لا ينزل الرجل الفاضل بوطن إلا التقى بطائفة من فضلائه، والشأن أن يصف لهم بعض النواحي من حياة قومه العلمية والاجتماعية، ثم إذا عاد إلى قومه، وصف لهم حال الأوطان التي نزل بها، فيكون كل من الشعوب التي رحل منها، أو نزل بها، على خبرة من حال الشعوب الأخرى.
وقد نبهنا على أن الرجل الطيب السريرة يتخذ في كل وطن أصدقاء، وهذه الصداقات تعد فيما يربط بين الشعوب الرابطة الوثيقة، وتعارف الشعوب بوسيلة العلماء والأدباء يثير في نفوسهم عواطف الائتلاف والاحترام.
وإذا كان من أفضل آثار الرحلة: عقد رابطة التعارف والتعاطف بين الشعوب، فعلى المستطيعين منا أن يخصوا البلاد الشرقية بجانب عظيم من رحلاتهم، ولو وجدوا في سبيل ذلك مشاق فوق ما يلاقونه في سبيل الرحلة إلى البلاد الأجنبية.
* أدب الرحلة:
الآداب السنية هي كمال الإنسانية، فيجب على الإنسان الاحتفاظ بها في وطنه كما يحتفظ بها في غير وطنه، ورأينا بعض الحكماء يوجهون إلى الغريب، أو من رام الغربة عنايةً خاصة، فيؤكدون عليه في الاحتفاظ بالآداب الشريفة، كما قالوا: يا غريبًا! كن أديبًا.
_________________
(١) البو: جلد الحوار (ولد الناقة) يحشى ثمامًا أو تبنًا، فيقرب من أم الفصيل، فتعطف عليه، فتدر.
[ 11/ 3 / ١٧ ]
ومن هذا القبيل وصية عبد الملك بن سعيد الأندلسي لابنه علي بن سعيد عند عزمه على الرحلة إلى بلاد الشرق، تلك الوصية التي يقول فيها:
أودعك الرحمن في غربتك مرتقبًا رحماه في أوبتك
فلا تطل حبل النوى إنني والله أشتاق إلى طلعتك
وقال:
فليس يدرَى أصل ذي غربة وإنما تعرف من شيمتك
ونبه لآداب سامية فقال:
وامش الهوينى مظهرًا عفة وابغ رضا الأعين عن هيئتك
وكل ما يفضي لعذر فلا تجعله في الغربة من إربتك
ولا تجادل حاسدًا أبدًا فإنه أدعى إلى هيبتك
وقال:
وانطلق بحيث العيّ مستقبح واصمت بحيث الخير في سَكْتتك
ومن أدب الراحل: أن ينصف البلد التي ينزل بها، فيذكر محاسنها؛ ويغتبط بما يلاقيه به أهلها من احتفاء ومؤانسة.
ورد تاج الدين بن حمويه السرخسي بلاد المغرب، فسأله سلطان المغرب يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن قائلا: أين هذه البلاد من بلادك الشامية؟ فقال السرخسي: بلادكم حسنة أنيقة، وفيها عيب واحد، فقال السلطان: ما هو؟ قال: أنها تنسي الأوطان.
وممن قاموا على هذا الأدب الجميل العلامة المقري صاحب كتاب "نفح الطيب"؛ فقد نظم في الثناء على دمشق أشعارًا، وتمثل فيها بأشعار،
[ 11/ 3 / ١٨ ]
ومما أنشده: قول شمس الدين الأسدي:
إذا ذكرت بقاع الأرض يومًا فقل سقيًا لجلّق ثم رعيا
وقل في وصفها لا في سواها بها ما شئت من دين ودنيا
وأختم هذه المحاضرة بأبيات خطرت لي معانيها عندما نزلت دمشق، وإني لست بشاعر، ولكني درست علم العروض، فأستطيع أن أقول كلامًا موزونًا، وإلى حضراتكم هذه الأبيات:
زارها بعد نوى طال مداها فشفى قلبًا مجدًّا في هواها
راح نشوان ولا راح سوى أن رأى الشام وحياه شذاها
نظرة في ساحها تذكره كيف كان العيش يحلو في رُباها
ما شكا فيها اغترابًا وإذا حدثته النفس بالشكوى نهانا
من يحث العِيس في البيد إلى بردى يحمد للعيس سُراها
فهنا قامت نوادي فتية تبلغ النفس بلقياهم مناها
أدب يزهو كزهر بهج أرشفته السحب من خمر نداها
خلق لو نصح الخوْدَ به ناصح لاتخذت منه حِلاها
ملؤوا جلّق أُنسًا فأرى ليلها طلق المحيا كضحاها
شدّ ما لاقوا خطوبًا فانتضوا مرهفات العزم طعنًا في لهاها
عزة الأمة في نشء إذا نشبت في خطر كانوا فداها
وجناحا فوزِها استمساكُها بهدى الله وإرهاف قناها
هي عين والهدى إنسانها فإذا ما فسقت لاقت عماها
[ 11/ 3 / ١٩ ]
رتِّل الذكر مليًا تره يغرس الحكمة أو يدني جَناها
أطلق الأفكار من أصفادها فمضت ترعى الثريا وسهاها
* * *
خضْ علوم الكون أحقابًا وسِرْ في سماها إن تشأ أو في ثراها
لا ترى في الدين إلا مغريًا بحلاها أو مزيحًا لقذاها
* * *
ذكرونا سلفًا قاموا على سيرة غرّاء والدهر طواها
أمة يذكي التقى غيرتها مثلما يذكي الندى نار قِراها
شرف لو آنسته الشمس في أُفقه الأعلى لظنته أباها
* * *
أوَ يُجدي مجدُ أسلاف إذا غرقت أجفان خلف في كراها
أمة تلهو بذكرى تالد عن طريف لم ترم عهد صِباها
فابعثوها هممًا تسمو كما سمت الجوزاء تزهو في سناها
ما الفخار الحق إلا نهضة أحكم الإيمان والعلم عُراها
[ 11/ 3 / ٢٠ ]