كان صاحب المقال - بعد أن انتهى في مقاله من إيراد تلك الوجوه التي زعم أنها تبطل قول المفسرين في قصة أيوب ﵇ - قد أبدى رأيه في تفسيرها، وناقشنا رأيه، حتى استبان أنه من قبيل الخواطر التي لا تستند إلى أصول.
كان قد أوَّلَ قولَه تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] بمعنى: إعراض الناس، واستهزائهم بالدعوة، وقال: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم، ولا كان حزنهم الذي كان يبلغ أحيانًا حدَّ الإهلاك للنفس إلاّ لبطءٍ في سير الدعوة إلى الله"، وقال: "انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ".
فقلنا في الردِّ عليه: لا يتم لكاتب المقال هذا الوجهُ من الرد على المفسرين، إلا إذا صحَّ أن الأنبياء لا يشكون إلا من إعراض قومهم - كما زعم -، وهذا الزعم غير صحيح، فقد شكا يعقوب - ﵇ -، وحزن لفقد يوسف
_________________
(١) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الرابع من المجلد الثامن الصادر في شهر شوال ١٣٥٤ هـ.
[ 2/ 1 / ٢٥٣ ]
- ﵇ -، فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤].
ونبَّهنا على أن الآيتين اللتين ساقهما في الاستشهاد إنما يثبتان أن الأنبياء يحزنون لإعراض الناس عن دعوتهم، والمقام مقام استدلال على أنهم لا يشكون، ولا يحزنون إلا من إعراض قومهم.
فكان من كاتب المقال أن قال في رده: "أنا لا أنفي أن الأنبياء يحزنون لغير إعراض قومهم عن دعوتهم، ولكني أقول: إنهم لا يحزنون لشيء حزنَهم لصدِّ الشيطان من يدعونهم عن سبيل الله".
ولعل القارئ الكريم يرجع إلى عبارته، فيجده يقول: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم"، وهذه عبارة تقصر شكوى الأنبياء على إعراض أممهم، فيحق لنا أن ندفعها بمثل قول يعقوب - ﵇ -: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
وقال في رده: "ثم أقول بناء على هذا: إن القرآن لا يعني بالحديث عن حزن الأنبياء إلا حزنًا يتصل بالدعوة وسيرِها في أممهم، وقد قلت قبل هذا: إن القرآن لم يفرد يعقوب بالحديث عنه، وإنما جاء هذا الحديث الذي ذكره الكاتب في طريق قصص يوسف - ﵇ -".
كاتب المقال يقول: "ما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض قومهم"، فقلنا: إن يعقوب شكا من فقد يوسف - ﵉ - كما أخبر القرآن، والمنطق يقضي عليه بأن يسلم أن الأنبياء يشكون من بلاء غير إعراض قومهم، أو ينازع في أن يعقوب شكا إلى الله شيئًا غير الإعراض، أما قوله: "إن القرآن إنَّما حكى شكوى يعقوب من فقد يوسف في طريق قصة يوسف"،
[ 2/ 1 / ٢٥٤ ]
فلا يصلح أن يكون دفاعًا عن قوله: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم عن الاستجابة".
وكان صاحب المقال قد قال في مقاله: "ولما كانت الشكوى قد تشعر بوهن في العزيمة، وضعف في الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، كان جواب تلك الشكاية أن قيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، فالمراد بالركض هنا: عقد العزيمة، وتأكيدها، واستثمار الثقة وإكمالها، والمضاء بالقوة بغير تردد ولا توان إلى الغاية".
فكتبت مبينًا أن قول أيوب - ﵇ -: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، من قبيل الدعاء، لأنه قام مقام قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وعلى نسقه يقال: إن قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، قائم مقام آية ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٤]، في سورة الأنبياء؛ وإنما يكون في معنى الإخبار بالاستجابة إذا دلَّ على حال يخرج بها أيوب من البلاء إلى السلامة، وهذا محقق فيما جرى عليه المفسرون في تفسير آية: ﴿ارْكُضْ﴾.
كتبت هذا، وصرحت بأن أيوب - ﵇ - يقصد من مناجاته الدعاء بكشف البلاء، لأدل على أن خطاب أيوب في سورة ص من قبيل الدعاء على طريقة التعريض، وأن ما قاله المفسرون موافق لجعل الآية من قبيل الدعاء الذي لا يدلّ على شيء أكثر من الضراعة إلى الله عند الوقوع في شدة.
