المظالم: جمع مظلمة - بكسر اللام وفتحها-، وهي مأخوذة من الظلم بمعنى: وضع الشيء في غير موضعه. والمعاصي كلها من قبيل وضع الشيء في غير موضعه، ولهذا تسمى: ظلمًا. والشرك بالله ظلم فوق كل ظلم.
والمراد في هذا المقال بالمظلمة: اعتداء شخص على آخر في نفسه؛ بالضرب أو الجرح أو القتل، أو ماله؛ بالغصب أو السرقة أو النهب، أو عرضه؛ بالشتم أو القذف، حاضرًا أو غائبًا.
والمظلمة تدرك مفسدتها الظاهرة بالعقل الفطري، وإنما تتفاوت العقول في وجه مكافحتها.
وهؤلاء المشركون من قريش، حيث كثر فيهم الزعماء، وشاهدوا من التغالب ما لم يرجعهم عنه سلطان، عقدوا حلفا على رد المظالم، وإنصاف المظلوم في دار عبد الله بن جدعان، وكان رسول الله - ﷺ - معهم قبل النبوة، وقال - ﷺ -: "قد شاهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا، لو دعيت إلى مثله في الإسلام، لأجبت"، وسمي: حلف الفضول كما قال ابن الأثير في "النهاية"؛ تشبيهًا له بحلف كان قديمًا في مكة أيام جُرهم في التناصف والأخذ للضعيف من القوي، قام به رجال، كلهم يسمى: الفضل.
_________________
(١) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة العاشرة.
[ 2/ 2 / ١٣٢ ]
وقال صاحب "القاموس": سمي حلف الفضول؛ لأنهم تحالفوا ألا يتركوا عند أحد فضلًا يظلمه أحدًا إلا أخذوه له منه.
وقد انشرح - ﷺ - لهذا الحلف، وكان قبل النبوة يعمل كل ما فيه خير، فلما جاء الإسلام جعل مكافحة المظالم من مقاصده. وأكده بقوله - ﷺ -: "اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" رواه أحمد في "مسنده"، والبيهقي في "شعب الإيمان".
وكان العرب يقولون: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، وذكر - ﷺ - هذه الجملة بعينها، فقالوا: ننصره إذا كان مظلومًا، فكيف ننصره إذا كان ظالمًا؟ فبين لهم كيف تكون النصرة مطابقة للحكمة، وقال: "تحجزه عن الظلم بأن تأخذ على يده، فإن ذلك نصره".
وكان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرون المظالم بأنفسهم، فلما تجاهر الناس بالمظالم، كان أول من أفرد لها يومًا عبد الملك بن مروان، يقصده فيه المتظلم.
وجلس عمر بن عبد العزيز بعد دفن سليمان بن عبد الملك، ونادى مناديه: ألا من كانت له مظلمة، فليرتجعها، وجعل لا يدع شيئًا مما كان في يد سليمان بن عبد الملك أو أهل بيته إلا ردها مظلمة، وقيل له: يخاف عليك من ردها العواقب. فقال: كل يوم أتقيه دون يوم القيامة فلا وقيته!.
ثم خلفاء بني العباس. وأول من جلس لها المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم المأمون، إلى أيام المهتدي المتوفى سنة مئتين وخمس وخمسين من الهجرة. ثم ردّوها إلى القضاة. ثم أفردوا لها واليًا يندب للنظر فيها في جميع الأيام.
[ 2/ 2 / ١٣٣ ]
ثم تنوسيت هذه الوظيفة. وصار أمر التصرف فيها إلى الحاكم الأعلى.
والذي تصدر عنه المظالم رجل قوي ببدنه، أو عصابته، أو ماله، أو جاهه، فيعتدي على الضعيف، فيفتك بجسمه، أو ينغمس في عرضه، أو يتناول ماله بغير حق، ويخرج بما يفعله عن الإنسانية.
قال محمد بن كعب في كتاب له يصف الإنسان الكامل: "وإذا غضب، لم يخرجه غضبه عن الحق، إذا قدر لم يتناول ما ليس بحق له".
وللحكام العادلين قصص كثيرة في مكافحة الظالمين، وأذكر منها: أن رجلًا من العامة دخل على مجلس المنصور بن أبي عامر، وقال له: إن لي مظلمة عند الوصيف الذي على رأسك، وقد دعوته إلى الحاكم، فلم يأت، فقال المنصور للوصيف الذي على رأسه: انزل صاغرًا، وساو خصمك! وذكر العامي قضيته، فقال المنصور لصاحب الشرطة الخاص بمجلسه: خذ هذا الوصيف إلى صاحب المظالم ينفذ عليه حكمه بما يوجبه الحق من سجن وغيره. وأبعدَ الوصيفَ عن الخدمة.
ويؤخذ من هذه القصة التي قصها صاحب "نفح الطيب" أنه كان في الأندلس وظيفة صاحب المظالم.
