الزكاة لغة: النماء، يقال: زكا الزرع، أو المال: إذا كثر، ونما.
وشرعًا: إخراج جزء مقدر من المال، ودفعه إلى المصارف المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
ومناسبة المعنى الشرعي للمعنى اللغوي: أن الجزء القدر الذي يخرج من المال يحصل به النماء والبركة لأصل المال، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
أي يضاعف ثوابها.
ومن حكمتها: شكر نعمة المال، كما أن من حكمة الصلاة شكر نعمة البدن.
وقد أمر بها القرآن الكريم مجملة، فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وورد الحديث الصحيح مفصلًا لزكاة الذهب والفضة، والقمح والشعير
_________________
(١) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني من السنة العاشرة.
[ 2/ 2 / ٩٦ ]
والتمر، والإبل والبقر والغنم، ماعزًا أو ضأنًا.
ومن أدلة وجوبها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
فمضمون الآية أنه: لا يخلّى سبيل أحد إلا إذا تاب من الشرك، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة.
وظاهر آية مريم: أن عيسى - ﵇ - أُمر بالزكاة، قال تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].
فقرن العبادة المالية بالعبادة البدنية كما قرنتا في خطاب المسلمين، أعني قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وما أديت زكاته من المال يجوز لصاحبه أن يتصرف فيه بالادخار والإنفاق بطريق من الطرق التي تقتضيها المصلحة.
ووجوب إخراج ما زاد على الحاجة ينسب إلى أبي ذر الغفاري، ويقولون: إنه يستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
وهذا الخبر غير ثابت عن أبي ذر، فقد روى البخاري في "صحيحه" عن زيد بن وهب: أنه قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر - ﵁ -، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، فقال معاوية: إنها نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه خلاف
[ 2/ 2 / ٩٧ ]
في ذلك، وكتب إلى عثمان بن عفان - ﵁ - يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا علي حبشيًا، لسمعت وأطعت.
والآية ظاهرة فيما ذهب إليه أبو ذر الغفاري من أنها عامة في المسلمين وأهل الكتاب، فأبو ذر كان يعرف أن ادخار ما أديت زكاته لا يدخل في وعيد آية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤].
إنما كان يدعو إلى الزهد في الدنيا، ويشتد في دعوته، ويحث الناس على إخراج ما زاد على حاجتهم، والزهد البالغ إنما يسلكه الخواص من الناس، ويطالب به عامتهم بدعوة لينة.
قال أبو بكر بن العربي في هذه الواقعة: "وإنما كان الصحابة قد يختلفون، وربما أغلظ بعضهم لبعض قولًا، فشكاه معاوية إلى عثمان، فأرسل إليه عثمان؛ ليكون مجاورًا له في الأماكن الطيبة إلخ".
وفي ترتيب الأعضاء المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] نكتة لطيفة؛ لأن قصد الذي يكنز المال إمّا نيل وجاهة واسعة، أو كل طعام طيب، أو لبس ثوب ناعم، فجاء كيّ الجباه مناسبًا للراغب في الوجاهة، وكيّ الجنوب ملائمًا للقاصد أكلًا، وكي الظهور موافقًا للباغي ثوبًا يطرحه على ظهره وجسمه.
وذكر القرآن الكريم في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠] مصارف الزكاة، ومن بين المستحقين: المؤلفة قلوبهم، وكان رسول الله - ﷺ - يعطي من الزكاة
[ 2/ 2 / ٩٨ ]
صنفًا أسلم على ضعف؛ كعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، والعباس ابن مرداس؛ تأليفًا لهم، ولما توفي رسول الله - ﷺ -، جاء عيينة والأقرع يطلبان قسطهما من الزكاة، فقال لهما عمر بن الخطاب: كان رسول الله - ﷺ - يدفعها تأليفًا لكما، فأما اليوم، فقد أعز الله تعالى الإسلام، وأغنى عنكما، فإن ثبتّا على الإسلام، وإلا بيننا وبينكم السيف!.
وقول عمر مبني على أن علة إعطائهم نصرة الإسلام، فإذا زالت العلة باستغناء الإسلام عنهم، سقط الحكم، وهو إعطاؤهم الزكاة، ولو رجعت العلة، وهو انتصار الإسلام بأمثالهم، لعاد الحكم، وهو إعطاؤهم الزكاة.
وذكرت الآية في جملة المصارف: سبيل الله، والمراد: منه الجهاد باتفاق العلماء، فيصرف قسط من الزكاة على الفقراء المجاهدين، والسلاح، والمصانع، وبناء القناطر، وما يستعمل في وسائل الدفاع والجهاد في سبيل الله.
