الإيمان: معرفة الله بصفاته العلية، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويلزم من الإيمان: الإقرار بشريعة الله، وهي العلم بصحة الأحكام المأخوذة من الكتاب والسنّة، والأصول المستنبطة منهما بالاجتهاد المُعْتَدِّ به، فمن أذعن لهذه الأحكام، واعتقد أنه مكلف باتباعها من الله -﷿-، يُعَدُّ محافظًا على مركز دائرة الإيمان، ومن لم يؤمن بها، فقد أفسد مركز الدائرة، وأيّ دائرة يصح وضعها بغير مركز ثابت؟؟!!.
وعلم الأخلاق من صلب الدعوة، فالقرآن المجيد، والحديث النبوي عامران بمدح مكارمها، والدعوة إليها، وسيأتي الحديث عنها بسعة في مقال مستقل - إن شاء الله -.
والعلم بالأحكام، ومكارم الأخلاق، على الوجه الذي أمر به الشارع، موقوف على معرفة كيف كان العرب يستعملون اللفظ في المعاني التي يهمهم اطلاع المخاطب عليها؟.
والطريق إلى معرفة كيف يستعمل العرب الألفاظ في المعاني، هو: علم اللغة والنحو والصرف، وقد قام بها فريق يوثق بعلمهم وروايتهم،
_________________
(١) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة العاشرة.
[ 2/ 2 / ١٧٧ ]
فكانت هذه العلوم موصلة إلى الأحكام التي يتوقف الإيمان على الإذعان لها، وذو البصيرة يعرف من الشواهد التي تساق على المسألة المُصِيبَ من اللغويين والنحاة.
ولما كانت الشريعة عامة خالدة، جاء النبي - ﷺ - بمعجزات شاهدها من حضر في عهد النبوة.
وأعظم هذه المعجزات باقٍ ميسَّر إدراكه لمن جاء بعده - ﷺ -، وهو القرآن الكريم.
ومن هنا اعتنى العلماء بالبحث عن وجه إعجازه، ووضعوا علوم البلاغة التي هي: البيان، والبديع، والمعاني. فالبلاغة علومٌ اقتضى وضعها كمال الإيمان، ولما وليت التحرير بالقلم العربي في وزارة الحربية بالآستانة، قدموا لي ورقة لأكتب فيها شخصيتي، وما أميل إليه من العلوم أكثر من غيره، وجهة تخصصي العلمي، فكتبت أني مختص بعلوم البلاغة، وأصول الفقه الإسلامي، وكان بجانبي أحد علماء "شنقيط"، فقال لي: لِمَ زدت وصف (الإسلامي)؟ فلم يسعني إلا أن قلت له: كتبتها لزيادة الإيضاح؛ وقد سمعت من يسمي القوانين الوضعية: فقها، فيضعون بالطبيعة للقوانين الوضعية أصولًا، فتكون كلمة (الإسلامي) للاحتراز من غيره.
ولما كانت معرفة سيرة النبي - ﷺ - تزيد في الإيمان قوة، ألّف فيها بعض العلماء كتبًا خاصة؛ كما فعل القاضي عياض في كتاب "الشفاء"، وغيره، فكان علم السيرة من العلوم التي يزداد بها الإيمان كمالًا.
ولما كان علم التاريخ مما يزيد الإيمان طمانينة، والأخلاق حسنًا، وأشار إليه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]، صار
[ 2/ 2 / ١٧٨ ]
من العلوم الداخلة في الإيمان، والمطلوب ممارستها.
وإنما يريد الشرع من المؤرخ أن يكتب ما شاهده بنفسه، أو تواتر عن غيره تواترًا صحيحًا، أو أخبره به الثقة الأمين، فلا يُدْخِلُ الكاتب في التاريخ ما يخبر به من ثبت أنه له اتجاهًا غير رشيد يريد ترويجه بين الناس.
وفي كتب التاريخ كذب كثير، سببه عدم تحري المؤرخ في الواقعة، أو يكون له اتجاه غير رشيد، فلنبحث عن نفسية كاتب التاريخ ونزعته قبل أن نقرأ ما يرويه من الوقائع، فقد قال بعض من يدّعي معرفة التاريخ قولًا يحط من كرامة بعض الأئمة، ولولا الثقات الكثيرون الذين اتصلوا بهؤلاء الأئمة، وشهدوا بأنهم يتقون الله، ويخافونه في السر والعلانية، لارتاب الناس في سيرتهم، ولم يأخذوا الشريعة المطهرة من أفواههم.
والطب يكفي شاهدًا على أنه من العلوم الداخلة في دائرة الإيمان: فتوى الفقهاء بالاعتماد على إشارة الطبيب بضرر استعمال الماء في الطهارة، والعدول إلى التيمم، وضرر الصوم في رمضان، وإباحة الفطر في نهاره. وإنما يُنكر على الطبيب إن اعتقد أن الدواء هو الذي شفى المريض من المرض بذاته، لا أن الله جعل الدواء من سُنن الشفاء الكونية، ولو شاء، لعطله عن التأثير.
والكيمياء والطبيعة من علم سنن الله في الكون، فمن اعتقد أن الذي ربط سببًا بمسبب قادرٌ على أن يفصل بينهما بتعطيل السبب، وإيجاد سبب آخر؛ كمعجزات الأنبياء - ﵈ -، فهو متبع لسبيل المؤمنين.