وتقترب الأمة من الحرية بقدر ما تقل فيها المظالم، وقد قضيت في ألمانيا سنة وأربعة أشهر تقريبًا لم أر أحدًا يرفع صوته على آخر بالشتم، أو يرفع يده لأذيته، فأقول: هذا من خلق القرآن الكريم؛ إذ جمع الحرية الفاضلة في قوله تعالى:
﴿تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
والطغاة من الناس من تقل مظالمهم في أيام الحكام العادلين، يخشون
[ 2/ 2 / ١٣٤ ]
صولتهم من جهة، ويحاكونهم في آدابهم من جهة أخرى، ولأن الحاكمين العادلين قد يسدون بحسن تدبيرهم كثيرًا من الحاجات الداعية إلى ارتكاب ظلم، فالعدل يجعل الأمة في سلام داخلي؛ حيث يبث الألفة والأخوة بين الأفراد، كما يجعلها في سلام خارجي؛ حيث ينهض بها إلى أن تدافع عن كيانها وحقوقها بما تملك من قوة.
وقد تصدر المظالم من المتولي شؤون القوم، وتكون نفسه زكية، فيعرف كلمة الحق إذا ذكرت له.
وأذكر بهذا: أن الخليفة عبد الرحمن الناصر احتاج إلى شراء دار، فذكرت له دار الأيتام في حجر القاضي منذر بن سعيد البلوطي، فندب من يقوِّم الدار. ثم خاطب القاضي ببيعها منه. فقال القاضي: الدار لم يصبها وهن، ولا الأيتام في حاجة إلى النفقة، فإن أعطاهم أمير المؤمنين الثمن الذي تثبت به الغبطة، أمرت وصيهم بالبيع، وإلا فلا. فأظهر الخليفة الزهد في الدار. وخشي القاضي أن تصدر من الخليفة عزمة يلحق الأيتام منها ضرر، فأمر بنقض بناء الدار، وباع أنقاضها بأكثر مما قومت به للخليفة. فسأله الخليفة عن سبب نقض الدار، فذكر له قول الله تعالى:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩].
فقال الناصر: نحن أولى من ينقاد إلى الحق.
ويدلكم على أن كلمة الحق من العلماء الناهضين يريدون بها وجه الله، لا تنتج إلا خيرًا: أن صاحب تونس كان يكرم العلماء، ويقربهم من مجلسه. فقال لهم ذات ليلة: نحن ملوك الآن، أحسن من الملوك السابقين،
[ 2/ 2 / ١٣٥ ]
فقال له الشيخ حمودة الريكلي: في أي شيء أنتم أحسن؟ فقال: إن الملوك السابقين كانوا يقتلون العلماء، ونحن نكرمهم ونقربهم من مجالسنا. فقال له الشيخ: الأمر ظاهر، فإن الملوك السابقين كانوا يفعلون المنكر، ويعترض عليهم العلماء، فيقتلونهم، ونحن نسكت لكم عما تفعلونه، فلماذا تقتلوننا؟؟ فغضب الأمير، ودخل إلى داره. ثم أرسل إلى العلماء بأن يذهبوا إلى منازلهم، ويبقى الشيخ حمودة، فذهبوا معتقدين أن الأمير سيعاقب الشيخ بأشد عقوبة. ثم خرج الأمير بعد مدة، وقال للشيخ حمودة: جزاك الله خيرًا فيما قلته، وأعطاه في الصباح عربته الخاصة، ونزل بها إلى تونس.
ومن ذكر القصة من المؤرخين قال: في هذه القصة ذكر حسن للشيخ والأمير.
والحكام العادلون يتلقون الموعظة من العلماء الناصحين بالقبول.
دخل أبو بكر الطرطوشي الأندلسي على أمير الجيش، ومن جملة ما وعظه به قوله: وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم.
وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز يعظه، ومن جملة ما قاله في كتابه: "إن استطعت أن تأتي يوم القيامة لا يتبعك أحد بمظلمة، فافعل".
وقد جرت العادة أن ينجو الإنسان من الظلم إذا استند إلى وجيه يهابه الناس، ونذكر بهذا قول أبي الوليد الباجي: لولا السلطان، لنقلني الذر (١) من الظل إلى الشمس. وهذا سبب ظاهر قد يفيد في الدنيا، ويكون سببًا شرعيًا إذا كان القلب مع هذا الاستناد متعلقًا بالله.
_________________
(١) الذر: صغار النمل.
[ 2/ 2 / ١٣٦ ]
والمظلمة لا تغفر إلا أن يعفو صاحبها عنها في الدنيا أو الآخرة، وإذا طلب الظالم من المظلوم تحليله من المظلمة، يكفي في التحليل أن يقول المظلوم: قد عفوت عنك، ولا يلزم الظالم تعيين المظلمة؛ لأن تعيينها قد يبقي القطيعة، أو يزيدها.
والقصد صفاء السريرة، وعقد رابطة الألفة والأخوة بين الظالم والمظلوم من جديد.
وأذن الشارع للمظلوم أن يكافح الظالم، وخير من المكافحة أن يعفو عنه إذا لم يعتقد الظالم أن العفو نشأ عن ضعف، فيزيد في طغيانه. فإن زاد المظلوم على ما اعتدي به عليه، دخل في دائرة الظالمين. وإن عفا عن الظالم، فقد دخل في زمرة المحسنين.
أما من يسمونهم بالمعمرين فلهم في المظالم قصص تملأ أسفارًا، فلا أدري ما أذكر منها وما أدع، وخاطبتني المحكمة الفرنسية سنة ١٩٢٥ م بإشارة من شيخ المدينة أن أكون عضوًا في المحكمة لأحضر حكمها بين الوطني والفرنسي، فامتنعت عن هذه العضوية، ولم أرض أن يصدر الحكم الجائر بحضوري. والله ولي كل رشاد وسداد.
[ 2/ 2 / ١٣٧ ]