اعتنى الإمام محمد الخضر حسين بالرحَلات العلمية، وكتب حولها
_________________
(١) كتاب: "دراسات في اللغة".
(٢) كتاب: "دراسات في العربية وتاريخها".
[ مقدمة / ٢٦ ]
المقالاتِ الرائعةَ تعريفًا بها، وترغيبًا للنهوض إليها، ودعوةً لأهل العلم ورجال الفكر للتنقل والارتحال في أقطار العالم الإسلامي؛ لما فيها من التعارف والتآلف بين المسلمين، والاطلاع على أحوالهم، وتبادل الرأي.
ومن هذه المقالات: "أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية" (١)، و"النهضة للرحلة" (٢)، و"الرحلة والتعارف في الإسلام" (٣).
لم يكتف بالحديث عنها خطابة أو كتابة، بل بادر للقيام بها، وسعى إلى تحقيقها بنفسه، ولا سيما في مطلع حياته المباركة.
ومن أهم رحلاته التي دوَّنها في مذكراته، ونشرها في تآليفه:
- "الرحلة الجزائرية" (٤) الثانية عام ١٣٢٢ هـ - ١٩٠٤ م.
- "خلاصة الرحلة الشرقية" (٥) إلى بلدان المشرق العربي عام ١٣٣٠ هـ - ١٩١٢ م. وزار خلالها: مالطة، والإسكندرية، والقاهرة، وبورسعيد، وحيفا، ويافا، ودمشق، وبيروت، وإستنبول.
- "حديث عن رحلتي إلى دمشق" (٦) سنة ١٣٥٦ هـ - ١٩٣٧ م.
- "رحلتي إلى سورية ولبنان" (٧) سنة ١٣٦٣ هـ.
_________________
(١) كتاب: "الرحلات".
(٢) كتاب: "الرحلات".
(٣) كتاب: "الرحلات".
(٤) كتاب: "هدى ونور".
(٥) كتاب: "الرحلات".
(٦) كتاب: "الرحلات".
(٧) كتاب: "الرحلات".
[ مقدمة / ٢٧ ]
- "مشاهد برلين" (١) سنة ١٩١٨ م.
بالإضافة إلى الرحلات والتنقلات إلى ليبيا وطرابلس عام ١٣١٧ هـ - ١٨٨٩ م، والرحلة الأولى إلى الجزائر عام ١٣٢١ هـ - ١٩٠٣ م.
ورحلته إلى الحجاز (٢) لأداء فريضة الحج، وزياراته إلى ألبانيا وبعض بلاد البلقان، وتكراره لهذه الأسفار خدمةً للإسلام، وهي رحلات لم تُنشر تفاصيلها في منشورات الإمام، أو أن المحقق الأستاذ علي الرضا الحسيني لم يعثر عليها، وإن كان قد أبدى حرصَه على تتبعها، والتنقيب عنها فيما سلف من مجلات أدبية عربية وأجنبية - إن شاء الله تعالى -.
ونستطلع في رحلاته العلمية أنه يتناولها من وجهة نظر الإسلام في الرحلة، ومثبطاتها، وعلاج تلك المثبطات، وفوائد الرحلة، وأثرها في حياة الراحل، وماذا يستفيد قوم الرجل من رحلته؟ وماذا تستفيد البلد ممن يرحلون إليها؟ وأثر الرحلة في تنمية العلوم، وثراء الأدب، وتعارف الشعوب، وآداب الرحلة، إلخ.
وعندما نستعرض إحدى رحلاته "الرحلة الشرقية" أنموذجًا، نجدها في مجملها: مسامرات علمية، إلقاء دروس في التفسير، الاجتماع بأهل العلم والفضل والفكر على مختلف آرائهم، وزيارة المساجد والمعالم الدينية والأثرية التي ترتبط بالتاريخ الإسلامي، زيارة المكتبات العلمية العامة والخاصة، والاطلاع على موجوداتها من المطبوعات والمخطوطات النفيسة، زيارة دور
_________________
(١) كتاب: "الرحلات".
