لما كان الإسلام دينًا عامًا لا يختص بقوم دون قوم، ودينًا خالدًا لا يختص بجيل دون آخر، أتى بكل ما فيه إصلاح الدارين: الأولى، والآخرة.
ومما فيه إصلاح الدارين: النظافة، قال - ﷺ - كما في الصحيح: "إن الله طيب يحب الطيب، ونظيف يحب النظافة، فنظفوا أفناءكم، ولا تشبهوا باليهود".
ونظافة الله كناية عن تنزهه عن سمات الحادث، وتعاليه عن كل نقص، وحبه النظافة في غيره كناية عن خلوص إيمانه، ونفي الشرك، ومجانبة الأهواء، ومنها: نظافة الجسم والملبس عن الحرام والشبه.
وفرض في اليوم والليلة خمس صلوات، وأوجب لها الوضوء، وهو أن تكون الأعضاء الظاهرة؛ كالوجه، واليدين، والرجلين مغسولة بالماء، مع مسح الرأس، واستحب المضمضة والاستنشاق، وأوجب إزالة ما كان نجسًا، ونص على النجس؛ كالبول، والمني، ونحوهما، وما يجب منه الوضوء؛ كالبول، والنوم؛ كما هو مقرر في كتب الأحكام.
_________________
(١) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الخامس من السنة الحادية عشرة.
[ 2/ 2 / ١٧٢ ]
وأوجب الوضوء لغير الصلوات الخمس ونوافلها؛ كصلاة الجنازة، وصلاة العيد، وسجود التلاوة، والخسوف والكسوف.
وأذن للإنسان بأن يعيد الوضوء، وإن علم أنه متوضع. وشرع الوضوء لمجرد النوم، ففي الصحيح عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع".
وفي الحديث الصحيح عن مزايا الوضوء: أن الأمة يدعون يوم القيامة: الغرّ المحجلين من أثر الوضوء. والغرّ جمع أغر، وهو في الأصل: الفرس الذي في جبهته بياض. والمحجلين: جمع محجل، وهو في الأصل: الفرس الذي في ثلاث قوائم منه بياض، والمراد: معنى النور والكمال.
والحديث يشعر بأن المعاصي التي يكون مصدرها أعضاء الوضوء تمحى. وأشار بعضهم إلى هذا المعنى بقوله:
يارب أعضاء الوضوء عتقتها من عبدك الجاني وأنت الواقي
والعتق يسري بالغنى يا ذا الغنى فامنن على الفاني بعتق الباقي
وقد أشار الشاعر إلى حكم فقهي، وهو: أن من كان له مملوك أعتق جزأه، فإن الإعتاق يسري إلى جميع الأجزاء، فيعتق عليه بكمال.
وفرض الشارع على المسلم - ذكرًا أو أنثى - الغسلَ لجميع البدن، إذا خرج منه الماء في اليقظة، أو النوم. فإذا كانت امرأة، وجب عليها الغسل إن طهرت من الحيض والنفاس، وعلل الغسل في هذه الأحوال بأنها تجعل الإنسان في شيء من الكسل، وغسلُ جميع البدن بالماء يعيد له النشاط الذي كان عنده.
وسن الغسل في كل يوم جمعة؛ ليأتي المسجد وهو نظيف من كل
[ 2/ 2 / ١٧٣ ]
مكروه، وقد مدح أبو العلاء المعري في لزوميته الشريعة الإسلامية، وقال في حق النبي - ﷺ -:
وحثَّ على تطهير جسم وملبس وعاقب من قذف النساء الغوافل
وقد أمر الشارع باجتناب أشياء، ونهى عن الانتفاع بها؛ لقذارتها؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، وأمر بإزالة أشياء شأنها أن يتصل بها ما يتقزز منه؛ كقص الأظفار، وقص الشارب؛ بأن يحفي منه ما طال عن الشفة بحيث لا يتقزز منه الآكل أو الجالس معه.
