[ ١ / ٣٦٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١١٩ - ١٢٠].
كان رسول الله - ﷺلما أودع في قلبه من الرحمة- شديدَ الحرص على قبول الناس لدعوته، دايمانهم بالحق الذي بعث به، حتى إذا لقي من المدعوين قلوبًا نافرة، وأسماعًا غير واعية، ضاق صدره، واشتد حزنه، فكان فيما ينزل عليه من القرآن المجيد آيات لتسليته، والترويح عن نفسه، ومن هذه الآيات: آيات يذكره الله فيها بأنه هو رسول، وما على الرسول إلا البلاغ؛ أي: إنه غير مسؤول عن الناس إذا لم يؤمنوا برسالته، وشأن ذلك الحزن البالغ أن يعتري من كلف بأمر، فلم يقض ما أمر به، وعلى هذا الوجه من التذكير ورد قوله تعالى:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾:
(الحق) في الأصل: الحكم الصادق: ويطلق على الدين؛ لاشتماله على الأحكام الصادقة، فيفسر الحق في هذه الآية بالدين الذي هو الإسلام.
_________________
(١) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الحادي عشر.
[ ١ / ٣٧١ ]
و﴿بَشِيرًا﴾: من البشارة، وهي الخبر السار الصادق الذي لا علم للمخبر به من قبل. و﴿وَنَذِيرًا﴾: من النذارة، وهي الإعلام بالشيء، والتحذير منه، والمعنى: إنا أرسلناك بالدين الحق؛ لتبشر من أطاع بالنعيم المقيم، وتنذر من عصى بالعذاب المهين.
وقدم وصف التبشير على وصف الإنذار؛ لأن التبشير أقرب إلى طبيعة الدعوة المحمدية من الإنذار؛ ذلك أن مع الرسول - صلوات الله عليه - حججًا قاطعة، شأنها أن تأخذ بالقلوب، فلا تحتاج إلى الإنذار، وإنما تحتاج إلى التبشير؛ لزيادة اطمئنانها، وإذا لم يُجب أقوام دعوته، فقد جاؤوا على خلاف ما تقتضيه حال الدعوة المحمدية من الإنذار؛ ذلك أن مع الرسول - صلوات الله عليه - حججًا، وأخذت من النفوس المأخذ الذي يناسب قوة دلائلها، أما الإنذار، فإنما يحتاج إليه في حال يقف فيه دون الدعوة جهل غليظ، أو عناد شديد.
ثم إن التبشير أقرب إلى القصد من الرسالة؛ لأنه يتعلق بما هو رحمة، والنبي - ﷺ - إنما أرسل رحمة للعالمين، وأما الإنذار، فيتعلق بما هو عذاب، والعذاب غير مقصود من الرسالة، إنما يقع جزاء لمن استكبر عنها، ولم تبلغ منه قصدها.
واقتصار الآية على وصف النبي - ﷺ - بالبشارة والنذارة لا ينفي أن يكون من مقاصد رسالته التي يسأل عنها أحكام المعاملات والجنايات التي قررتها شريعته الغراء؛ لأن شدة حزنه على أولئك الطوائف المصرين على كفرهم، هو حال من يعتقد أنه مسؤول عن عدم إيمانهم، فاقتضى هذا الحال أن يذكر بأن واجبه إنما هو القيام بالوسائل الموصلة إلى الإيمان، والباعثة على
[ ١ / ٣٧٢ ]
العمل الصالح من بيان الحق والبشارة والنذارة، أما نفس إيمان المدعوين، أوطاعتهم، فغير داخل في واجبات رسالته.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾: قرئ (تسأل) بصيغة المبني للمجهول، وحرف (لا) للنفي، والمعنى: أنك لست مسؤولًا عمن بلغتهم الرسالة، وأقمت عليهم الحجة إذا لم يؤمنوا، وقرئ بصيغة المبني للفاعل، وحرف (لا) للنهي، وفي الآيات على هذه القراءة تهويل لعقوبة الكافرين، والنهي عن السؤال عن شخص أو أشخاص، أسلوب معروف في كلام العرب يشيرون به إلى أن حال المنهي عن السؤال عنه بالغة في الفظاعة حيث لا يستطيع السامع أن يسمع حديثها، أو لا يستطيع المخبر أن يجريه على لسانه.
و﴿الْجَحِيمِ﴾: النار إذا شب وقودها، وقال: ﴿أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، ولم يقل: الكافرين؛ ليدل على جزاء كفرهم، وهو عذاب الجحيم يتقلبون فيه المرة بعد المرة على ما يقتضيه معنى الصحبة.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾:
كان - ﷺ - يلاطف طوائف من اليهود والنصارى؛ حرصًا على دخولهم في الإسلام، فأخبره الله، وهو علام الغيوب: أنهم مصرون على كفرهم، ولا يرجى منهم الرضا عنه في حال، وجاء الإخبار عن إصرارهم في أقوى وجه من وجوه المبالغة؛ إذ سد كل طريق من طرق رضاهم عن النبىِ - ﷺ -، إلا طريقًا واحدًا هو اتباعه لملتهم، وهذا الطريق نفسه يستحيل من النبي - ﷺ - أن يأتيهم منه، فالآية أفادت أنهم مصرون على الكفر إصرارًا لا يرجى لهم الرجوع عنه، حتى لا يجهد النبي - صلوات الله عليه - نفسه في دعوتهم، أو
[ ١ / ٣٧٣ ]
يقضي وقتًا في ملاطفتهم.
