[ ١ / ٣٧٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢ - ٥٥].
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾:
الضمير في قوله: ﴿مِنْهُمُ﴾ هو عائد إلى بني إسرائيل المشار إليهم في الآية السابقة بقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩]. والإحساس في الأصل: الإدراك بإحدى الحواس الخمس، واستعمل هنا في العلم على وجه المجاز؛ إذ العلم لازم للإدراك بإحدى الحواس.
والذي أحسه عيسى - ﵇ - بعد دعوتهم: إصرارهم على الكفر، وعتوهم فيه، ومن المظاهر التي علم منها هذا الإصرار والعتو: إيذاؤهم له بنحو الاستهزاء.
_________________
(١) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الثامن عشر.
[ ١ / ٣٧٩ ]
﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾:
والخطاب في قوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ موجه إلى من آمنوا به، والمراد من الاستفهام: الطلب، والأنصار: جمع نصير، ونظيره: أشراف جمع شريف، وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ واقع موقع الحال من قوله: ﴿أَنْصَارِي﴾، والمعنى: من ينصرونني منهين نصرتهم إلى الله، ومعنى إنهاء نصرتهم إلى الله: قيامهم بها يريدون وجه الله دون قصد غاية أخرى، فنصرة عيسى - ﵇ - من جهة أنه رسول، ونصرة رسول الله نصرة لله؛ أي: تأييد لدينه، فهي من الأعمال الصالحة المقدمة إلى الله، ومن هنا كان قول الحواريين: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أحسن وقعًا من أن يقولوا: نحن أنصارك.
ونصرتهم لعيسى - ﵇ -: بحمايته من أولئك الكافرين، ودفع أذاهم عنه، أو بدعوتهم إلى الدين الذي جاء به، وتأييده بالحجة، ولا تحمل على الجهاد؛ إذ لم يثبت أن عيسى - ﵇ - قد أمر به.
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾:
وقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ واقع موقع التعليل لقولهم: نحن أنصار الله؛ إذ لا دافع إلى نصرة دين الله غير الإيمان به إيمانًا صادقًا، ثم قالوا: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، فأكدوا إسلامهم إذ جعلوه مما يصح أن يشهد به الرسول، وهو لا يشهد بإسلام إلا أن يكون على علمٍ من صدقِ صاحبه وإخلاصه
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾:
ثم انتقلوا من خطاب عيسى - ﵇ - إلى مناجاة الله تعالى، فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، وهذا عرض لحالهم على الله
[ ١ / ٣٨٠ ]
تعالى، فقولهم: ﴿آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ إخبار عما انطوت عليه نفوسهم من الإيمان الصادق، وقولهم: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ تصريح يقتضيه الإيمان الصحيح من امتثال المأمورات، واجتناب المحظورات؛ إذ لا يتم اتباع الرسول إلا بامتثال ما يأمر به، واجتناب ما ينهى عنه، وإن لم يوجد له ماخذ من الكتاب الذي أنزل عليه، والله يعلم إيمانهم وصالح أعمالهم، وإنما قصدوا تقديم وسيلة إلى استجابة دعائهم بقولهم:
﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾:
والشاهدون: الذين يشهدون بالتوحيد، وما لا يتم الإيمان إلا به، أو الأنبياء - ﵈ -؛ فإنهم شهداء أممهم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
وبعد أن قص حال المؤمنين بعيسى - ﵇ -، عاد إلى الحديث عن أولئك الكافرين، وأشار إلى ما كانوا يأتمرون به من قتله، مقرونًا بوعيد بالغ، فقال تعالى:
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾:
والمكر: إيصال المكروه إلى الشخص على وجه يخفى، فيصح إسناده إلى الله تعالى من غير حاجة إلى دعوى المشاكلة، وقد أسند إليه تعالى ابتداء في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
وفي إسناد المكر بهم إلى الله إيذان بأن المكر الواقع بهم أعظم من المكر الذي بيتوه لعيسى - ﵇ -، وجاء هذا المعنى مصرحًا به في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وكان مكر الله خيرًا من مكرهم؛ لأنه نافذ
[ ١ / ٣٨١ ]
لا محالة، ولا يقع إلا حيث يقتضيه العدل.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾:
و(إذ) في قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى﴾ ظرف يتعلق بقوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾.
والتوفي في أصل اللغة: أخذ الشيء وتسلمه، تقول: توفيت ديني من فلان؛ أي: قبضته منه، ثم استعمل في الموت على وجه المجاز؛ لأن من أماته الله، فقد توفاه، فيكون هذا الاستعمال من قبيل إطلاق اسم اللازم على الملزوم.
فإذا ورد التوفي في كلام عربي، حُمل على الأخذ والتسلم حتى تقوم قرينة على أن المراد منه: الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد.
وورد التوفي في آيات يتعين صرفه فيها إلى معنى الأخذ والقبض، ولا يصح حمله على الموت؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فمعنى التوفي هنا: الأخذ والقبض، ولا يصح تفسيره بالموت؛ لأنه جعل من الأنفس المتوفاة ما لم تمت، فقال: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾، وقال: ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، فجعل التوفي هنا مقابلًا للبعث في النهار، ولم يجعله مقابلًا للموت.