(٢) له قصيدة (مشاهداتي في الحجاز)، ومطلعها: ألمجدٍ لا ينالُ القاطنينْ وَدَّعَ الصَّحْبَ وَحَيّا الظّاعِنينْ
[ مقدمة / ٢٨ ]
العلم من جامعات ومدارس ومؤسسات، الاجتماع بعلماء الأمة وشيوخها، والمذكرات النافعة معهم.
ونلمس في رحلاته: الحرصَ على أن تكون دروسه في التفسير والحديث والآداب الهدف السامي منها، وإلا - كما يراها - لا خير فيها إن لم تكن في هذا السبيل القيم.
إن كثرة الأسفار والارتحال المستمر والدائم التي يجني من ورائها أهدافَه في الدعوة إلى سبيل الله تعالى، وخدمة الإسلام، بكل ما أكسبه الله تعالى من قوة وجرأة وقدرة على التحمل والصبر على المشاق، إلا أنه - في بعض الأحوال - يعبر عن هذا الترحال في شعره من ديوانه "خواطر الحياة".
وتحت عنوان: (حادي سفينتنا) أبيات قالها عند مغادرته تونس سنة ١٣٣٠ هـ، وقد أخذ الحنين إلى الوطن يزداد:
حادِي سفينَتِنا اطْرَحْ مِنْ حُمولَتِها زادَ الوقودِ فَما في طَرْحِهِ خَطَرُ (١)
وَخُذْ إذا خَمَدَتْ أنفاسُ مِرْجَلها مِنْ لَوْعَةِ البَيْنِ مِقْباسًا فتَسْتَعِرُ (٢)
وقال عند سفره من دمشق تحت عنوان: (كأني دينار):
كأَنِّيَ دينارٌ وَجِلَّقُ راحَةٌ تُنافِسُ في الإِنْفاقِ راحةَ حاتمِ (٣)
_________________
(١) حادي: الحادي: الذي يسوق الإبل، ويقصد به هنا: قبطان السفينة. زاد الوقود: ما توقد به مراجل السفينة.
(٢) البين: الفرقة. مقباسًا: العود ونحوه تقبس؛ أي: توقد به النار.
(٣) جلق: دمشق. حاتم: حاتم الطائي، عربي، يضرب به المثل بجوده.
[ مقدمة / ٢٩ ]
فَكَمْ سَمَحَتْ بِي للرَّحيلِ ولَيْتني ضَرَبْتُ بها الأوْتادَ ضَرْبَة لازِمِ (١)
وبعد عودته من برلين إلى دمشق سنة ١٣٣٤ هـ قال (أحمد الظعن):
أَطْوِي المراحِلَ مِنْ (بْرلينَ) في أَمَل لَمْ يَجْنِ زَهَرَتَهُ كَفُّ الّذِي قَطَنا (٢)
فَأَحْمَدُ الظَّعْنَ إِنَّ الظَّعْنَ أَظْفَرَني بِأَنْمُلٍ تَخْدِمُ الإِسْلامَ والوَطَنا (٣)
ومما قاله عندما دخل به القطار في بساتين دمشق لأول مرة سنة ١٣٣٠ هـ:
لَجَّ القِطارُ بِنا والنّارُ تَسْحَبُهُ ما بَيْنَ رائِقِ أَشْجارٍ وأَنْهارِ
ومِنْ عَجائبِ ما تَدْريه في سَفَرٍ قَوْمٌ يُقادُونَ لِلْجَنّاتِ بالنَّارِ
وتحت عنوان: (أرى سفري) يقول:
أَرَى سَفَري شِعْرًا ولكنْ بيوتَهُ مُفَصَّلَةٌ في غَيْرِ بَحْرٍ وفي بَحْرِ
ومَقْطَعُ عُودِي مِنْ بَدائعِهِ أَلا تَرى عَجُزًا قَدْ رَدَّ فيه على صَدْرِي
وللإمام قصائد أخرى يبث فيها الشوق إلى الأهل، ويشكو البعد عن الوطن.