حرم الإسلام أشياء؛ لمفسدتها في ذاتها، فلا يجوز للإنسان بيعها، ولا شراؤها، ولا امتلاكها؛ كالدم، والميتة، والخنزير، والخمر، وحرّم أشياء بالنص الصريح؛ حيث لم يحصل للإنسان سبب ملكها؛ كالمعصوب، والمسروق، والرشوة، والميسر، والربا.
واتفق العلماء على أن الإنسان إذا عرف الشيء المحرم بعينه؛ كالمغصوب، والمسروق، والرشوة، لا يجوز له قبوله، ولا التصرف فيه لنفسه، فإذا عرف صاحبه، رده إليه، وإذا لم يعرف صاحبه، تصدق به على الفقراء، أو صرف في المصلحة العامة بالعدل.
ومن الناس من يكون في ماله حرام وحلال، سواء كان الحرام أقل أو كثر، ولم يعرف الحرام بعينه؛ كأموال السلاطين والأمراء، فأكثر علماء السلف على قبول جوائزهم، وأكل طعامهم.
وقد ألّف الحافظ ابن عبد البر في ذلك رسالة؛ حيث عاب عليه أهل بلده "شاطبة" أكل طعام السلطان.
وقد أجاز قبولَ جوائزهم، وأكل طعامهم جماعةٌ من الصحابة والتابعين - ﵃ -
_________________
(١) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة العاشرة.
[ 2/ 2 / ١٥٤ ]
كزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفان، والشعي، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن شهاب الزهري، والحسن البصري، وغيرهم من علماء الكوفة والبصرة.
وكان سعيد بن المسيّب وابن سيرين يمتنعان عن قبول جوائز السلاطين، وأكل طعامهم، فلا يقبلان جائزة من سلطان، ولا يأكلان لهم طعامًا؛ نظرًا إلى أن في أموالهم كثيرًا مما هو محرّم.
فالحاكم الأعلى من خليفة وغيره، لا يجوز له أن يتناول من بيت مال المسلمين إلا ما تدعو إليه حاجته، وكذلك كان الخلفاء الراشدون، وعمر ابن عبد العزيز، إذ طبقوا أوامر الإسلام على سيرتهم، مع الورع والخوف من الحساب.
وروي: أن أسد بن الفرات كان يقبل جوائز الولاة، ويقول: هذا بعض حقنا، والله حسيبهم في الباقي.
وكان بعض العلماء المتورعين دخلوا على ملك، فقدّم لهم طعامًا، فاعتذر بعضهم بالصوم، واعتذر آخرون بالصوم أيضًا، ولكنهم أخذوا شيئًا من طعام الملك، وأعطوه للفقراء، واقتصر بعضهم على ما يمسك الرمق، إذ كان جائعًا، ويباح له ذلك بإجماع.
وسأل ملك الأندلس يحيى بن يحيى الليثي عما يلزمه كفارة عن فطر رمضان بمباشرة جارية له، فأفتاه يحيى بصيام شهرين، واعترض عليه العلماء، حيث لم يفته بالتخيير بين الصيام والإطعام وتحرير رقبة، فقال: لو أفتيته بذلك، لاختار غير الصيام.
ومن العلماء من تأوّل فتوى يحيى الليثي بالصيام فقط على أن مال
[ 2/ 2 / ١٥٥ ]
السلطان أكثره حرام لا تصح منه الكفارة، وتحريرُ الرقبة.
والخلاصة: أنه يجوز قبول جوائز الملوك والأمراء؛ كما دلّ عليه عمل السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، وذلك أيام الخلفاء الراشدين الذين لم يأخذوا مالًا إلا بحقه.
ومن لم يقبل جوائز السلاطين، فكان ذلك حين اختلطت أموالهم بالمحرّم، وأصبحوا يتصرفون في أموال المسلمين تصرفهم في خاصة أموالهم.
وهنا نذكر أمثالًا توضح بعض الشبه التي يدخل منها الحرام في الأموال لتجتنب؛ استبراء للعرض، وورعًا في الدين؛ فإن الورع يترك ما فيه شبهة، ولو كان ظنه بإباحته أقوى من حرمته؛ حرصًا وتحوطًا.