ويدلكم على أن التوفي إنما يستعمل في الموت على وجه المجاز المصحوب بقرينة: أن القرآن لا يأتي به في مقابلة الحياة، وإنما يقابل
[ ١ / ٣٨٢ ]
الحياة بلفظ الإماتة؛ كما قال تعالى: ﴿يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية: ٢٦]، وقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام: ٩٥].
ونبني على هذا صحة تفسير ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ بمعنى: آخذك وقابضك؛ فإنه تفسير تتقبله اللغة، وله نظائر في آيات الذكر الحكيم، وانظر في قول عيسى - ﵇ - فيما قصه الله عنه في آية أخرى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]؛ حيث قابل التوفي بحال كونه فيهم، ولم يقابله بالحياة؛ كأن يقول: ما دمت حيًا، وهذا ظاهر في أنه لم يرد من التوفي: الإماتة.
هذا ما نختاره في فهم قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، وحملت طائفة التوفي على معنى: الإماتة، مع إيمانهم بأن عيسى - ﵇ - رفع إلى السماء، وأنه سيموت من بعد، وأبدوا لتقديم قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ على قوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وجهًا غير بعيد، هو أن اليهود قرروا قتله، فاقتضى الحال المبادرة إلى بشارته بأن أيديهم لا تصل إليه بالقتل، وأنه يموت على فراشه الموت المعتاد.
﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾:
هذا ظاهر في رفعه بجسده، ومستبعد جدًا أن يراد منه: رفع مكانته؛ لأن الخطاب لعيسى - ﵇ - وهو روح وجسد، فيحمل على أنه قد تعلق بهما حتى يقوم دليل على أنه تعلق بواحد منهما فقط.
ومما يبعد تفسير الرفع برفع مكانته: أنه قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]، وهذا رد على اليهود، وتكذيب لهم في دعوى أنهم قتلوه، ولا يكون ردًا عليهم وتكذيبًا إلا إذا
[ ١ / ٣٨٣ ]
كان الرفع لجسده، إذ لا يحسن أن يرد على من قالوا: قتلنا المسيح بأن الله رفع درجته، وإنما يكون قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ردًا على ما قاله اليهود لو قالوا: إن عيسى قلاه ربه، وأبعده، أو حط مكانته.
ويؤيد فهم الآية على معنى رفعه بجسده: أن النصارى يعتقدون أن عيسى - ﵇ - رفع بجسده، فلو لم يكن عيسى قد رفع بجسده، لما جاءت الآية على هذا الوجه الذي يوافق معتقدهم، بل يؤتى بعبارة أخرى تبطل هذا الاعتقاد؛ كما أبطل زعمهم أنه قتل وصلب، أو يأتي بعبارة لا تجاري على الأقل مذهبهم.
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾:
تطهيره - ﵇ - منهم بإبعاده عنهم، وهذا في نفسه محتمل لأن يطهره منهم بالهجرة من أوطانهم، ولأن يطهره برفعه إليه من أرضهم، والهجرة من أوطانهم لم يشر إليها القرآن كما أشار إلى هجرة إبراهيم وموسى ونبينا محمد -صلوات الله عليهم-، ولم تثبت بها رواية، أما رفعه، فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، فيكون قوله: وَمُطَهِرُكَ تأكيدًا لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، ومشيرًا إلى أن من كفروا به نجس، لا ينبغي للطيب الذي يئس من هدايتهم أن يبقى متصلًا بهم، وفال: ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولم يقل: ﴿مِنْهُمْ﴾ إيماء إلى علة نجاستهم التي هي الكفر.
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾:
هذه بشارة ثالثة لعيسى - ﵇ -، هي أن المتبعين له يكونون أعلى ممن كفروا به، وكان المتبعون له قبل الإسلام النصارى الذين آمنوا
[ ١ / ٣٨٤ ]
به إيمانًا صحيحًا، والمتبعون له بعد الإسلام هم المسلمون؛ لأنهم اتبعوه في أصول الدين، واتبعوا النبي الذي بشر به، ودعا إلى الاقتداء به.
ولا شك أن المؤمنين بعيسى - ﵇ - إيمانًا صادقًا يعلون الكافرين بالحجة والقلب عند المجادلة في الحق، ويعلونهم بالسلطان متى أخذوا بوسائل القوة كما يقتضيه معنى الاتباع، فلو أن قومًا يصدقون برسالة عيسى - ﵇ -، ولكنهم اتبعوا الشهوات، ولم يعدوا للكافرين به ما استطاعوا من قوة، لما تناولهم هذا الوعد الصادق، ولما كان علو الكافرين عليهم بالسلطان -لو وقع- موضع اشتباه، ومثار استشكال في تحقق ما وعدت به الآية.
﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾:
ثم وجه الخطاب إلى عيسى - ﵇ - ومن اتبعوه، ومن كفروا به، فقال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: مصيركم ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمور الدين، وإذا رفع المهتدين إلى جنات النعيم، وأحاط الغاوين بعذاب مهين، فقد حكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.
[ ١ / ٣٨٥ ]