وأمر بالسواك، وأن يكون متخذًا من عود الأراك ونحوه. فقال - ﵊ - كما في الصحيح: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عندكل صلاة".
ونهى النبي - ﷺ - عن استعمال الإناء الذي ولغ فيه كلب إلا بعد غسله مرات، وعلله بعض الفقهاء بنجاسة الكلب.
وعلله الجد ابن رشد في "مقدمته" بتوقع أن يكون الكلب الذي ولغ في الأناء مريضًا بداء الكلب، فيخاف من ذلك السم، وأيده الحفيد صاحب "البداية".
ونهى النبي - ﷺ - كما في الصحيح - عن الشرب من فم السقاء؛ لأنه قد يخالط الماء من ريق الشارب ما يتقزز منه غيره.
ونهى - ﷺ - كما في الصحيح - القائمَ من النوم أن يُدخل يده في إناء الوضوء حتى يفرغ عليه الماء مرتين أو ثلاثًا.
ونهى النبي - ﷺ - عن التنفس في الإناء، والنفخ فيه، فقد يتغير الماء بما يتناوله فمه، ويتصل بالمعدة من مكروه.
[ 2/ 2 / ١٧٤ ]
وتمضمض النبي - ﷺ - بالماء بعد أن شرب اللبن، وقال "إن له دسمًا"، ويؤخذ من الحديث: أن من تناول ما له دسمٌ يتمضمض بعده.
ولما كانت رائحة فم الصائم تتغير بالصيام، فيتقزز منها صاحبها، أو من تصل إليه الرائحة، قال - ﵊ - كما في الصحيح مادحًا لها من جهة أنها أثر عبادة، فقال: "لخلوفُ فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك". وكون الخلوف أطيبَ عند الله من ريح المسك كناية عن قبوله للصيام، ورضاه به.
فالإسلام اعتنى بالنظافة، وأعطاها من العناية ما تستحق.
قال صاحب "نفح الطيب": وأهل الأندلس أشد خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون، وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه، فيطويه صائمًا، ويبتاع صابونًا يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة في حالة تنبو العين عنها.
وأذكر بهذه المناسبة: أن الشاعر الصفاقسي المسمى: الغراب ترك عباءة له عند أحد أصحابه بتونس ليغسلها، ويرسلها له، فتأخر إرسالها، فأرسل له خطابًا يقول فيه: إذا فقد الماء من بلدكم والصابون، وهاد إليكم من بلدنا الجمالون، جاءك الماء مع الذين هادوا والصابون. واقتبس قوله: الذين هادوا والصابون من الآية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [الماندة: ٦٩].
ومن عناية الإسلام بالنظافة: وجود الحمامات في بلاد الإسلام كلها؛ كقرطبة، وقد قيل: إن فيها سبع مائة، أو تسع مائة حمام.
وإن ما قلت هو الحمامات العامة، وهو ما يسميه صاحب "نفح الطيب"
[ 2/ 2 / ١٧٥ ]
المبرزة للناس، فإنها في مصر قليلة بالنظر لكثرة سكانها، وإنما قلت: الحمامات العامة لكثرة؛ حماماتها الخاصة، إذ قلما تجد بيتًا أو شقة خالية من حمام.
فلا يعتبر من الزهد في الإسلام لبس ثوب غير نظيف، ولا لبس مرقعة لا يراد بترقيعها استدامة الانتفاع بها.
قال الحافظ أبو بكر بن العربي: ما حكي عن عمر بن الخطاب من أنه كان يرقع ثيابه، إنما يفعله لاستدامة الانتفاع به، وذلك شعار الصالحين، حتى اتخذه المتصوفة شعارًا، فجعلته في الجديد، وليس بسنّة، وهو بدعة عظيمة. وإنما المقصود من الرقع: هو الانتفاع بالثوب.
[ 2/ 2 / ١٧٦ ]