أحد علماء تونس وأدبائها الذين تركوا من خلفهم آثارًا قيمة، وهو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمود بن عبد الكريم المدعو: كريم بن عصمان.
ولد صاحب الترجمة في ٢٧ صفر سنة ١٢٤٣، والتحق بطلاب العلم في جامع الزيتونة سنة ١٢٦٥، فتلقى العلم عن أساتذة كبار؛ مثل: الشيخ معاوية، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ الطاهر بن عاشور، وتولى التدريس في جامع الزيتونة سنة ١٢٦٥، وأقرأ به كتبًا عالية، منها: كتاب "التلويح" لصدر الشريعة.
وعقدت الحكومة التونسية مجالس للنظر في الجنايات، فعينت الأستاذ نائبًا لرئيس هذه المجلس سنة ١٢٧٧، فدل على براعة استحق بها أن صار الرئيس هذه المجالس من بعد، ثم تقلد خطبة الإفتاء على مذهب الإمام أبي حنيفة سنة ١٢٨٠، وتولى مع ذلك الخطابة والإمامة والتدريس بالجامع الحسني سنة ١٢٨٤، فكان يلقي خطبًا بليغة من إنشائه، وتولى مشيخة الإسلام بعد هذا، فألبسها كرامة، ولم يلوثها بالتملق لذي سلطان، حتى انتقل إلى رحمة ربه سنة ١٣١٥.
_________________
(١) مجلة "الهداية الإسلامية" -الجزء السادس من المجلد الأول الصادر في ذي القعدة ١٣٤٧.
[ 11/ 1 / ١٤٦ ]
للأستاذ تقييدات ومؤلفات في الفقه الحنفي وغيره، منها: شرح لمنظومة المحبي في الفقه الحنفي، وتعرض في هذا الشرح لما يجري به العمل في الديار التونسية، وتصدى في تأليفه لربط الأحكام بأصولها، وشرح قصيدة كعب بن زهير "بانت سعاد" شرحًا وافيًا، وله شعر جيد كان قد جمعه في ديوان يسمى: "السحر الحلال"، وأذكر من شعره قصيدة خاطب بها الأمير محمد الصادق باي شاكرًا له على ما قام به من تطبيق القانون المسمى: (عهد الأمان)، ومما يقول فيها:
تيقن أن العدل أبقى لملكه فأضحى لطرق الجور ينسفها نسفا
ثم قال:
وأمنت أهل القطر من كل ضائر ولولا وجوب الحتف أمنتنا الحتفا
جعلت أساس العدل فيهم أمانهم على العرض والأبدان والمال مستوفى
وسوَّيت في الأحكام بين جليلهم وبين ضعيف كان في الحق يستخفى
وألزمت أحكامًا هي الفيصل التي توافقنا شرعًا ونعتادها عرفا
يقر لها بالعدل كل معاند يعض على غيظ أنامله لهفا
شهدت له دروسًا كان يلقيها بالجامع الحسيني في شهر رمضان، فكنت أسمع بحثًا دقيقًا، وعبارات أنيقة، وكان الأستاذ -﵀- فصيح المنطق، حسن السمت، لطيف المحاضرة.
[ 11/ 1 / ١٤٧ ]