لما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة، وصار للمؤمنين قوة من المهاجرين والأنصار، ظهرت طائفة المنافقين.
والنفاق: إظهار الإسلام، وإخفاء الكفر، فصار المنتمون إلى الإسلام طائفتين: طائفة مؤمنة، وطائفة منافقة، ويزداد عدد المنافقين بحسب رسوخ قدم الإسلام في المدينة، حتى إن واقعة بدر التي كانت في رمضان في السنة الثانية من الهجرة لم يحضرها منافق غير عبد الله بن أبي ابن سلول.
وكان النبي - ﷺ - يعرف بعض المنافقين، ولا يعرف بعضًا؛ كما قال تعالى:
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١].
ثم نزل قوله تعالى:
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠].
فالنبي - ﷺ - يعرف أن المتكلم منافق من لحن قوله؛ أي: فحواه.
والفحوى: ما يفهم من لفظ الإنسان من غير تصريح به.
وكان النبي - ﷺ - يقبل المنافقين في جماعة المسلمين، ولا يقتلهم، مع علمه بأنهم غير مسلمين؛ اتقاء أن يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه،
_________________
(١) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة التاسعة.
[ 2/ 2 / ٢٠١ ]
حتى إن الله نهاه - ﵊ - أن يصلي عليهم إذا ماتوا، ولا يزور قبورهم، ولم يأمره بقتلهم، فقال تعالى:
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
ونتج عن قبوله لهم: أن ذا الفطرة الغريبة من الحق؛ لكثرة اطلاعه على سيرة النبي - ﷺ - والمؤمنين، عرف أن الإسلام دعوة إلى الحق، فيدخل فيه حقيقة.
ونتج عن قبوله لهم: أنه خرج من أصلابهم من أخلصوا في إسلامهم، وكان لهم مزايا في نصرة الإسلام كثيرة، ولأنهم كثروا سواد المسلمين في نظر المشركين.
وقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣].
فمجاهدة الكافر المحارب بالحجة والسيف، ومجاهدة المنافق بالحجة والموعظة الحسنة.
وذكر - ﵊ - علامات النفاق بقوله: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا ائتمن خان"، وزاد في "صحيح مسلم": "وإذا خاصم فجر"، فالمنافق إذا حدث، لا يبالي أن يكذب، وإذا عاهد، لا يبالي أن يغدر، وإذا ائتمن، لا ييالي أن يخون، وإذا خاصم، لا يبالي أن يفجر.
وذكر الله المنافقين في كتابه الكريم، ووصفهم بأنهم يكذبون، والكذب هو الباب الذي يدخلون به في أرض النفاق، قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
[ 2/ 2 / ٢٠٢ ]
وأشار تعالى إلى بعض المنافقين بالكذب، فقال:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
ويزيد المنافقين على معصية الكذب: معصية الحلف على ما يقولونه كذبًا، قال الله تعالى:
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧].
ووصفهم بأنهم إذا عاهدوا، نكثوا عهدهم، فقال تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦].
ووصفهم بأنهم يخونون من ائتمنهم، فقال تعالى:
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤].
وقد نزلت هذه الآية في طائفة من المنافقين تحدثوا عند رجوعهم من تبوك باغتيال النبي - ﷺ - عندما يصلون إلى العقبة، فأُخبر النبي بذلك، فتحفَّظ منهم.
ومن خيانتهم إذا ائتمنوا: أن جماعة من المنافقين جاؤوا إلى النبي - ﷺ -، وطلبوا منه الإذن في السكنى خارج المدينة، فأعطاهم إبلًا وراعيًا، فقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فلما بلغ النبي - ﷺ - أمرهم، بعث من أدركهم، وافتكَّ منهم الإبل، وفعل معهم ما فعلوه مع الراعي.
ومن فجورهم في الخصام: أن منافقًا ويهوديًا تخاصما، فطلب اليهودي رفع القضية إلى رسول الله - ﷺ -، وطلب المنافق رفعها إلى كعب بن الأشرف، ورفعت إلى رسول الله - ﵊ -، فحكم فيها العدل، فلم
[ 2/ 2 / ٢٠٣ ]
يرتض المنافق حكم رسول الله - ﷺ -، وأنزل الله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١].
ووصف الله المنافقين بعدم تنبيههم للفساد الذي يظهر منهم، وعدِّهم للفساد صلاحًا، فقال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١]؛ أي: بالدعوة إلى الكفر والمعاصي، ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١].
قال تعالى:
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: يأمرون بالكفر والمعاصي، وينهون عن الإيمان والطاعة.
وذكر تعالى أنهم يعدون المؤمنين إذا آمنوا بالله واليوم الآخر سفهاء، والسفه: قلة العقل وخفته. وعبَّر عن عدم تنبيههم للفساد بقوله:
﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢].
فإن الشعور إدراك الأشياء بأحد المشاعر الخمسة، والفساد يدرك بالمشاهدة.
وعبر في جانب السفه بقوله:
﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣].
لأن السفه يدرك بالعقل، وإدراك العقل يسمى علمًا.
[ 2/ 2 / ٢٠٤ ]
والمنافقون يزعمون أن فريقهم أعزّ، وأن فريق المؤمنين أذل؛ كما قص الله عنهم ذلك بقوله:
﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨].
قال الله تعالى مبطلًا لزعمهم:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
والمنافقون في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم أضافوا إلى الكفر الاستهزاء بالمسلمين، كما حكى الله عنهم بقوله:
﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
ولأنهم يُطلعون الكفار على أحوال المسلمين، ولأنهم يضرون بالمسلمين خفية؛ بخلاف الكفار؛ فإنهم يضرون بالمسلمين علنًا، فيتيسر الانتقام منهم، وتقوم الحجة عليهم، أما المنافقون، فلا تقام الحجة عليهم، ويتعذر الانتقام منهم.