وإذا كانت الآية واردة في فريق من اليهود والنصارى أصروا على كفرهم عنادًا، ولم تفد الحجة والملاطفة في دعوتهم، لم يرد على الآية أن فريقًا من اليهود والنصارى قد دخلوا في الإسلام، ورضوا عن النبي - ﷺ - دون أن يتبع ملتهم، ومن الخطأ أن يقوم رجل بدعوة طوائف من اليهود أو النصارى إلى الدين الحنيف، فيقول له قائل يريد تثبيطه عن الدعوة: إنما تجد نفسك في عبث، ويتلو عليه هذه الآية.
وتقديم اليهود على النصارى في هذه الآية؛ لتقدم اليهودية على النصرانية في الظهور، ولأن اليهود كانوا أشد عداوة للمؤمنين، وأبعد قلوبًا من الإيمان بالنبي - ﷺ -، وأحرص على إيذائه وإيذاء من آمن برسالته.
وأضاف الملة إلى اليهود والنصارى مفردة، مع أن لكل فريق ملة؛ تنزيلًا للملتين منزلة واحدة؛ لاشتراكهما في الوجه الذي نهى الله عن اتباعهما من أجله، وهو الاشتمال على ما لا يسمى هداية، ولا يدني المتعلق به إلى سعادة.
وهذا الذي أخبر به القرآن الكريم عن اليهود والنصارى، إما أنهم كانوا يضمرونه في نفوسهم، وإما أنهم كانوا يقولونه بألسنتهم، وعلى أي حال كان، يستدعي جوابًا، وقد أرشد الله نبيه الكريم إلى الجواب بقوله:
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾:
هدى الله: هو الإسلام، وقد دلت الآية على أن الإسلام هدى، وأن غيره من الملل ليس بهدى، دلت على هذين المعنيين بإيراد المسند الذي هو كلمة ﴿الْهُدَى﴾ معرفة، ثم بوضع ضمير الفصل بينه وبين المسند إليه الذي
[ ١ / ٣٧٤ ]
هو ﴿هُدَى اللَّهِ﴾؛ فإن هذا الأسلوب يفيد قصر المسند الذي هو ﴿الْهُدَى﴾ على المسند إليه الذي فسرناه بالإسلام. والمعنى: أن الهدى مختص بالإسلام، لا يتعداه إلى غيره من الملل.
أما أن الإسلام هدى، فإنه يدعو إلى الخير دعوة حكيمة جامعة؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]؛ أي: تبيانًا لكل ما تكمل به النفوس البشرية، وتصل به إلى سعادتها في الدنيا والآخرة، وأما أن غيره من الملل ليس بهدى، فلما دخلها من التحريف، وما أضيف إليها من الاراء الصادرة عن الهوى.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾:
الأهواء: جمع هوى، وهو في الأصل: ميل النفس إلى ما تلذه من خير وشر، ومن استعماله في الخير قول عائشة -﵂- للنبي - ﷺ -: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك"؛ أي: رضاك، وكثرة استعمال الهوى في ميل النفس المذموم، ويدخل في هذا القبيل: كل هوى ينشأ عنه رأي أو قول لا يوافق العلم الصحيح، وأهواء أهل الكتاب التي نهى النبي - ﷺ - عن اتباعها: آراؤهم، وأقوالهم الصادرة عن الهوى، والعلم الذي يمنع من اتباع أهواء المخالفين: ما أخذ من طريق الوحي مباشرة، أو أخذ من طريق النظر في الأدلة التي نصبها الشارع للعقول.
وقوله: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ نفي لأن يكون الله وليًا له أو ناصرًا على تقدير أن يتبع هذه الأهواء، وولاية الله للرسول أو غيره من المؤمنين: رعايته له، وتوفيقه إياه لما فيه الخير، ونصره إياه: تأييد جانبه،
[ ١ / ٣٧٥ ]
وكف أيدي المعتدين عنه؛ حتى يفوز بالسلامة منهم، والظهور عليهم.
واستعملت (إن) للشرط في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾؛ لأنها تستعمل كـ (لو) لفرض وقوع فعل الشرط، ولو مع القطع بعدم وقوعه، وكذلك اتباع النبي - ﷺ - لأهواء اليهود والنصارى غير محتمل الوقوع، وإنما ذكر على وجه الفرض، وبني عليه ذلك الوعيد البالغ؛ ليزداد - ﵊ - في الاحتراس من آرائهم قوة؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
وفي توجيه الخطاب إلى النبي - ﷺ - إشعارًا بأنه -وهو صاحب تلك المكانة العليا، والأعمال الصالحة التي تملأ ليله ونهاره- لو اتبع أهواء اليهود والنصارى، لفقد الولاية والنصر من الله، فغيره من الناس أحرى بأن يجازى بالحرمان من تلك النعمتين العظيمتين إذا تعلق بآراء المخالفين دون ما قضى به الله، ومن فاتته ولاية الله وتأييده، عاش في الدنيا مضطرب القلب، منكود الحياة، واذا قضى نحبه، فإلى هون وعذاب.
ويفهم من الآية بعد هذا أن من عمل على مقتضى العلم المستند إلى هداية الله، ونبذ آراء المخالفين التي لا توافق هذا العلم، فإنه يظفر بولايه الله الضافية، ونصره العزيز، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].
[ ١ / ٣٧٦ ]