سبق في ظني أن مقترحي الدرس قصدوا أن يكون إقراؤه برواق المغاربة، فانصرفت بعد صلاة العصر متوجهًا لذلك الرواق، فأنبؤوني بأنهم اختاروا أن يكون بوسط الجامع، وعرضوا عليّ منصة بعض الأساتذة، فلم يسعني إلا أن أجلس حيث عزموا.
أقبلت قبل الشروع في تقرير الدرس على تلميذ أعرفه بحفظ القرآن، وصرفِ الهمة في تجويده، واقترحت عليه أن يجهر بتلاوة الآية؛ ليسمعها الحاضرون، فمنعه الحياء، وتقدم تلميذ آخر، فرفع بها قراءته، ورتلها ترتيلًا.
[ 11/ 3 / ٥٧ ]
ونودع في هذه الخلاصة جملة من المباحث التي أوردناها في تفسير الآية، عسى أن تكون أنظار بعض القارئين قد طمحت إلى الإلمام بمقاصدها.
قررنا في فاتحة الدرس قول الشيخ ابن عرفة: "من الناس من ينظر في وجه المناسبة بين الآية وما قبلها؛ كابن الخطيب، ومنهم من لا يلتزمه في كل آية؛ كالزمخشري، وابن عطية، ومنهم من يمنع النظر في ذلك، ويحرمّه؛ لئلا يعتقد أن المناسبة من إعجاز القرآن، فإذا لم تظهر المناسبة للناظر، وهم في دينه، ووقع له خلل في معتقده"، وعلقنا عليه: أن هذا الاختلاف إنما يقع لهم في الآيات التي لم تقترن بنحو حرف العطف؛ إذ يمكن الاكتفاء في بعضها بأن اتصال الآية بما قبلها معتبر فيه الترتيب بينهما في النزول الوارد على حسب الوقائع والحاجات، أما إذا اتصل بها حرف الوصل، كهذه الآية، فتطلُّب المناسبة متعين؛ لأن رعايتها حينئذ داخلة في حقيقة البلاغة التي هي الركن الأعظم في الإعجاز. ثم أتينا على عقد المناسبة بين هذه الآية وما قبلها.
ثم انتقلنا إلى بيان قول القاضي في تفسير الآية: "لا يستقيم للمؤمنين أن ينفروا جميعًا لنحو غزو، أو طلب علم، كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعًا؛ فإنه يخل بأمر المعاش". والبيان: أما خطر انصراف الناس قاطبة إلى اجتناء ثمر العلوم، وإخلاله بمطالب حياتهم، فلأن الإنسان يفتقر في تحصيل معاشه ووسائل بقائه إلى مساعدة أبناء جنسه، ولا يستطيع أحد أن يقوم بها وحده، وإن بلغ أشدّه في استقامة البنية، وسعة الفكر، فإذا نفر الشعب بحذافرهم، وولوا وجوههم شطر الارتواء من العلم، ضاعت واجبات اجتماعهم، وانتقضت عليهم قواعد العمران من زراعة وصناعة وتجارة.
[ 11/ 3 / ٥٨ ]
وأما تخلفهم جميعًا، وقعودهم عن الرحلة في طلب العلم، فإنه يخل بنظام العيش من جهة أن جهل القبيلة بما أرشدت إليه الشريعة من العقائد والأخلاق، وخلوّها عما فصّلته من قوانين الاجتماع وضروب السياسات، يفضي إلى انتشار المفاسد، واشتعال نار الفتن مثلما كانت عليه حال العرب في جاهليتها، ولا تخالجنا الريبة في هذه الحقيقة، متى شاهدنا انتظام شؤون العمران، وتوفر أسباب الراحة لدى بعض الأمم العارية عن الصبغة الدينية، فإنها ما وصلت إلى تلك التراتيب التي ضربت بها أطناب الأمن والسكينة، إلا بعد أن فتحت أعينها في نظامات الشرائع السماوية، أو اقتدت على آثار الأمم المتدينة.
وفضائل العبادات أيضًا لها مدخل في انتظام العيش بمعنى: قرار النفس، ورضاها عما سخر الله لها من العيش، وهذا يعتبره الإنسان من نفسه متى نظر إلى حالته، وهو ملتفت بقلبه إلى زخارف الدنيا، وقاسها بحالته إذا أقبل بسريرته على ما يقربه إلى فاطر السموات والأرض؛ فإنه يجد في هذه الحالة من لذة اليقين، وراحة الخاطر ما يكشف له عن كدر كان يمازج قلبه، وحزازة هي أثر القساوة والإعراض بجانبه عن الطاعة، فيرى أن العيش المنتظم على الحقيقة إنما هو عيش الفائزين بهداية الدين علمًا وعملًا. وعبر في الآية بالمؤمنين دون الناس؛ لأن الآية مسوقة للحثّ على القيام بعمل، والأعمال إنما يرجى الامتثال فيها من المؤمنين، ولو كان الأمر هنا بواجب من العقائد، لناسبه التعبير بنحو: الناس. وقد قرر بعض المفسرين -فيما أعهده-: أن من عادة القرآن التعبير بمثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] إذا كان المخاطب به مما يرجع إلى أصل من أصول الدين، فإذا كان المأمور به
[ 11/ 3 / ٥٩ ]
فرعًا من الفروع، صدر الخطاب بنحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤].
