[ ١ / ٤٢١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢١ - ٢٥].
مناسبة هذه الآيات لما سبقها من الآيات: أن الآيات السابقة وردت في شأن داود - ﵇ -، وآخرها قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠].
ومن فصل الخطاب: الفرق بين الحق والباطل، والحكم بين الخصوم بالعدل، وذلك ما تضمنته هذه الآيات التي نريد تفسيرها.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾:
النبأ: الخبر، والخصم: المخاصم، ويطلق على الواحد والاثنين
_________________
(١) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الرابع من المجلد الحادي عشر.
[ ١ / ٤٢٣ ]
والجمع؛ مثل: طير، وضيف. وقوله تعالى بعد: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ ينبئ أن المراد من الخصم هنا: اثنان، فيكون إيراد ضمير الجمع في قوله تعالى: ﴿تَسَوَّرُوا﴾، و﴿دَخَلُوا﴾، و﴿مِنْهُمْ﴾ من باب إجراء المثنى مجرى الجمع، وهو معروف في الكلام العربي الفصيح. والاستفهام في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ ليس بالاستفهام الذي يستدعي جوابًا، وإنما هو أسلوب عربي يراد منه التشويق إلى القصة؛ لما تضمنته من الموعظة الحسنة، والآداب السامية.
﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾:
التسور: صعود السور، وهو الحائط المرتفع، والمحراب: الغرفة، والمعنى: أتوا من أعلى سور الغرفة، ويطلق المحراب على صدر البيت، ومنه: محراب المسجد.
و﴿إِذْ﴾: بدل اشتمال من ﴿الْخَصْمِ﴾، والمعنى: هل أتاك نبأ الخصم نباُ وقتِ تسورهم للمحراب.
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾:
﴿إِذْ﴾ هنا يدل من ﴿إِذْ﴾ في الجملة السابقة، والفزع: انقباض يعتري الإنسان من رؤية شيء مخيف، وفزع منهم؛ لظنه أنهم يريدون اغتياله، وهو منفرد للعبادة.
والأنبياء - ﵈ - وإن كانوا في أعلى درجات الشجاعة، قد يأخذهم الخوف من أشياء شأنها أن تأتي بعواقب مكروهة، وفضلُهم في أن خوفهم لا يكون له أثر فيما ينبغي أن يكونوا عليه أمام الأشياء المخيفة؛ من نحو: الصبر والثبات، والدفع بالتي هي أحسن.
[ ١ / ٤٢٤ ]
قال هشام لمسلمة: يا أبا سعيد! هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه على حيلة، ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي. قال هشام: هذه البسالة!.
ولما رأى الخصمان منه أثر الفزع، افتتحا خطابهما بما يزيل عنه الفزع، وذلك قوله تعالى:
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾:
وظاهر الآية: أن هذا القول صادر من الخصمين؛ إذ جاء مسندًا إلى ضمير الجماعة، ولعله صدر من المدعي، ولما كان المدعى عليه موافقًا على ذلك، نسب إليهما، ونسبة الفعل إلى جماعة يكون الفعل قد صدر من بعضهم، والآخرون راضون به، كثير في الكلام العربي.
﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾:
البغي: الظلم، وخصمان: خبر لمبتدأ محذوف هو ضمير المتكلم، التقدير: نحن خصمان ظلم بعضنا بعضًا، وما جرى في الآية من التعبير بضمير المتكلم في قوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ أحد أسلوبين في العربية، ثانيهما: أن يعبر في مثل هذا المقام بضمير الغائب. فيقال: نحن خصمان بغى بعضهما على بعض؛ كما تقول: نحن رجال نكرم الجار، أو يكرمون الجار.
وفي قولى: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ إشعار بأن قضيتهما وقع فيها بغي لا محالة، وذلك مما يقيم لهما العذر في المسارعة إلى رفعها إليه، ولو بتسور المحراب، ومن دواعي المسارعة إلى رفع القضية: خشية ما قد يعرض من نحو غَيبة الشاهد، أو المدعى عليه.
[ ١ / ٤٢٥ ]
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾:
الحق: ما يريه الله الرسول من طريق الوحي، أو من طريق النظر بنور الله، إذا قلنا: إن من الأحكام ما يقرره الرسول من طريق الاجتهاد، أو ما يريه الذين أوتوا العلم على طريق الاجتهاد الصحيح، وما عدا هذا، فهو الباطل، والحكم به كفر إن كان على اعتقاد أنه أصلح وأحكم مما قررته الشريعة، وظلم وفسوق إن كان جريًا مع الهوى، وإيثارًا لمتاع الحياة الدنيا على رضا الله.
﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾:
الشطط في الأصل: البعد، ومعناه هنا: الجور؛ لما في الجور من البعد عن حدود العدل، وحذَّره من الجور بقوله: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ بعد أن طلب منه الحكم بالحق؛ ليحضر في ذهنه صورة الجور، فيذكر ما يترتب عليه من شرور؛ كما أحضر في ذهنه صورة الحق؛ ليذكر ما يترتب على إقامته من خيرات.
وفي الآية دليل على أن للخصوم أن يذكّروا القاضي بفضل العدل، ولو على وجه الأمر به، ويحذروه من الجور، ولو على وجه النهي عنه، وقد نص الفقهاء على أن قول بعض الخصوم للقاضي: اتق الله، لا يعد جفاء يستحق عليه التأديب.
﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾:
الهداية: إراءة الطريق، وسواء الشيء: وسطه، والصراط: الطريق الواضح، والمعنى: أرشدنا إلى وسط طريق الحق، وهو قصد السبيل، والماشي في وسط الطريق أبعدُ عن الانحراف عنه من الماشي في طرفه.
وفي هذه الجملة تأكيد لما دل عليه قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾
[ ١ / ٤٢٦ ]
من أنهما رفعا قضيتهما إليه بقصد الوصول إلى الحق، لا كما يفعل كثير من المخاصمين إذ يقصدون من رفع القضايا أكل مال بالباطل، أو إعنات الخصم، وقهره في مجلس القضاء.
﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾:
الأخوة تكون في النسب والدين والصحبة، والآية محتملة لكل واحدة منها، وفي ذكر خصمه بوصف الأخوة زيادة تشنيع عليه بالظلم؛ فإن الأخوة شأنها المنع من الظلم، فلا يعمد الأخ إلى ظلم أخيه إلا أن يكون ظلمه بالغًا.
﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾:
النعجة: الأنثى من الضان، و﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾: اجعلني أكفلها، أو أجعلها كفلي؛ أي: نصيبي، والمعنى: مَلِّكنيها.
﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾:
عزني: غلبني، والغلبة في الخطاب تظهر عندما يكون الصادر منه الخطاب ذا سلطان يخشاه المخاطب، ولولا هذا السلطان، لكان في إمكان صاحب النعجة الواحدة ألا يجيب سؤاله، ولا يحتاج إلى أن يشكوه إلى داود - ﵇ -.
قال ابن العربي: كان ببلدنا أمير يقال له: سيري بن أبي بكر، فكلمته أن يسأل لي رجلًا حاجة، فقال لي: أما علمت أن طلب السلطان للحاجة غصب لها؟! فقلت: أما إذا كان "أي: السلطان" عدلًا، فلا.
ووجه ما قاله ابن العربي: أن السلطان العادل يستطيع الناس أن يردوا طلبه لبعض الحاجات، ولا يخشون بأسه، والرئيس الجائر هو الذي يطلب
[ ١ / ٤٢٧ ]
الحاجة من أحد مرؤوسيه، فلا يسعه إلا أن يجيب طلبه؛ خشية من أن يحرمه من حق، أو يجور عليه في قضية.
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾:
عدى السؤال بـ (إلى) فقال: ﴿إِلَى نِعَاجِهِ﴾؛ لتضمينه معنى فعل آخر هو الضم، والمعنى: ظلمك بسؤال نعجتك ضامًا لها إلى نعاجه، وأكد الجواب بالقسم الدال عليه اللام في قوله: ﴿لَقَدْ﴾؛ اهتمامًا بما تضمنه من الحكم على المدعى عليه بالظلم، أو أكده؛ لأن الخطاب -وإن كان موجهًا في الظاهر إلى المدعي، وهو يعلم أنه مظلوم- قد روعي فيه حال من هو المقصود بالخطاب، وهو المدعى عليه، وحاله يقتضي تأكيد الحكم عليه بالظلم؛ لأن سؤاله -وهو ذو قوة- لنعجة أخيه؛ ليضمها إلى نعاجه، شأن من ينكر أن يكون هذا ظلمًا.
والظاهر أن المدعى عليه قد أقر بما قاله المدعي، ولم يذكر في الآية هذا الإقرار؛ إذ لم يكن فيه من عبرة يراد التنبيه لها في هذا المقام.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾:
الخلطاء: جمع خليط، وهو الصاحب، والمعنى: أن كثيرًا من الأصحاب يعتدي بعضهم على بعض، وهذا تسلية للمظلوم بأن ما جرى عليه قد جرى ويجري على كثير من الناس.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾:
(ما) في قوله: ﴿مَا هُمْ﴾ وردت لتأكيد القلة المفهوم من قوله: ﴿وَقَلِيلٌ﴾؛ أي: هم قليل جدًا، وفي الآية زجر للمدعى عليه عن البغي؛ إذ أشارت إلى أن بغيه قد حرمه أن يكون في قبيل المؤمنين الصالحين.