وكان من صاحب المقال أن خرج عن هذا القصد، وأخذ يذكر أن ما جرى عليه هو في التفسير أيضًا يجعل قول الله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ دلالة على
[ 2/ 1 / ٢٥٥ ]
الخروج من ألم استبطاء النصر، فهي بمثابة بشارة بنجاح دعوته متى أكد العزيمة، واستتم الثقة، فيكون قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، قد وقع موقع الاستجابة.
وهذا الذي كتبه لا يليق ردًا على ما كتباه؛ لأن موضوع البحث هو أن الوجه الذي فسر به الآية لا ينتظم معناه إلا أن يجعل الآية من قبل الشكاية الدالة على وهن في العزيمة، وضعف في الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، وكان ردنا على هذا: أن خطاب أيوب من قبيل الدعاء الخالص، وهذا المعنى موافق لما قاله المفسرون، أما وهن العزيمة، وما عُطف عليه، فشيء زائد على ما يقتضيه حال الدعاء.
ثم قلت في الرد: "وإن سلمنا أن قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، من قبيل الشكوى، فليس من لوازم شكوى الرسول إلى الله من إعراض قومه عن دعوته أن يكون واهن العزيمة، ضعيف الثقة، عادمَ القوة في السير إلى الغاية، والشكوى إلى الله تعالى من التفسير تكون مع الصبر، كما أن الشكوى إلى الله من إعراض القوم تكون مع قوة العزم".
فقال صاحب المقال في رده: "أنا لم أقل: إن هذه الشكوى وهن في العزيمة، ولكن قلت: تشعر بوهن في العزيمة، وما أظن الكاتب يجهل الفرق بين العبارتين، ولما كانت حسنات الأبرار سيئات المقربين، كان الجواب الطبيعي من الله مؤدبِ الأنبياء هو أن يقول له: اعقد العزيمة، وأكدها، وذلك ما يغسل عنك ألمًا أنت فيه من بطء دعوتك وإعراض قومك".
لم أحك عنه إنه قال: إن شكاية أيوب وهن في العزيمة، بل حكيت عنه أنه قال: "ولما كانت الشكوى قد تشعر بوهن في العزيمة، وضعف في
[ 2/ 1 / ٢٥٦ ]
الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، كان جواب تلك الشكاية أن قيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] ".
ومن يتحدث عن كلام وقع خطابًا لعلَّام الغيوب، ويقول فيه: إنه يشعر بوهن في العزيمة، وضعف في الثقة، فقال له علَّام الغيوب: اعقد عزمك، فلا بد من أن يريد: أن هذا كان إشعارًا للمخاطب، وهو الله، فيكون قد أثبت لصاحبه الوهن في العزيمة، والضعف في الثقة، فإذا قلنا: إن صاحب المقال قد نسب إلى أيوب - ﵇ - وهنَ العزيمة، وما عُطف عليه، فلأنه جعل مناجاته لله مشعرةً بذلك، وجعل قول الله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ مترتبًا على ذلك الإشعار.
ثم قال صاحب المقال في رده: "على أنه قد جاء في القرآن ما يدلّ صراحة على أن الأنبياء كثيرًا ما يستبطئون نصر الله"، وأورد آية: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال: "إذ لا مانع من أن أيوب حين اشتد عليه أمر قومه، وإعراضهم عنه، يستبطئ سير الدعوة، ويستبطئ نصر الله، وما في ذلك من مساس بقدس الأنبياء، فإن حرصهم قد يدفعهم إلى الاستباق من الله بالنجاح".
قد يستبطئ الرسول نصر الله، ويقول: متى نصر الله؟ ولا يدخل ذلك على أنه واهن العزيمة، وضعيف الثقة، عادم القوة في السير إلى الغاية، فإذا فرض صاحب المقال أن أيوب - ﵇ - استبطأ سير الدعوة، أو استبطأ نصر الله، فليس له أن يفرض شيئًا آخر بعده، وهو وهن العزيمة وما عُطف عليه، وهذا هو موضع بحثنا معه إذ قلنا: "فنسبة رسول من رسل الله إلى وهن العزيمة، وضعف الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، ليست بالأمر الهين،
[ 2/ 1 / ٢٥٧ ]
فلا بدَّ له من نقل ثابت صريح، ولا يكفي فيه مجرد شكواه إلى الله تعالى من عدم قبول القوم دعوته".