فمن تلك الأمثال:
١ - أنه لو أوصى رجل صانعًا أن يصنع له شيئًا وصفه له، فأتى به الصانع على الوجه المطلوب، فقال أبو حنيفة: إن هذه الصورة لم يقع فيها إيجاب ولا قبول، فلا يعد وصف الشيء، ولا مطابقة الصنع للوصف بيعًا يبيح إلزام الواصف بدفع الثمن للصانع، وقال غيره من أصحابه: يعد ذلك بيعًا يلزم بدفع الثمن، وبهذا القول الأخير أخذت المجلة العثمانية؛ لحرصها على تلمس المصلحة العملية، ولو ضعف القول به في مذهب الحنفية الذي كانت تلتزمه.
٢ - وأذكر أني حين كنت في ألمانيا لم آكل من لحوم حيوانهم؛ لأني عرفت أنهم لا يذبحون الحيوان بالطريق الشرعي، إنما يقتلونه بالضرب على رأسه، أو بالخنق، وأخذت في ذلك بقوله تعالى عند تعداد المحرّم من الحيوان:
[ 2/ 2 / ١٥٦ ]
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣].
وهو منطبق على ما يفعلون.
٣ - ومن الأمثلة الظاهرة الحرمة؛ لشدة ما فيها من الغرر؛ حتى لا يعلم أحد المتعاقدين ربحه من خسره، ما شاع من عقود التأمين، ومن صورها: أن يتعاقد شخص وشركة على حياته أو عقاره أو سلعته، ملتزمًا أن يؤدي للشركة مبلغًا معينًا في مدة معينة على أقساط، فإذا مات قبل نهاية المدة، أو هدم العقار، أو هلكت السلعة، وجب على الشركة أن تؤدي إليه أو لورثته المبلغ المتعاقد عليه، ولو لم يدفع منه إلا قسطًا واحدًا، وحينئذ يأخذ مالًا بغير وجه شرعي، وأمثال هذه العقود محرمة؛ لأنها مبنية على المخاطرة والغرر الذي من أجلها حُرِّم الميسر، وأظهر في الغرر والمخاطرة والتحريم: ورق (اليانصيب)، فهو ميسر وقمار محرم شرعًا.
٤ - ومن محدثات الحرام: ما شاع بين الناس من أداء بعض الأموال لترك منزل منخفض الإيجار بحكم القانون، وهو المعروف (بخلو الرجل)؛ فإن المال المدفوع في هذا السبيل، سواء كان للمستأجر القديم، أو لصاحب المنزل، هو من قبيل كل أموال الناس بالباطل؛ إذ يحصل عليه آخذه دون مقابل أو استحقاق، وبغير وجه شرعي.
٥ - وننبه هنا مزيد تنبيه بعض التجار الذين يغتنمون الفرص لاحتكار السلع ورفع الأسعار؛ لينتفعوا بإرهاق المسلمين، ونحذرهم مما في ذلك من شديد الحرمة والإثم الكبير.
ما أحرى المسلمين أن ينزهوا أنفسهم وأموالهم ومطاعمهم ومعايشهم عن الحرام، ويتقوا مواطن الشبهات، فمن اتقاها، فقد استبرأ لدينه وعرضه،
[ 2/ 2 / ١٥٧ ]
ومن واقع شيئًا منها، كان كالراتع حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، والنصيحة الخالصة لعلمائهم: أن يتثبتوا غاية التثبت قبل الإقدام على الفتيا؛ فإنها مسؤولية كبيرة، ولاسيما إذا كان مناطها الحلال والحرام، والحكم في تصرفات الناس، ولا بأس على من جانبه الصواب في الفتيا؛ لسهو، أو تعجل، أن يرجع إلى الحق، فهو به أحرى، والله ورسوله به أولى، وله أسوة حسنة في أمير المؤمنين عمر - ﵁ -، حين أراد أن يحدد المهور بدراهم معدودة، ويحرم ما زاد على ذلك، فلما نادته العجوز بكتاب الله في قوله تعالى:
﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠].
سارع إلى الرجوع عن رأيه إلى هدي ربه، فما أحوجنا إلى إحياء هذه السنن، واتباع هذا الهدي الكريم، ومن أجل تعرض الفرد للزلل في الرأي، جعل الإجماع حجة في الشريعة؛ لأن الحكم يمر على أفراد كثيرين، فيتمحص الرأي، ويتبين الحق، ويقطع الحكم، ويرشد المسلمون.
[ 2/ 2 / ١٥٨ ]