[ ١ / ٤٢٨ ]
﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾:
الفتنة: الابتلاء؛ أي: ظن عندما تسور الخصمان المحراب أنهما يريدان اغتياله، وأن الله قد أراد ابتلاءه بذلك، ثم تبين له بعدُ: أن هذا الظن غير مصيب، وأنه وقع في ظن الأَولى لمثله ألا يقع فيه، فبادر إلى طلب المغفرة من ذلك الظن، ولم يكتف داود - ﵇ - بالاستغفار كما يفعل كثير ممن يدركون أنهم وقعوا في سيئة، ولا يصرون على الإقلاع عنها في المستقبل، بل رجع إلى الله رجوعًا حقًا، وقدم بين يدي توبته عملًا صالحًا، ذلك ما دل عليه قوله تعالى:
﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾
خرّ: وقع وانحط، والركوع: الانحناء، والمعروف أن (خر) تستعمل للسجود، يقال: خر ساجدًا، فيصح حمل الركوع على معنى السجود، ومن المحتمل القريب فهم الآية على معنى أنه ركع وسجد، فأشير إلى السجود بلفظ: خر، ودل على الركوع بقوله: ﴿رَاكِعًا﴾، والمعنى: أنه سجد، والحال أنه قد ركع.
قال الحسن بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر عن قول الله -﷿-: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ هل يقال للراكع: خر؟ قلت: لا، قال: فما معنى الآية؟ قلت: فخر؛ أي: سجد بعد أن كان راكعًا.
والإنابة: الرجوع إلى الله بالتوبة، والتوبة: الندم على إتيان السيئة، والإقلاع عنها، والعزم على عدم العود إليها.
﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾:
المشار إليه بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ هو الظن المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ
[ ١ / ٤٢٩ ]
دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾، وقد عرفت أن هذا الظن ليس بذنب، أو ليس فيه فعل محظور، ولا ترك واجب، وإنما هو مقام النبوة والرسالة يستدعي الأخذ بالأكمل في كل حال، فإذا لم يأخذ الرسول بالأكمل، رأى نفسه بمنزلة من لم يأخذ بالواجب من سائر المكلفين، واستغفر لما أتى من غير الأكمل، وصح أن يسمى عدم مقابلته بالعتاب: مغفرة وعفوًا.
﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾:
الزلفى: القربة والمنزلة، والمآب: المرجع، وجاءت الزلفى بمكانها مقدمة على حسن المآب؛ لأن القربة والمنزلة عند الله أفضل وأهم من المآب الذي يراد به: المرجع في دار النعيم.
قص الله تعالى عن داود - ﵇ - أنه استغفر، فغفر له، وأنه خر راكعًا متقربًا إليه، فكان له عنده الزلفى، وأنه أناب إليه؛ أي: رجع تائبًا، فكان له عنده حسن المآب.
هذا ما يصح أن تفسر به هذه القصة متى نظر إلى الآيات مجردة عن النظر إلى الآثار، أما الآثار المعزوة إلى بعض السلف في تفسيرها، فمنها ما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، فيجب طرحه، وعدم الالتفات إليه، ومنها ما هو محتمل غير بعيد. وأقرب تأويل يستند إلى الآثار: أنه كان في عهد داود - ﵇ - رجل له امرأة حسنة، فطلب منه داود أن يتنازل له عنها بطلاق ليتزوجها، فساق الله إليه ذينك الخصمين، وهما إما رجلان من البشر، أو ملكان في صورة رجلين؛ ليأخذ من قصتهما عبرة، وينتبه إلى أن سؤال الرجل أن يتنازل عن زوجته قد جرى خلاف ما يقتضيه الزهد المناسب لمقام النبوة، وليس هذا الطلب بمحظور في شرع، وقد يخفف أمره أن
[ ١ / ٤٣٠ ]
داود - ﵇ - إنما سأل الرجل التنازل عن زوجته بعد أن فهم أنه لم يكن شديد التعلق بها، وقد يكون مثل هذا الطلب مما يسيغه العرف في ذلك العهد.
وملخص القول: أن داود - ﵇ - لم يأت على حسب هذا الوجه من التفسير سيئة قطعًا، ولم يزد على أن التفت إلى أمر دنيوي، وطلبه من طريق غيرُه أولى منه.
[ ١ / ٤٣١ ]
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٢)