ثم قال: "لا، بل قد جاء في القرآن ما يدلّ على أكثر من ذلك، جاء فيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، فانظر كيف نسبت الآية إلى الرسل يأسًا من النصر ونجاحِ الدعوة، وقد يفهم الجاهلون في ذلك مساسًا بقدس الأنبياء، ولكنهم في ذلك جد مخطئين؛ فإن استبطاء الأنبياء للنصر حينًا، ويأسهم حينًا آخر، ليس من سر سوى شديد رغبتهم، وبالغ حرصهم على نجاح دعوتهم، وإيمانِ قومهم، لا جرم يستبطئون النصر، ولا جرم ييئسون".
قد يجتهد الرسول، فيحدد مدة يظن أن النصر لا يتأخر عنها، حتى إذا طال الزمن، وانقضت المدة المحدودة للنصر بحسب ظنه، ولم ير النصر، استشعر اليأس من أن ينصر في الدنيا، وظنَّ أن نفسه قد كذبته فيما كانت تحدثه به عن النصر، فإذا نصرُ الله يأتيه فجأة، فينجي الله من يشاء، ولا يُرد بأسُه عن القوم المجرمين، وإذا استشعر الرسول هذا اليأس، فلأنه ليس بواجب على الله - في نظر العقل - أن ينزل العذاب في الدنيا على من لم يؤمنوا برسله، كما أنه ليس من لوازم الرسالة أن يهتدي بها طوائف كثيرة من الناس، ففي الحديث الصحيح: "يأتي النبي - ﷺ - ومعه الرجل والرجلان، والنبي ومعه الرهط".
والرسول مع استشعاره لليأس يستمر على القيام بواجب الرسالة حتى يأتي أمر الله، فلا يصح الاستشهاد باستشعار الرسل لليأس من النصر، أو من إيمان قومهم في بعض الأحيان، على أن أيوب - ﵇ - كان واهنَ
[ 2/ 1 / ٢٥٨ ]
العزم، ضعيف الثقة، عادم القوة في السير إلى الغاية.
ثم قال في رده: "وأخيرًا: فاسألوا هذا الكاتب عن تلك الآيات: هل تكفي نقلًا ثابتًا، أم يحتاج معها إلى دليل آخر؟ ".
الآية الأولى دلت على أن الرسول قد يستبطئ النصر فيقول: متى نصر الله؟ واستبطاء النصر شيء، ووهن العزم وعدم القوة في السير إلى الغاية شيء آخر.
والآية الثانية دلت على أن الرسول قد تطول أيام دعوته، ولا يظهر على قومه، فيستشعر اليأس من الانتصار عليهم في الدنيا، فيأتيه النصر فجأة، واستشعار اليأس من هذا الانتصار لا يدلّ على الوهن في العزم، وعدم القوة في السير إلى الغاية.
وإن سلَّمنا أن الله قد يبعث رسولًا يجمع إلى الوهن في العزيمة، والضعف في الثقة عدمَ القوة في السير إلى الغاية، فإني محتاج إلى دليل يثبت أن أيوب - ﵇ - قد اجتمعت فيه هذه الأشياء، حتى يصح لي أن أنسبها إليه وأنا مطمئن القلب، بريء من أن كون قد نسبتها إليه بغير حق. والنبيُّ يؤثر أن يصاب في جسمه على أن يصاب في عزمه وثباته في الدعوة إلى الغاية.
وكان صاحب المقال أوَّلَ قولَه تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، على أن اسم الإشارة راجع إلى الركض بالرجل، فقال: "ولما كان تردد المرء في غايته، ووهن عزيمته، وضعف ثقته بها، صَدَأً يغشى الأرواح، ومرضًا يتعب النفوس، ويضايق الصدور، وكان استكمال العزيمة، واستتمام الثقة غسلًا للأرواح من صدئها، ونقعًا للغلة، قال: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ".
فقلنا في التعليق على هذا: "فرض كاتب المقال أن أيوب كان مترددًا
[ 2/ 1 / ٢٥٩ ]
في إدراك الغاية، واهنَ العزيمة حتى صار هذا الحال يغشى روحه، فرض الكاتب هذا، ليجعل المراد من المغتسل البارد والشراب: عقد العزيمة، واستكمال الثقة".
فقال في دفاعه: "إنه بعد ما تلوتُ عليك من آيات القرآن ما عُزِي إلى الرسل؛ من استبطاء النجاح في دعوتهم، لم يكن ذلك فرضًا، بل هو أمر واقع، بل الواقع أكثرُ من هذا، فقد نسب إلى الرسل اليأس من النصر في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]، إلخ ".
