أمر الإسلام بحفظ عرض الإنسان كحفظ ماله ونفسه ونسبه، ومن حفظ عرض الإنسان: تحريم اغتيابه.
والغيية: ذكر المرء بما يكره من خَلقٍ أو أخلاقٍ، أو ملبس أو مركب، أو ما شابه ذلك حين غيبته.
وقد نهى عنها الإسلام بوجه خاص، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
فنفَّر منها القرآن الكريم على أبلغ وجه، وأقوى أسلوب؛ إذ جعل المحبة متجهة إلى ما لا يمكن أن تتجه إليه النفس، ولا يميل إليه الطبع، وهو أكل لحم الميت، وزاد الصورة شناعة وبشاعة: أن جعل الميت إنسانًا، وأخًا لمن يأكله، ولا يقارف هذا إلا حيوان متوحش لا يخضع لتشريع، ولا عهد له بتهذيب.
وجعلُ المأكول لحم ميت دقيق في معناه؛ لأنه يلفت إلى جبن المغتاب؛ إذ يتخذ من غياب أخيه وسيلة إلى ثلم عرضه، وتجريح سمعته، وهو غافل لا يدري ما أصابه، فيدفع عن نفسه، ويحامي عن عرضه.
_________________
(١) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الأول من السنة العاشرة.
[ 2/ 2 / ١٠٣ ]
ومن المغتابين من يعتذر من قبيح صنعه بأنه إنما ذكر الرجل بما فيه، وذلك عذر لا ينجيه، كما بيّنه رسول الله - ﷺ - في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة - ﵁ -، يرفعه إلى النبي - ﷺ -: أنه قال: "أتدرون ما الغيبة؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان في أخيك ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه، فقد بهتّه"؛ أي: افتريت عليه.
فالمغتاب لا يخلو من الإثم الكبير، والذنب العظيم؛ لأنه لا يبرح بين الإيذاء والافتراء.
وقد حكى القرطبي وغيره الإجماع على أن الغيبة كبيرة.
والعجب أن الغزالي يراها أصبحت من الصغائر؛ لشيوعها، وعموم البلوى بها، حتى لا يبرأ منها إلا من عصم الله، وقليل ما هم.
وللرد عليه نقول: إن شيوع الذنب لا يمكن أن يجعله صغيرًا، وإلا هانت الآثام، وتبدلت الأحكام، ولا يستقيم استصغار شأن الغيبة مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في تقبيحها وتغليظ ذنبها.
فالغيبة كبيرة ولا شك، وقد فصل بعض العلماء أمرها تفصيلًا حسنًا، فقال: قد يكون منها ما هو صغير بطبعه؛ كعيب الدابة، والثوب، ومنها ما هو من كبر الكبائر؛ كغيبة الناس بألفاظ الفسق والفجور ونحوها مما يؤذي وينقص.
وتجوز الغيبة في الأحوال الآتية:
١ - التجريح والتعديل: وهو تناول رواة الأحاديث والأخبار بنقد أحوالهم، وبيان أخلاقهم؛ حتى يمكن تمييز قولهم، وقبول أخبار الثقات
[ 2/ 2 / ١٠٤ ]
منهم. والمحدِّثون قد عُنوا بتاريخ الرواة، وتفصيل كل ما يتصل بهم من جهة الشريعة، ومن جهة المروءة.
وكان أحمد بن حنبل يقول: هاهنا رجل كأن الله خلقه لهذا الشأن، يظهر كذب الكذابين، وهو يحيى بن معين.
وقد وضعوا في ذلك كتبًا تميز الثقة من الضعيف والكذاب، ومن أشهرها: "ميزان الاعتدال" للذهبي، وفيه يذكر كل من تناوله نقد من الرواة بتعديل أو تجريح.
وقد امتد النقد إلى علماء اللغة والأدب، فكتب أبو منصور الأزهري في مقدمة "التهذيب" تجريحًا لفريق من علماء اللغة، منهم: أبو بكر بن دريد، والجاحظ، وذكر فيهما من الأخلاق ما يردّ رواية ما ينفردان به، وكان ابن تيمية يردّ قول الأصفهاني صاحب "الأغاني"؛ لأنه يصرح بفسق نفسه، ويذكر في ذلك أمورًا هائلة.