ولما نزلت الشريعة لإصلاح النظام الاجتماعي حتى يستطيع الإنسان أن يعبد الله وهو مستنير القلب، مشروح الصدر، أذن له في تعلم ما تقتضيه
[ 2/ 2 / ١٧٩ ]
الحكمة، ويستقيم به النظام؛ كعلم الرياضة؛ من حساب وهندسة وجبر، وعلم الجغرافيا، وعلم الفلك؛ وقد قال بعض الأئمة: يجب على القاضي مراعاة الهندسة. وحكى قضية أخطأ فيها قاض جاهل بعلم الهندسة، وأصاب فيها قاض عارف بأصولها.
وقد شاع علم أصول الهندسة بين المسلمين، حتى أدخل بعض اصطلاحاتها أحد الشعراء في منظومته، فقال:
كأن فؤادي مركز لهم وهم محيط وأهوائي إليه خطوط
وعلم الجغرافيا غير خارج عن دائرة الإيمان؛ إذ فيه فوائد كثيرة.
وأخبرنا أستاذنا الشيخ سالم أبو حاجب: أنه لما سافر إلى الآستانة، سأله أحد قواد الجيش عن حكم تعلم الجغرافيا في الإسلام، فقال له الشيخ: واجب أن يتعلمه طائفة من المسلمين، فقال له القائد: إنه قيل لي: إنه يحرم دراسته، فقال له الشيخ: أنت كبير جماعة من الجيش، لو جاءك الإذن من الحاكم الأعلى أن تذهب بالجيش إلى بلد كذا لتقاتل أهلها، فإذا لم تكن عارفًا بالمسافة التي بينك وبين البلد، ولم تكن عارفًا بما يوجد في طريقك مما يحتاج إليه الجيش، ولم تكن عارفًا بحالة البلد الذي أمرت بمقاتلة أهله، لا يمكنك أن تعد للجيش العدة التي تجب له، وتلقي به في تهلكة؛ وهذا مثال يعطيك أن الإسلام يأذن بكل علم فيه مصلحة.
وسمعت أستاذنا الشيخ إسماعيل الصفائحي القاضي ينكر على من منع من تعلم الجغرافيا، ويقول: إن عمر بن الخطاب قال في وصيته لبعض قواد الجيش: "كونوا أعلم بأرض العدو منهم".
وتحدث أحد كبار الرجال عن بلد في قارة أوربا، ونسبها في الكتابة
[ 2/ 2 / ١٨٠ ]
إلى قارة أفريقية، فتندَّرَ به أناس شأنهم أن يتندروا بكل من يخطئ في العلم خطأ فاحشًا.
وعلم الفلك داخل في دائرة الإيمان، حتى قال بعض الأئمة: يعتمد ما يقوله الفلكي في ثبوت شهر الصوم، وفي مسائل دلت التجارب على صدقه فيها؛ كالخسوف، والكسوف.
وإنما ينكر الإسلام ما يقوله المنجمون عن توهم من غير دليل ثابت؛ كالذي أشار إليه أبو تمام في قصيدته:
وخوّفوا الناس من دَهْياءَ مُظْلِمَةٍ إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذَّنَبِ
بعد أن قال:
والعلمُ في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشُّهُبِ
والمنطق الذي دونت قواعده مستقلة به في تأليف، أو ذكرت معه الآراء الفلسفية، ورُدَّ على الزائف منها بأدلة كافية، غير خارج عن دائرة الإيمان.
وقد أصاب محمد بن عبد الكريم العقيلي في رده على من يقول بتحريم المنطق، إذا قال من أبيات:
وما المنطق المعنيّ إلا عبارة عن الحق أو تحقيقه عند جهله
أريني - هداك الله - منه قضية على غير هذا ننفها عن محله
والذكي المتنبه إن كتب أو خطب، يدرك الحد والقياس القائمين على صواب من نفسه، ولكن قراءة المنطق تفيد قليل الذكاء، وتسرع بالذكي إلى إدراك الصواب من الحد والقياس. وما المنطق إلا نتيجة تفكير أذكياء.
وعلم الحقوق: إن درسه إنسان ليزداد علمًا بحكمة الشريعة، فقد
[ 2/ 2 / ١٨١ ]
درس ما يزيده إيمانًا، وإن درسه ليكثر سواد أهله، ويجاريهم في علومهم، فإلى الله إيابه، وعليه حسابه.
والعلم لا يزيد الإنسان رفعة، ولا يعطيه فضلًا، إلا إذا صاحَبه عمل محمود.
والتفكير والمشقة التي تحصل من مزاولة العلم لا تعد من وسائل الفضل عند الله إذا لم يصحبها قصد حسن.
وقد أصاب علماء البلاغة إذ قرروا في علمهم: أن العالم الذي لا يعمل بمقتضى علمه هو والجاهل سواء.
فيحسن إلقاء الخبر إليه، وإن علمه خاليًا من التوكيد، كما يلقى إلى الجاهل، واستدلوا بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
فأثبت في صدر الآية لهم العلم بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾
ونفاه عنهم بقوله:
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وخلاصة المقال: أن الإسلام يأذن في كل علم يزيد في الإيمان، أو يفيد في النظام الذي قصدت الشريعة إلى إقامته، وأن العلم لا يعد شرفًا بنفسه، وإنما يعد شرفًا إذا صحبه عمل صالح، أو اتجاه مستقيم.
[ 2/ 2 / ١٨٢ ]