استبطاء النصر، أو استشعار اليأس منه، أمر يقع للرسل - ﵈ -، أما وهن العزم، وعدم القوة في السير إلى الغاية، فقد نسبهما صاحب المقال إلى أيوب - ﵇ - فرضًا؛ فإنه على تسليم أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]،: الشكاية من إعراض قومه، فإن مجرد هذه الشكوى لا يكفي دليلًا على أنه وقع في وهن من العزم، وفقد القوة في السير إلى الغاية، وقد شكا نوح - ﵇ - من إعراض قومه عن في دعوته، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦]، ولا يصح لأحد يقف على هذه الآيات أن يقول: إن نوحًا - ﵇ - كان واهن العزم، ضعيف الثقة، فاقد القوة في السير إلى الغاية.
وقال صاحب المقال في رده: "ونحن نعلم - كما يعلم هذا الكاتب -: أن هذا القرآن نزل بلسان عربي مبين، ونوقن أن القرآن نزل - مع هذا - مملوءًا بالكنايات والاستعارات، أما أن ما بينته من الكناية فيه تكلف، فسرُّ التكلف في نظر هذا الكاتب تأثر نفسه بالإسرائيليات، وتلك نتيجة طبيعية للتقليد،
[ 2/ 1 / ٢٦٠ ]
ولم يبق بين يدي الكاتب من شبهة إلا أن يقول: إنا وجدنا آباءنا كذلك يقولون".
في القرآن استعارات بديعية، وكنايات لطيفة؛ كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقولى تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].
فإذا قلت: إن ما ذكره صاحب المقال في تفسير: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، فيه تكلف، فسزُ ذلك أني وجدته غيرَ ملائم لما عرف به القرآن من حسن البيان، وبعيدًا من طريقة القرآن في إيراد الإستعارات والكنايات؛ إذ يأتي بها على وجه تتسابق به المعاني إلى الأذهان تسابقَها عندما يعبر بألفاظها الحقيقية.
وكان صاحب المقال قد ذكر من وجوه رده على المفسرين: أن تفسيرهم "يقضي بأن مرجع اسم الإشارة إلى الماء، وهذا يقتضي ألا يكون لاسم الإشارة مرجع، وليس في النظم ما يدل عليه، وذلك شيء تأباه اللغة".
فقلنا في دفع هذا: إن اسم الإشارة يستعمل مشارًا به إلى أمر معقول، أو غائب، وهذا الاستعمال هو الذي يحتاج فيه إلى مرجع، ويستعمل مشارًا به إلى محسوس مشاهَد للمتكلم والمخاطب، وهذا الاستعمال لا يحتاج فيه
[ 2/ 1 / ٢٦١ ]
اسم الإشارة إلى مرجع، ومن البين أن اسم الإشارة في الآية مستعمل في أمر يراه المتكلم والمخاطب، وهو الماء.
كتبنا هذا، وفي ظننا أن صاحب المقال إنما كتب ذلك الوجه من الرد غافلًا عن تفصيل الحكم في مرجع اسم الإشارة، وأنه سيمسك عن الخوض في هذا البحث، ولكنه كلف قلمه أن يكتب شيئًا يسميه: ردًا على ما كتبناه، فقال:
"وإنا نقول لهذا الكاتب أولًا: إن القرآن إنما يحكي الجملة التي أوحى الله بها إلى أيوب، وأيوب - طبعًا - لم يركض برجله إلا بعد أن تلقَّى هذه الجملة، وساعةَ تلقيها لم يكن الماء موجودًا حتى يكون مشاهدًا للمتكلم والمخاطب، فتكون الإشارة حينئذ إلى غائب مما يحتاج إلى مرجع في الكلام".
يقول المفسرون: إن قوله تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، حكاية لما قيل لأيوب بعد امتثاله للأمر، ونبعِ الماء، أو مقول لقول مقدر معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام؛ كأنه قيل: "فركض برجله، فنبعت عين، فقلنا له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (١)، فاستبان من هذا أن المفسرين يصرحون بأن الإشارة في قوله تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ وقعت بعد الركض بالرجل، ونبع الماء، ولم يبق إلا أن صاحب المقال لم ينصف المفسرين، إذ قام يحمل عليهم حملته، ولا يكلف نفسه النظر في عباراتهم بشيء من التدبر.
ثم قال: "ونقول ثانيًا: إن مشاهدة المتكلم والمخاطب للمشار إليه إنما
_________________
(١) "تفسير الألوسي".
