اليمين: ربط النفس بالامتناع عن شيء، أو الإقدام عليه، بمعنىً معظَّمٍ عند الحالف حقيقة، أو اعتقادًا، وسمّي الحلْف يمينًا، لأن العرب كان أحدهم يأخذ بيمين صاحبه عند التحالف.
والأحرف التي ترد في اليمين معروفة، وهي: الواو، والباء، والتاء، والهاء.
وقد وردت الواو في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، والتاء في قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، والباء لم ترد إلا مع فعل القسم؛ كقوله تعالى: ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، وأما الهاء، فلم ترد في القرآن الكريم أصلًا، وإنما وردت في كلام العرب؛ كقولهم: هاللهِ لأفعلنَّ كذا.
ومن الصيغ المذكورة للقسم المفيدة للتوكيد والتحقيق قولُ القائل: لا أقسم بكذا؛ كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]، وقولى تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١]، وهذا من الأساليب البليغة في التوكيد والتحقيق؛
_________________
(١) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة التاسعة الصادرة في جمادى الأولى ١٣٧٥ هـ - ديسمبر ١٩٥٥ م.
[ 2/ 1 / ٥٤ ]
للدلالة على أن المخبر عنه واضح بينٌ لا يحتاج إلى قسم.
وورد في القرآن قسم بعمر النبي - ﷺ -، فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، والقسم بالعمر قد ورد في الشعر الجاهلي؛ كما قاله طَرَفَة:
لَعَمْرُكَ إِنَّ الموتَ ما أَخْطَأَ الفَتى لَكَالطِّوَلِ المُرْخَى وثِنْياهُ باليَدِ
وورد في القرآن الحَلْف ببعض المخلوقات؛ تنبيهًا للناس على عظم شأن المقسَم به، أو لبيان فضله؛ كقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطو: ١ - ٦]، أو- للحث على العمل الصالح فيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ١ - ٣].
ويحذف القسم بالقرآن حينًا، ويبقى جواب القسم، وهو المقسوم عليه؛ لقرينة تدل على القسم، وهي اللام؛ كقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، فاللام دليل على أن هناك قسمًا محذوفًا، والحذف لقرينة تدل على المعنى معهود في العربية.
وقد يحذف جواب القسم، وهو المقسم عليه، ويبقى القسم؛ كما قال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]، فالمقام في وصف القرآن أنه حق، وتقدير الجواب: إنه حق، فالدليل على جواب القسم، وهو المقسم عليه، وصفُ القرآن بذي الذِّكر؛ فإن الذكر لا يكون إلا حقًا؛ كما حذف جواب لمَّا في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، فتقدير جواب لمّا:
[ 2/ 1 / ٥٥ ]
كذّبوا، واستهانوا، أو نحوه.
وكان العرب يحلفون بما يعتقدون عظمته، فيحلفون بمعبوداتهم وآبائهم، وقد نهى النبي - ﷺ - عن الحلف بغير الله، فقال: "من حلف، فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله" إشارة إلى كفره، وقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا، فليحلف بالله، أو ليصمت".
واليمين ثلاثة أقسام:
١ - يمين غموس: وهي يمين على شيء مضى بأنه وقع، على حين أن الحالف يعلم أنه لم يقع، أو يحلف أنه لم يقع، وهو يعلم أنه وقع. وسميت غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ولا كفارة فيها، وإنما فيها التوبة والاستغفار.
٢ - ويمين عقد: وهي الحلف على شيء مستقبل بأنه يقع أو لا يقع، وهذه هي التي تجب فيها الكفارة عند الحنث.
والكفارة: العمل الذي من شأنه أن يكفِّر الخطيئة؛ أي: يسترها، وهي المبينة في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
٣ - ويمين لغو: وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وهي الحلف على شيء ظن الحالف أنه كما اعتقد، فيظهر الشيء على خلاف ظنه، وحكمها أنها لا كفارة فيها، ولا إثم.
وقد اختلف الفقهاء في تفسير لغو اليمين التي ذكرت في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا
[ 2/ 1 / ٥٦ ]
عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
والشافعي يرى أن اليمين اللغو: هي ما لا يقصد به الحالف يمينًا؛ مثل: لا والله لتأكلن معي، وعنده أن الحلف على ما ظنه الحالفُ واقعًا، ولم يقع، من الغموس التي تجب فيها الكفارة، وتغفر بها.
أما الحنفية والمالكية، فيرون أنها لغو لا كفارة فيها، ولا يلزم بسببها شيء.
واليمين يراعى فيها العرف، ويقدم على الوضع اللغوي، فمن حلف ألاّ يأكل لحمًا، فأكل سمكًا، فإنه لا يحنث عند الحنفية؛ لأنه لا يطلق على السمك في العادة اسمُ اللحم، وإن سمي به في اللغة.