أو يقال: إن ذكر المكلفين هنا بوصف الإيمان؛ لمقوية داعيتهم، وإغرائها على العمل بأسلوب لطيف؛ فإن في تسميتهم بالمؤمنين تلويحًا إلى صفة الإيمان بالله من شأنها أن تبعث على حسن الطاعة، والمسارعة إلى امتثال أوامره.
وتعرضنا عقب هذا إلى البحث في لفظة: "كافة"، فقررنا أن ابن هشام ذهب في "مغني اللبيب" إلى أنها من الأسماء التي لا تخرج عن النصب على الحال، وخطأ الزمخشري في قوله بخطبة "المفصل": "محيطًا بكافة الأبواب"، وقد صحح الشهاب في "شرح درة الغواص": أنها لا تلزم النصب على الحالية: ومما استشهد به القائلون بانفصالها على الحالية: قول عمر بن الخطاب - ﵁ -:، قد جعلت لآل بني كاهلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مئتي مثقال ذهبًا إبريزًا".
قال الدماميني: إن صح هذا، سقط القول بملازمتها للنصب على الحالية.
وتعليق الدماميني مفارقة "كافة" للحالية على صحة الأثر مما جرى فيه على سنن التحقيق؛ فإن المحرر في الأصول العالية لعلم العربية: أن الكلمة إذا وردت في محل، ولم يسمع استعمالها في غيره، فإنما تطرد في الموضع الذي سمعت فيه، ولا يقاس عليه غيره من المواضع، ومن هذا تخصيصهم: "فل، ولومان، ونومان" بالنداء، ونحو: "قط، وعوض" يختصان بالظرفية، وبنى على هذا الشيخ ابن الحاجب أن لفظة "كل" إذا أضيفت إلى الضمير، لم تستعمل في كلامهم إلا توكيدًا، أو مبتدأ، فيمتنع
[ 11/ 3 / ٦٠ ]
جعلها مفعولًا به، أو فاعلًا.
ثم قلنا: ويندرج في التفقه في الدين: تعلم ما يرجع إليه من أحكام وعقائد وأخلاق، وأما إطلاق الفقه على معرفة الفروع خاصة، فعرْفٌ حادث بعد نزول القرآن، فلا يصح تفسير الآية به؛ فإن القرآن أنزل بلسان عربي؛ ليتمكن العرب من فهمه، فينتفعوا بالعلم به في أنفسمهم، ويبلغوه إلى غيرهم من الأمم لعلهم يتذكرون، وهذه الحكمة تستدعي أن يكون الكتاب جاريًا في سائر استعمالاته على المعاني المألوفة لهم في موضوعات لسانهم، وأساليب كلامهم، وإذا ألقى إليهم قولًا مجملًا، أو كلمة لم يسبق لهم علم بمدلولها، لم يتمادوا على الجهل بها، وتعلموا بيانها عن رسوله - ﷺ -. فإذا لم تكن الكلمة معهودة الاستعمال في معنى وقت الوحي، ولم يعينه صاحب الشريعة في بيانها امتنع حملها عليه، وبهذا يظهر عدم صحة ما قاله بعض البيانيين في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلخ الآية، من أن استعمال "لو" في الاستدلال بامتناع الفساد على امتناع تعدد الآلهة وارد على قاعدة أهل المعقول، والصحيح ما قاله الشيخ ابن الحاجب من أنه استعمال عربي فصيح، كما لا يستقيم قول بعض الكاتبين على قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]: إن المراد: الشعر الذي هو أحد أقسام القياس، وقد أنكر الشيخ ابن تيمية على من فهم التأويل في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] على معنى صرف اللفظ عن المعنى الراجح لدليل يقترن به؛ لأنه معنى اصطلح عليه طوائف من المتأخرين، ولم يكن معروفًا للسلف بهذا الوضع، بل مسمّى التأويل في لغة القرآن هو نفس المراد بالكلام من الأمور الموجودة في الخارج.
[ 11/ 3 / ٦١ ]
ثم قررنا تفاوت العلوم في الشرف، واستطردنا أن الإقبال على العلم أفضل من الاشتغال بالعبادة لوجهين:
أحدهما: أن مصلحة العبادة خاصة، ومصلحة التعليم عامة، وما له مصلحة عامة أشرفُ مما مصلحته خاصة.