[ 2/ 1 / ٢٦٢ ]
تغني عن مرجع بالنسبة إلى المتكلم والمخاطب، أما إذا أريد إفهام الكلام لغير المتكلم والمخاطب، فلا بدَّ من مرجع يمكن للسامع معه أن يفهم ما يسمعه، وإلا، لصحَّ أن تقول لشخص: أنا اليوم قابلت فلانًا، وقلت له: هذا ملك أخي، دون أن يسبق ذكر المشار إليه، ودون أن يكون في الكلام ما يدل عليه، مع أن هذا كلام لا يمكن لمن تحدثه به أن يفهمه".
لو ذكر لك طبيب اسم شخص، وقال لك: شكا إليَّ مرضًا نزل به، فقلت له: هذا دهن، وهذا شراب، لفهمت ماذا أراد، ورأيت اسم الإشارة كيف يستغني عن مرجع يتقدم عليه.
ولو حدثك إنسان عن شخص، وقال لك: شكا إليَّ شدة البرد، فقلت له: هذا رداء وإزار، وهذا فراش وغطاء، لرأيته في غنى عن أن يذكر لاسم الإشارة مرجعًا غير ما أشار إليه من بعد.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، بعد حكايته قول أيوب - ﵇ -: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقوله: ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، وبعد قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، ظاهرٌ في أن المشار إليه هو الماء النابع من الأرض.
وكان صاحب المقال قد قال في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]: "أي: هدينا له أهله، فاَمنوا به، واستجابوا لدعوته، وهدينا له مثلهم من غير أهله". وقال: "فليس المراد بالهبة هنا هبة الخلق والإيجاد، بل هبة الهداية والإرشادة بدليل تعبيره بالأهل دون الذرية والولد كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]؛ إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله لهم، لا أن يولد لهم".
[ 2/ 1 / ٢٦٣ ]
فقلنا له: إن طائفة من المفسرين يقولون: إن المراد من هبة الأهل في هذه الآية، ومن إيتائهم في آية الأنبياء: جمعُهم عليه بعد تفرق، لا إيجادهم بعد عدم، ولا إحياؤهم بعد موت، وهذا المعنى أقرب إلى الفهم من معنى: هدينا له، وقلنا: إن الهبة: إعطاء الشيء من غير عوض، وهذا المعنى يتحقق في جانب الله بجمع أهل الرجل عليه بعد تفرقهم، فحمل الهبة على الجمع حمل للفظ على معنى قريب من الذهن، أما الهداية، فمعنى زائد على ما يفهم من لفظ الهبة، وإنما يصرف اللفظ عن المعنى المتبادر متى وجد المقتضى لهذا الصرف.
فقال صاحب المقال في رده: "أنا لا أدري لم كان المعنى الحقيقي للفظ الهبة إنما يتحقق في جانب الله بجمعه أهلَ الرجل بعد تفرقهم، ولا يتحقق بهداية أهل الرجل به بعد ضلالهم".
قال الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٤]، وقال في سورة ص: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]، وفي الآيتين أمران يصرفان الهبة والإيتاء عن معنى: أنه وجد له أهلًا بعد أن لم يكن له أهل:
أولهما: مجيء لفظ الأهل مضافًا إلى ضمير أيوب - ﵇ -؛ فإنه ظاهر في أن الهبة تعلقت بهم، وهم أهل.
ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]؛ فإنه إذا كان هؤلاء المثل من قبيل الأهل، لا ينتظم المعنى على أن تكون الهبة أو الإيتاء بمعنى: الخلق والإيجاد، إذ يصير المعنى: خلقنا له أهله، وأهلًا مثلهم، فلا يظهر له وجه من الفائدة مقبول، وإذا لم يصح حمل الهبة أو الإيتاء على الخلق والإيجاد،
[ 2/ 1 / ٢٦٤ ]
كان المعنى المتبادر من نسبة الهبة أو الإيتاء إلى الله: جمعهم عليه بعد تفرق؛ فإن إعطاء شيء لشخص إيصالُه إليه، والإيصال يتحقق في جمعهم عليه بعد التفرق، أما معنى هدايتهم بعد كفرهم، فأمر خارج عن معنى الإيتاء والهبة، فلا يحملان عليه إلا بدليل.