٢ - الشهادة: فيباح للخصم أن يجرح من يشهد عليه، بقصد إقرار الحق والوصول إلى العدل. ومن حرص الشارع على تمكين الحق: أن القاضي لا يحكم بعلمه في قضية ما، ولا يعتمد على علمه إلا في التعديل والتجريح.
٣ - التظلم: وذلك إذا تظلم أحد من حيف أصابه، جاز له أن يتكلم فيمن ظلمه وجار عليه، ويقدح في نزاهته في حدود موضوع ظلامته.
ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨].
٤ - النصيحة: فيباح للمسلم عند نصيحة أخيه المسلم أن يبصِّره بحال من يريد أن يعامله أو يصاهره وهو جاهل بأمره، ولا جناح عليه في ذكر ما يعرفه
[ 2/ 2 / ١٠٥ ]
فيه من العيوب التي تمنع من معاملته، وذلك يدخل فيما يجب على المسلم من النصيحة لله ولرسوله ولجماعة لمسلمين.
٥ - المتجاهر بالفسق: فلا غيبة في ذكره بما أعلن من فسقه؛ لأن إظهاره لأوزاره دليل على عدم مبالاته بتجريح الناس لعرضه.
٦ - الاستعانة على مقاومة المنكر بمن يقدر على تغييره: فمن رأى منكرًا، وجب عليه أن يشكوه، ويبين حال مرتكبيه لمن يستطيع تغييره، وذلك استجابة لقوله - ﷺ -: "من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان".
وإباحة الغيبة في الأحوال السابقة مردها ضرورة شرعية، أو وسيلة حتمية لتحقيق رواية، أو تعديل شهادة، أو دفع ظلم، أو منع ضرر.
والغيبة من الأوزار الفاشية التي عم بلاؤها، وقلّ من الناس من وقاه الله منها، ولا يقتصر التعرض لها على عامة الناس، بل كثيرًا ما يقع في إثمها أولى الناس بالنهي عنها من العلماء وأصحاب المعرفة.
وكان بعض شيوخنا يزيد على تخطئة المؤلفين عبارات تدل على عدم احترامهم، وتعد من الغيبة.
ومن المؤرخين من ينسب إلى بعض السلف غير متحر في الرواية قولًا أو عملًا يحط من شأنه، يعد غيبة، كما فعل من تكلم في طلحة، والزبير، وعائشة - ﵃ -؛ فقد ذكر أنهم خرجوا لقتال علي - كرّم الله وجهه -، والواقع أنهم خرجوا لمطالبة عليّ للأخذ بدم عثمان - ﵁ -، ولم يخرجوا لقتال.
ومن أجل ذلك نرى في تراجم السابقين من رجال الدين الورعين تصريح بعضهم بقوله: "ليس عليّ مظلمة لأحد".
[ 2/ 2 / ١٠٦ ]
وهذه العبارة تحمل في ثناياها براءته من الغيبة، وبُعدَه عن الوقوع في أعراض المسلمين.
وقد كان السلف الصالح - رضوان الله عليهم - قدوةً كريمة في تنزيه ألسنتهم ومجالسهم عن دنس الغيبة، ومن خير المأثور في ذلك: قول الحسن البصري في الرد على من يسألونه عن الخلاف بين الصحابة زمن عثمان وعلي: "تلك دماء طهّر الله منها سيوفنا، أفلا نطهر منها ألسنتنا؟! ".
وما زال في علماء المسلمين على تتابع من يقتدي بهذه السنّة، فقد رأيت العالم الجليل الشيخ بدر الدين الحسني يأخذ نفسه وجلساءه بتحرج شديد من أي كلمة فيها مساس بأحد من الناس، حتى في مذاكرة العلم ومسالك المؤلفين.
وكان أستاذنا الشيخ عمر بن الشيخ يقتصر في الدرس على بيان خطأ المؤلفين، ويبين الحق في المسألة.
فما أجدر هذا النهج بالاتباع! وما أحوج المغتابين بالإقلاع عن هذه الرذيلة التي يحسبونها هينة، وهي عند الله عظيمة! وما أولاهم بالإسراع إلى التوية النصوح التي تمحو عنهم وزرها، وتكفهم عن الخوض في سير الناس وأعراضهم! ومما ينبغي أن يحفزهم إلى التوبة، ويشعرهم بما عليهم من تبعة: أن من الفقهاء من يشترط لقبول التوبة: أن يعفو من أصابته الغيبة، وفي ذلك حرج للمغتابين.
* * *
[ 2/ 2 / ١٠٧ ]