ويحكى: أن ابن أبي ليلى أرسل جماعة يسألون أبا حنيفة عن حكم من حلف ألاّ يأكل لحمًا، وأكل سمكًا، فقال أبو حنيفة: لا يحنث، فقالوا له: يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]، فقال لهم: ما تقولون فيمن حلف ألا يجلس على بساط، وجلس على الأرض؟ فقالوا: لا يحنث، فقال لهم: ما قولكم في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]!؟ فسكتوا.
واليمين تلزم إذا لم يستثن صاحبُها؛ بأن يقول: إن شاء الله. وسمي هذا الشرط استثناء، لأنه في معنى: إلا أن يشاء الله. وإنما ينفع الاستثناء إذا قصده الحالف قبل انتهاء جملة الحلف، ولو بحرف، لأنه إذا لم ينطق بذلك الحرف، لا يكون حالفًا؛ لأن يمينه لا تتم حتى ينطق بذلك الحرف.
ويحكى أن أحد فقهاء المالكية كان ببغداد يتلقى العلم، فلما انتهى من التلقي، وأراد أن يرجع إلى بلده، ذهب إلى المكاري، فوجد معه مكاريًا
[ 2/ 1 / ٥٧ ]
آخر، فقال المكاري لزميله: إني حضرت اليوم في درس الشيخ فلان قولَ ابن عباس: إن الاستثناء في الحلف -ولو بعد سنة- جائز، وأرى ذلك خطأ؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، ولو كان الاستثناء جائزًا، لقال له: استثن في يمينك. فقال الفقيه: بلد يكون المكاري فيه بهذه الدرجة من العلم لا أخرج منه!
ويمكن أن يجاب عما روي عن ابن عباس: بأن الاستثناء خاص بالتشريع الإسلامي، ولم يكن معروفًا في شريعة أيوب.
ويعتبر في اليمين: قصدُ الحالف إن حلف من تلقاء نفسه، أما إن طلب منه أحد الحلفَ على أمر، فحلفه، يكون على قصد محلِّفه، فإذا قصد الحالف غير ما يريده المحلِّف، فلا نظر لقصده، واليمين منعقدة.
أما تغليظ اليمين في الدعوى - والتغليظ هو: تخويف الحالف من عاقبة حلفه بجعله في بعض الأماكن المقدسة مثلًا -، فلم يرد فيه إلا ما رواه جابر بن عبد الله من قوله - ﵇ -: "من حلف على منبري آثمًا، تبوأ مقعده من النار".
ومن الفقهاء من قاس على منبر الحرم النبوي غيرَه من منابر المساجد، وهذا القياس قريب.
ومنهم من قصر التغليظ في الحلف على منبر رسول الله - ﷺ - كأبي حنيفة، ورأى القياس عليه غير وجيه، واقتصر على تحليف المدعى عليه بين يدي القاضي فقط.
وكنت أرى القاضي المالكي في تونس يرسل مع المطلوب لليمين أحد أعوانه إلى جامع الزيتونة، ويحلف بالموضع الذي فيه نسخة من
[ 2/ 1 / ٥٨ ]
المصحف الشريف.
ومن حلف بالقرآن، فقد انعقدت يمينه الشرعية؛ لأنه حلف بكلام الله؛ فقد نص الفقهاء على أن الحلف بذات الله، أو صفة من صفاته يمينٌ شرعية منعقدة.
ومن العامة من يحلف بالله كذبًا، ويحلف بالولي.
وسمعت بأذني رجلًا عاميًا يقول لآخر: والله! ما فعلت كذلك، فقال: لا أصدقك، ولو حلفت بحق الولي فلان. فينبغي تعليم العوام: أن الله أعظم من كل عظيم.
وقد سمعت بعض المنتمين للعلم يعتذر لمثل هذا العامي بعذر مثل الذنب، فيقول: إن الله حليم يغفر لمن حلف به كاذبًا، والولي يبادر إلى الانتقام ممن يحلف به كاذبًا.
وقد أمر الشارع من حَلَف أن يترك فعل خير؛ كصلة رحم، بأن يفعله، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، ونبَّه في الصحيح على من حلف على شيء، ورأى غيره خيرًا منه أن يكفِّر عن يمينه، ويفعل ما هو خير؛ قال - ﷺكما في الصحيح: "من حلف على يمين، ورأى خيرًا منها، فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير".
وأخيرًا: نوجه أنظار الناس إلى أن الله كره لعباده كثرة الحلف، ونهاهم عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
ومن النّاس من يتخذ كثرة الحلف وسيلة لخداع غيره، وحمله على
[ 2/ 1 / ٥٩ ]
تصديقه، وقد ذمَّ الله ذلك، ومقت أصحابه، ونهى النبيَّ والمؤمنين عن تصديق أيمانهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠].
فليحذر المسلمون كل فعل وقول يشكك في عهدهم وصدقهم؛ حتى تكون كلمتهم موضع ثقة، ولا تكون بهم حاجة إلى ترديد الأيمان؛ فإنَّ تعوُّد الحلف مظنة الكذب، وسبيل العصيان.
[ 2/ 1 / ٦٠ ]