ثم إن حمل الهبة والإيتاء على معنى الهداية يستدعي أن يحمل قوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]، على طائفة من غير أهله، والمماثلة ظاهرة في العدد، وإذا كانت الآية مسوقة مساق الامتنان، فإن الامتنان يظهر في كثرة من شملتهم هذه الهداية، وإذا قيل في معنى الآية: آمن به أهله، ومثلهم معهم، لم يكن المعنى ملائمًا للسياق؛ فإن إيمان أهل الرجل ومثلهم معهم لا يدل في العادة على كثرة المؤمنين به، ولا يظهر أن يكون المراد بيان عدد من آمنوا بأيوب؛ فإن عدد أهله غير معروف، حتى إذا قيل: وآمن مثلهم معهم، عرف مقدار من آمنوا به.
أما ما يقوله المفسرون، فإنه يوافق ما سيقت له الآية من الامتنان؛ فإن انقطاع الرجل عن أهله بلاءً، وجمع أهله عليه نعمة، كيفما كان عددهم، ومتى قيل: وآتيناه مثلهم معهم، كان وجه المنة أظهر، فالتأم معنى الآية مع السياق.
وقال صاحب المقال: "إن المعنى الذي فسرتُ به الآية أقربُ إلى المعنى الحقيقي مما فسر به المفسرون، إذ هداية الله للناس أكبرُ ما يهتم له الأنبياء، ففي الهداية يتحقق معنى الإعطاء، أما جمع الأهل فهو:
أولًا: هَيّنٌ على الأنبياء ما دام لم يكن جمعًا للهداية.
وثانيًا: ليس فيه جديد يوهب، إن أهل الرجل هم أهله، إن تفرقوا عنه، أو اجتمعوا عليه".
[ 2/ 1 / ٢٦٥ ]
قد أريناك أن معنى الجمع بعد التفرق في لفظ الهبة أظهر من معنى الهداية، ومتى كان هناك معنى يتبادر من اللفظ، ويتحقق به معنى الهداية، كان أحقَّ بأن تحمل عليه الآية، وعدّ الجمع بعد التفرق في سياق النعم يقتضي أن يكون الله قد جمعهم عليه وهم مهتدون بهديه، وأهل الرجل في حال تفرقهم عنه أهله، ولكن انقطاع الصلة بينه وبينهم يجعلهم بمنزلة العدم، فجمعُهم عليه بعد انقطاع الصلة كإيجادهم بعد أن لم يكونوا.
وكان قد قال في مقاله: "إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله لهم، لا أن يولد لهم".
قال هذا لينفي أن يكون جمعُ الأهل بعد التفرق مما يهتم له النبي - ﷺ -، فلا يستحق في زعمه أن يذكر في جملة النعم التي أنعم الله بها عليه: فقلنا في الرد عليه: يهتم الأنبياء لأن يهدي الله بهم، ولكنهم يقدرون نعمًا أخرى، فلا يفوتهم أن تأخذ حظًا من اهتمامهم، فقد أثنى إبراهيم - ﵇ - على الله بما وهبه من نعمة الشفاء، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، وقال رسول الله - ﷺ - عند موت ابنه: "إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، وهذا يدل على أنهم يهتمون لأشياء غير هداية قومهم.
فقال في الردّ على هذا: "وإذا كان الكاتب معترفًا بأن أهم ما يهتم له الأنبياء أن يهدي الله بهم، فلنسجل عليه هذا، ثم نعرفه أنا نعتقد أن الأنبياء بشر، يألمون لما يألم له الناس، ويحزنون لما له يحزنون، لكن القرآن لا يحدثنا عنهم إلا بأهم ما يهتمون له".
ولعل كاتب المقال نسي أنه قال: "إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله لهم، لا أن يولد لهم"، فهو يحصر كل ما يهتم له الأنبياء في الهداية
[ 2/ 1 / ٢٦٦ ]
لهم، فكان من مقتضى المنطق أن نورد عليه أشياء ظهر فيها اهتمام الأنبياء، وليست من قبيل هداية القوم، ولو قال: إن أهم ما يهتم له الأنبياء أن يهدي الله بهم، لسلكنا في الرد عليه وجهة أخرى هي: أن كون الهداية أهم في نظر النبي - ﷺ -، لا يمنع من أن يذكر الله تعالى أمرًا كان مظهرًا من مظاهر الإنعام الذي يرتاح له النبي - ﷺ -، وإن كان دون نعمة الهداية به.
كان صاحب المقال قد قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]: "أي: لا ترفع في وجوه قومك رمحًا ولا عصًا، ولا تُغلظ لهم في القول، ولا تخاشنهم في الطلب، بل لوّح لهم في وجوهم بالرياحين والأزهار، ولا تأثم بالغلظة".
