت إشراف الشيخ حسن العطار.
واختير بعد إتمامه دراسته فى الأزهر عام ١٨٢٤ رئيس رواتب- Pay master الجيش المصرى، وكان محمد على المشهور يحكم مصر إذ ذاك. وقد أقنع العالم الفرنسى جومار Jomard محمدًا عليًا بإرسال بعثة من الطلاب إلى فرنسا عام ١٨٢٦ ليتعلموا الفرنسية والعلوم الحديثة، واختار رفاعة بكُ للإشراف عليهم، وهناك تعرف على طائفة من المستشرقين من
أمثال جوبير Jaubert وجومار Jomard وسلفستر دى ساسى وكوسان دى يرسيفال. وتقدم رفاعه بك تقدمًا سريعًا فى دراسته وتبحر فى اللغة الفرنسية فى وقت وجيز. وكانت تلك الفترة التى قضاها فى باريس الباعث له على الكتابة تلك الرسالة الشائقة الحية المعنونة "تخليص الإبريز" (بولاق عام ١٣٢٣) والتى ينم كل سطر من سطورها عن بساطة فاتنة وعن
الحماسة التى أثارتها فى هذه العقلية الشرقية تلك النواحى المتعددة للحياة والثقافة الفرنسية بما فيهما من أضواء وظلال مختلفة (انظر Carra de Vaux: Penseurs جـ ٥، ص ٢٣٧ وما بعدما).
[ ١٦ / ٥١٧٧ ]
ولما عاد رفاعه الى مصر عام ١٨٣٢ التحق بمدرسة الطب، وكان على رأسها كلوت بكُ، مترجمًا ومدرسًا للغة الفرنسية، كما عهد إليه أيضا بتحرير "الأخبار المصرية" - Informations egyp tiennes التى عرفت فيما بعد باسم
الجريدة الرسمية Journal officiel.
وانتقل عام ١٨٣٢ إلى مدرسة المدفعية، ثم اختير فى عام ١٨٣٥ مديرًا لمدرسة الألسن (وكانت فى الأصل قلم الترجمة). وظل فى هذا المنصب إلى أن اعتلى الحكم عباس الأول. ومن المؤسف أن هذا الوالى لم يتابع أعمال سلفه الباهرة، إذ أقفلت مدرسة الألسن (١) وأرسل مديرها إلى السودان لينظم المدرسة العالية بالخرطوم، وكان فى ذلك العمل انتقاصًا مستورًا لقدر رفاعة بك.
وعاد رفاعة بك إلى مصر عندما توفى عباس، فعينه سعيد باشا مديرا للمدرسة الحربية مدة وجيزة، ذلك أن هذه المدرسة أقفلت هى أيضا أبوابها فوجد رفاعة نفسه من غير عمل.
وأعيد افتتاح هذه المدرسة عام ١٨٦٣ فى عهد إسماعيل، وعين رفاعة مرة أخرى مديرًا لقلم الترجمة. وأصبح فى عام ١٨٧٠ رئيس تحرير المجلة التعليمية المسماة "روضة المدارس" وكانت تصدر نصف شهرية وتوفى رفاعه عام ١٨٧٣.
وكان رفاعه بك من أشهر كتاب العربية فى القرن التاسع عشر، واسمه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحركة البعث الزاهرة للنشاط الأدبى والعلمى فى الشرق الحديث. وكان رفاعه متوقد الذكاء محبا للعلم والمعرفة. وقد خلف عددًا كبيرًا من المصنفات فى مختلف
نواحى المعرفة: كالتاريخ، والجغرافيا، والنحو، والقانون، والأدب والطب وغير ذلك. وتجد تفصيلا لهذه المصنفات فى معجم سركيس: - bibliogra Dictionnaire)
phique ص ٩٤٢ - ٩٤٧). وحسبنا أن نذكر هنا ترجمته لتليماك - Tele،maque وجغرافية ملطبرون Brun-Malte وللقانون المدنى الفرنسى.
وإذا شئنا أن نقدر ما كان لرفاعه بك من شأن عظيم فإنه يجب أن نذكر أن العالم العربي فى فجر القرن الماضى كان فى حالة خمود وركود يفصله عن
_________________
(١) أعيدت مدرسة الألسن إلى الحياة فى العصر الحاضر فقد افتتحت في مارس ١٩٥٢ [م. ع]
[ ١٦ / ٥١٧٨ ]
العلم والمعرفة الأوربية حاجز سميك.
وكان الأزهر يبعث بنور ضئيل يخترق الظلمات التى كانت تخيم على ذلك العهد.
وكان من نتيجة أعماله ونشاطه وأعمال زمرة الخبراء والمترجمين الذين قدمهم للبلاد أن تمكن رفاعة من القيام بمعجزة هى تبسيط العلم الأوربى وتفتيح أذهان الشرق للآراء الحديثة وتنوير أذهان معاصريه، وإيقاظ الهمم الخامدة واعداد العدة للمستقبل.
ونحن نستطيع أن نقدر مدى المجهود الذى بذله فى هذا السبيل إذا علمنا أن رفاعة وتلاميذه قد ترجموا إلى العربية والتركية نحوًا من ألفى كتاب. ثم إن رفاعة بك قد مكن للفكر العربي من أن يتمشى مع التقدم وأن ينشر ضوءه على العالم الإسلامى
الحديث، وذلك بتوسيع آفاق اللغة العربية القديمة وإحيائها وتزويدها بحشد من الكلمات الجديدة؟