والمنافقون يجدون في الناس من يميل إليهم؛ لكثرة أموالهم، ونجابة أبنائهم، ووجاهة أجسامهم، وطلاقة ألسنتهم في الحديث عن الدنيا، فيزدادون طغيانًا، ويحسبون أن هذه مزايا تغنيهم عن الإيمان الصحيح. وقد نهى الله نبيه - ﷺ - عن الإعجاب بأموالهم وأولادهم وأجسامهم وحسن حديثهم إذا لم يكن معها إيمان صادق، فقال تعالى:
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥].
وقال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].
[ 2/ 2 / ٢٠٥ ]
وقال تعالى:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤].
وكان المنافقون يكرهون الخروج إلى الغزو، ويعتذرون إذا كانت مسافته بعيدة؛ كغزوة تبوك، وإذا خرجوا إلى الغزو، يضعون العقبات في طريق المسلمين، ويريدون أن يكون الأعداء هم الغالبين، قال تعالى:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧].
والخبال: الفساد، وتخذيل المؤمنين.
والمنافقون يتصلون بأعداء الأسلام، ويودون أن يتولى العدو أمر المسلمين، ويتصرف في شؤونهم.
روي: أن جماعة من المنافقين بنوا مسجدًا قرب مسجد قباء بإذن أبي عامر الراهب بالشام؛ ليكون معقلًا لهم، وذهب أبو عامر إلى ملك الروم يحرض على قتال المسلمين، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧].
ومن الخداع الذي دبره جاحدو آيات الله: أن قالوا لإخوانهم في العقيدة أن يقولوا أول النهار: آمنا بالله ورسوله، ويكفرون آخر النهار، حتى يقول المؤمنون؛ إنما يقول هؤلاء آمنّا، وكانوا أهل علم، فلما وجدوا الدين غير صالح، رجعوا إلى عقيدتهم، قال الله تعالى مشيرًا إلى هذا الخداع:
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ
[ 2/ 2 / ٢٠٦ ]
النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].
ولا يعلم هؤلاء المخادعون أن الذين آمنوا بالله ورسوله ما آمنوا إلا بعد النظر في سيرة الرسول - ﵊- ومعجزاته، وحكمة القرآن، وأحكامه العادلة، ومواعظه الحسنة، ولا ينطلي على أذهانهم دخول طائفة مذبذبة في الإسلام على وجه النفاق وخروجها منه.
ووصف الله المنافقين بأنهم يقومون إلى الصلاة وهم كسالى، ولا يقومون إليها بنشاط وحرص على مناجاة الله كما يقوم إليها سائر المسلمين.
ووصفهم بأنهم يقومون إلى الصلاة رياء الناس، وهذا إشارة منه إلى أنهم لا يصلون في خلواتهم.
ووصفهم بأنهم يذكرون الله قليلًا، ومعلوم أن من لا يصلي إلا عند حضور الناس لا يذكر الله إلا بلسانه عندما يصلي رياء الناس.
* * *
والملاحدة بعد المنافقين في عهد النبوة ثلاث فرق:
فرقة ليسوا من المؤمنين، ولا يأخذون الكتاب والحديث بتأويل، وهؤلاء أشبه أناس بالمنافقين في عهد النبوة؛ كبعض المساعدين في الثورة على عثمان - ﵁ -.
وفرقة يقولون: آمنّا، وهم لا يؤمنون، ويتناولون الكتاب والسنّة بتأويل ينكره العقل السليم. وقصدُ هذه الفرقة: أن تظهر للناس سوء مقاصد الشريعة، وأن الشريعة خالية من الحكمة، وإنما يتمسك بها من لا يزن القول بميزان الحكمة؛ كجماعة الباطنية؛ فإنهم يؤولون الشريعة، ويخلونها من الأقوال الحكيمة، وهم طائفة من الفرس، خلا بعضهم لبعض، وقالوا: إن الإسلام
[ 2/ 2 / ٢٠٧ ]
انتشر في أوطاننا، وساد على أمتنا، ولقوته لا يمكننا أن نحاربه بالسيف، وإنما نحارب نصوصه، ونزيل حكمته بالتأويل على وجوه لا يقبلها العقل السليم، منهم: طائفة الإسماعيلية، ومن متأخريهم: البهائية، والقاديانية، كما حققنا نشاة مذهبهم، والغرض الذي بني عليه في مقالات سابقة.
وفرقة لم تفهم حرية الرأي على حقيقتها التي كانت وسيلة لرقي الشعوب واتحادها، وصاروا يقلدون الأجنبي في ذلك، ومن هؤلاء من قالوا: في القرآن قضايا تخالف العلم القطعي، ولم يأتوا بمثال صحيح قطع به العلم، وجاء القرآن مخالفًا لهم، فإما أنهم لم يفهموا القرآن على وجهه، وإما أن يكون ما زعموه في القرآن مخالفًا للعلم لم يكن مخالفًا للعلم في الواقع.
ومن سوء اعتقاد هؤلاء: أنهم أنكروا ركنًا من أركان الإسلام مجَمعًا عليه منذ عهد النبوة إلى عصرنا هذا. وعلامة هؤلاء: أن يكثروا من الحديث عن علماء الدين، والحط من شأنهم، ولا يستثنون إلا من يساعدهم على أهوائهم، ويضع حظوظهم بين أيديهم. وإذا بعد الناس عن علماء الدين، بعدوا عن الدين جملة.
ولا نخشى ضياع القرآن؛ فإن الله تكفل بحفظه، وإنما نخشى إعراض المسلمين عن تلاوته، وجهلهم لما اشتمل عليه من أصول وحقائق وآداب.
[ 2/ 2 / ٢٠٨ ]