فكتبنا في التعليق عليه: "هكذا يقول صاحب المقال، ويقول زعيم القاديانية الضالَّة عن السبيل محمَّد علي في تعليقه على ترجمته للقرآن الكريم إلى الإِنجليزية: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾: القرينة تدل على أن المقصود من ذلك أعداؤه، والمراد من أخذ الضغث والضرب بها معاملتهم باللين والرفق".
ونقلنا بعدُ: أن أبا زيد الدمنهوري صاحب التفسير المنبوذ قد أوَّل: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ بمعنى: أخذه بيده شيئًا من مجموعة من خليط من الحطب أو الحشيش، أو غيره؛ لتكون بضاعة يكتسب بها العيش، ونبهنا على أن قول أبي زيد في تفسير: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]،: أن أيوب كان في سفر مسه منه تعب ومشقة، وكان محتاجًا إلى الماء، هو ما فسر به الآية زعيمُ تلك الطائفة الخارجة عن سبيل المؤمنين.
وكان من صاحب المقال أن كتب في رده فقال: "قل لي بربك: ماذا يفيد الكاتب من أن يعلق على ما أولت به الآية بسوق ما قاله زعيم القاديانية،
[ 2/ 1 / ٢٦٧ ]
وسوق ما قاله أبو زيد الدمنهوري؟ ".
القاديانية وليدة الباطنية، ومن مبادئ هذه الفرقة إنكارُ المعجزات الكونية، وقد التزم زعيمهم أن يأتي إلى كل آية ظاهرة في معجزة كونية، ويخرجها عن ظاهرها بكلام يجعلها أمرًا عاديًا، وجرى في أثره أبو زيد صاحب التفسير المنبوذ، فلا يمر بآية فيها معجزة إلا حزَفها عن معناها كما يحرفها زعيم القاديانية.
وقد وجدت في تفسير صاحب المقال لهذه القصة رأيًا أول من قاله زعيم تلك الطائفة، ويكفي داعيًا إلى التنبيه على ذلك حق التاريخ، فإن نشأة الآراء وأسباب نشأتها من الأغراض التي يبحث عنها العالم، ويراها من وسائل التحقيق في العلم.
ثم إني نبهت لذلك على أمل أن يتروى صاحب المقال في النزعة التي أخذ ينزع إليها في تفسير كتاب الله، ومن قال لشخص: إن رأيك غير صواب، وقد سبقك إليه فلان الضال، قد يريد حثَّه على إعادة النظر في رأيه؛ عساه أن ينكشف له من وجوه فساده ما خفي عليه من قبل؛ فإن شأن الطوائف الضالَّة عن السبيل أن يبنوا اَراءهم على أهواء طائشة، أو أصول فاسدة.
وأما سوقُ ما قاله أبو زيد الدمنهوري، فلأن أبا زيد ركب في تفسير القصة كما ركب زعيم القاديانية رأسه، وذكر الشيء لمناسبة يسميه أهل العلم: استطرادًا.
وقال صاحب المقال: "أعرف فريقًا من الناس - منهم هذا الكاتب - اعتادوا ألا يفاجئوا العامة بحق يخالف خرافاتهم وأوهامهم، ويرون أن هذا سبيل إلى تزعُم العامة، وأن في ذلك منافعَ لهم ومصالح، كما اعتادوا أن
[ 2/ 1 / ٢٦٨ ]
يستَعْدوا العامة على أنصار الحق".
حاربت، وأحارب الخرافاتِ والأوهام، ولتزعُّم العامة سيرة غيرُ السيرة التي أغدو عليها وأروح، ولو كنت أحرص على هذا التزعم، لآثرت السلامة من ألسنة بعض الخلق، على الحق، ولست ممن يرى استعداء العامة على أهل البدع والضلالات والأهواء، فضلًا عن استعدائهم على أنصار الحق، وأرى أن خير ما يستعدى على هؤلاء الحجَّة، والمجادلة على طريق آداب البحث، ذلك أن الحجة والمجادلة على قانون المنطق هي التي تقتل آراءهم، وتستأصلها من منابتها.
وقال في رده: "ولقد كان هذا الفريق في كل عصر قَذى في عين الإِسلام، وشوكة في ظهره". شتم رجلٌ عمرَ بنَ ذر، فلم يرد عليه، وقال له: "إني أَمَتُّ مشاتمةَ الرجال صغيرًا، فلن أحييها كبيرًا".