وتجب الزكاة في الفواكه والخضراوات، قال الإمام أبو حنيفة: تجب الزكاة فيما عدا الحطب والحشيش، مستدلًا بعموم الحديث الصحيح، وهو قوله - ﷺ -: "فيما سقت السماء والعيون العُشر، وما سقي بالنضح - أي السانية - نصفُ العشر".
قال أبو بكر بن العربي: ومذهب أبي حنيفة أقوى دليلًا، وأحوط للمساكين، وأولاها بشكر النعمة.
ومما استدلوا به: قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
والحق هو الزكاة.
[ 2/ 2 / ٩٩ ]
وذكر في الآية: الرمان وهو من الفواكه.
والمجتهد الذي يراعي قصد الشارع يرى أن الحلي الذي يتخذ للزينة واللباس لا تجب فيه الزكاة؛ لأن المقصود الزينة واللباس، والزكاة تجب فيما قصد به المعاملة من الذهب والفضة.
والذين يقفون عند نص الشارع يرون وجوب الزكاة فيه مطلقًا؛ لأنه ذهب أو فضة كما ورد في الحديث.
والأوراق النقدية المستعملة مكان الذهب والفضة تجب فيها الزكاة كما تجب في النقدين، فإذا اعتبرت من العروض، سقطت حقوق الفقراء، وما عطف عليهم، فيضيع ركن من أركان الإسلام.
وسئلتُ في بلاد الجزائر عما يأخذه الحاكم الظالم من المال، هل يعدّ من الزكاة أم لا؟ فأجبت بما رأيت لبعض الفقهاء من التفصيل، وهو أنه: إن أخذ المال باسم الزكاة، يحسب من الزكاة، وإن أخذه باسم الضريبة، أو الغصب، لا يحسب منها، ويجب على صاحب المال إخراج الزكاة.
والزكاة متعلقة بالمال، فأينما وجد المال والنصاب، تجب الزكاة، فتجب في مال العاقل البالغ، والمجنون، والصبي.
والخطاب بالزكاة في مال الصبي والمجنون ومن يماثلهما من ناقصي الأهلية، أو فاقديها، يوجه إلى الوليّ، وقد ثبت عن عائشة - ﵂ -: أنها كانت تخرج الزكاة من أموال أيتام كانوا في حجرها.
ولا يجوز نقل الزكاة عن موضعها؛ لقوله - ﵊ - لمعاذ بن جبل: "فأعلمهم - أي: أهل اليمن - أن عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم، وتردّ على فقرائهم"، ومعناه: أن يأخذ من أغنياء كل بلد ما يرد
[ 2/ 2 / ١٠٠ ]
على فقرائهم، فإن لم يوجد في موضع الزكاة فقير، نقلت إلى غيره، وإن كان في غيره من هو أشد حاجة إلى الزكاة، نقل بعضها إلى هذا الفريق، مع رعاية الأقرب بلدًا فالأقرب.
وقال الشافعي: لا يعطى من الزكاة القادرُ على الكسب.
ويرى كثير من الأئمة إعطاءها للفقير، ولو كان قادرًا على الكسب؛ لعموم الآية والحديث.
ومذهب الشافعي أدعى وأحث على العمل للفقير من مذهب الجمهور، فالفقير القادر على الكسب إذا علم أنه يعطى من الزكاة، ترك العمل.
ومن امتنع من دفع الزكاة، أُخذت منه قهرًا، فإن قاتل دونها، قوتل.
ولما امتنع جماعة من دفع الزكاة إلى أبي بكر الصديق - ﵁ - وتأولوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
فزعموا أن دفع الزكاة إنما يكون للنبي - ﷺ -، فهو الذي خوطب بالآية، قال أبو بكر الصديق: لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، وقاتلَهم.
فالذين قاتلهم أبو بكر صنفان: صنف منع الزكاة وهو مُظهر للإسلام، وصنف ارتد علنًا بعد وفاة النبي - ﷺ -.
والأصل فيما يخاطب به - ﷺ - أن يكون خطابًا للأمة، فيقوم به من يتولى أمورهم، ما لم يقم دليل واضح على أنه من خصائصه.
وظاهر من مثل قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن لا تقبل منهم إلا إذا اعتقدوا، وأقروا بشروط صحتها، وهو الإسلام.
[ 2/ 2 / ١٠١ ]
والزكاة ليست منحة من الغني للفقير، بل هي حق واجب الأداء، وركن من الإسلام يجب النهوض به، ودفعه لمستحقه؛ ليستطيع الفقير أن يعيش عيشة طيبة، وفي ذلك تقوية للأمة، وتثبيت لأركانها.
[ 2/ 2 / ١٠٢ ]