قال صاحب المقال في رده: "واسألوا هذا الكاتب: ماذا دعاه أن يكتب ما كتب؟ هل جئت بشيء يخالف أصلًا من أصول الدين، أو فرعًا من فروعه؟ وكل ما جئته أني خالفت تلك الإسرائيليات التي يكاد يراها الكاتب دينًا تجب الثورة على من يخالفه".
الرد على طريقة البحث العلمي لم يسبق لأحد أن سماه: ثورة، ويكفي داعيا إلى مناقشة الكاتب: تخطئته للمفسرين بإبداء خواطر لا تتصل بأصول معقولة، ثم أخذه في تفسير القرآن على نحو لا يلتقي مع بلاغة القرآن، وحسنِ بيانه.
وحكى صاحب المقال ما قلته في الرد عليه من أن مسلكه في تأويل القصة مسلك من لا يراعي لحسن البيان حقًا، ولا للذوق العربي عهدًا؛ إذ
[ 2/ 1 / ٢٦٩ ]
حمل آيات من القرآن الكريم متتابعات على كنايات واستعارات لا تدخل الآذان إلا كرهًا، وقال في الرد على هذا: "هكذا يقول هذا الكاتب، وإنها لدعاوى يلفظها الكاتب دون أن يكون عليها دليل، أو شبه دليل".
المفسرون يحملون آية: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، علي معانيها الحقيقية، ويحملون آية: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، كذلك على معانيها المعروفة في اللغة، أما صاحب المقال، فإنه عمد إلى هذه الآيات، وخرج بها على باب من الاستعارة والكناية غير معروف في أساليب ذلك الكتاب الذي نزل بلسان عربي مبين.
ويكفي في التنبيه على بطلان هذا التفسير: أن نحكي عبارات صاحبه مجردة من كل تعليق، فإنك لا تجد أحدًا يتلو القرآن الحكيم، أو يستمع إلى من يتلوه، حتى يعرف روعة بيانه، ويأنس بحسن استعاراته وكناياته، يتقبل هذا الذي يقوله صاحب المقال في هذه الآيات، ومن الذي يجد في ذوقه أو ذهنه استعدادًا لقبول أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قوِّ عزمك، واستتم ثقتك؛ فإن استكمال العزم واستتمام الثقة يغسل الأرواح من التردد في الغاية، ووهن العزيمة، وضعف الثقة، وينقع غلتها؟! أو لقبول أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾: لا تغلظ لقومك في القول، بل لوّح لهم في وجوههم بالأزهار والرياحين؟!.
وإذا كان صاحب المقال يحسب أن كل استعارة وكناية أبلغُ من الحقيقة، فقد ظن ما لم يخطر للبلغاء على بال.
فالحق أن القرآن المجيد لا يأتي الاستعارة أو الكناية إلا أن تكون واضحة
[ 2/ 1 / ٢٧٠ ]
المنهج، قريبة المأخذ، وبمثل هذا الوجه اشتد عضدنا في الرد على طائفة الباطنية؛ إذ حرَّفوا الآيات عن مواضعها، وصرفوها إلى استعارات وكنايات ينكرها الذوق السليم، ولا تحتملها قوانين البيان.
ثم قال كاتب المقال في رده: "وإنَّما اندفع هذا الكاتب إليها - أي: إلى تلك الدعاوى -؛ لتأثره بإسرائيليات نشأ عليها، فغدت عقيدةً عنده لا يستند فيها إلا إلى التقليد، وقديمًا رمى الناس الأنبياء بالسحر والجنون، وغير ذلك، مع وضوح حجتهم، وسطوع برهانهم، ولكنه التقليد أعماهم حتى قالوا: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤]، ".
يريد من الدعاوى: ما بينته من حمله للآيات على استعارات وكنايات بعيدة لا داعي إليها، ولا قرينة تساعد عليها، وقد أكثر من ذكر أني أكتب متأثرًا بالإسرائيليات، أو كتب عن تقليد، وهذا حديث لا يعود على البحث بجدوى؛ فإنا نكتب لذوي الفطر السليمة، والأفكار النبيهة، وهؤلاء يميزون الشبهة من الحجَّة، ويفرقون بين المعقولات والخيالات، ولا يتجافون عن رأي لمجرد أنه رأي قديم، أو يطيشون إلى آخر لمجرد أنه رأي جديد، فلا يضر الباحثَ أن يقال عنه إنه متأثر بالإسرائيليات، وهو غير متأثر بها، أو يقال عنه: إنه مقلد، وهو يسوق بحثه على طرق منطقية.
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ 2/ 1 / ٢٧١ ]