ثانيهما: أن في التعليم درء مفسدة، وفي العبادة جلب مصلحة، ودر المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولا سيما ما يدرأ الخلل في الدين، قال ابن جماعة في "كشف المعاني" عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]: المستعاذ به في هذه ثلاث صفات، والمستعاذ منه شيء واحد، وهو الوسوسة، والمستعاذ به في السورة قبلها صفة واحدة، والمستعاذ منه أربعة أشياء؛ لأن المطلوب في سورة الناس: سلامة الدين من الوسوسة القادحة فيه، والمطلوب في سورة الفلق: سلامة النفس والبدن والمال، وسلامة الدين أعظم وأهم، ومضرته أعظم من مضرة الدنيا، فموقع الدين من النفوس شديد، ولهذا كان تأثيرها للاستخفاف بشأنه، أو تحريف بعض حقائقه فوق كل تأثير، وانظروا إلى فرعون لما أراد صرف وجوه القوم عن اتباع موسى - ﵇ - كيف قدّم لهم التخوف منه على تبديل دينهم، فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦].
هذا في دين يفتضح صاحبه لأول كلمة ترمى لإبطاله، فما بالكم بدين كشف عن صفاء فطرته كتاب حكيم، وخضع لسطوته كل فكر مستقيم.
ثم أوردنا -بعد تقرير ما أمرت به الآية من تعلم أحكام الدين- قول العضد في خطبة "المواقف" ناقلًا عن بعض الأئمة: إن المراد من الاختلاف في حديث: "اختلاف أمتي رحمة": اختلاف هممهم في العلوم، فهمّة واحد
[ 11/ 3 / ٦٢ ]
في الفقه، وهمّة آخر في الكلام، كما اختلفت همم أصحاب الحرف؛ ليقوم كل واحد بحرفة، فيتم النظام، وعلقنا عليه: أن الذي يحمل الحديث على هذا المعنى يقصد التباعد من فهم الأثر على معنى: اختلاف الأمة في آرائها، ولا يرضيه أن تدخل الرحمة من ناحية اختلاف الآراء، ولو في الفروع؛ لأن نصوص الشريعة طافحة بالنهي عن الاختلاف بإطلاق، وذوو الاجتهاد مأمورون ببذل الوسع في إزالته، والتلاقي في مذهب واحدة كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [النساء: ٥٩﴾ إلخ الآية، لكنهم إذا أفرغوا جهدهم في البحث عن الأدلة، وأمعنوا النظر فيها بقصد الوصول إلى ما هو حق، ثم أدركهم العجز عن الاتفاق، فالعذر قائم، وباب العفو مفتوح، والعفو عن هذا الاختلاف وعدم مؤاخذتهم عليه لا يقتضي أن في الخلاف رحمة، وأنه أصلح من الوفاق، وأسعد من تضافر الآراء على مذهب.
نقلت قول القاضي: أن في الآية إيماء إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم من العلم: أن يستقيم، ويقيم غيره، وتخلصنا منه إلى أن أعظم درجات الإنسان وأشرفها أن يكون كاملًا في نفسه، ومنبعًا يتدفق منه الصلاح والكمال إلى غيره.
ووصلنا هذا بنكتة لطيفة أعهدها لبعض المفسرين عند قوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] وهي أنه وقع تشبيه النبي - ﷺ - بالسراج دون أن يمثله بنحو القمر الذي هو أغزر نورًا؛ لأن القمر يضيء في نفسه، ولا يمكن أن يستمد من ضوئه عدة أجرام تكون مضيئة في نفسها؛ بخلاف السراج، فإنه في ذاته، ويمكن أن يقتبس منه سرج لا يشملها الإحصاء، فالتمثيل به أو فى بالمراد، وأقرب مطابقة لحاله - ﵊ -.
[ 11/ 3 / ٦٣ ]
أتينا هنا على أن المنذر يتعين عليه أن يتحرى في إنذاره؛ بحيث لا يستند فيه إلا إلى علم صحيح من آية، أو حديث ثابت، أو نص من يقتدى به من الأئمة، وخرجنا منه إلى جريمة الحكم بغير ما أنزل الله، وقررنا ما نعهده للرازي في آية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ﴾ [المائدة: ٤٤] وفيما نقلناه من الأجوبة عن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]: أن المشار إليهم بالكفر هنا من حكموا بغير ما أنزل الله معتقدين أن ما قضوا به أوفق بالسداد، وأحفظ للمصالح.
وأدرجنا هنا دقيقة للشيخ ابن عرفة، وهي: أن أسلوب الآية أبلغ من أن لو قيل: "ومن حكم بغير ما أنزل الله"؛ فإن هذه العبارة لا تتناول من تقدم إليه الخصمان بقضية، فأهملها، وهو يستطيع فصلها؛ بخلاف الآية؛ فإنها تتناول من حكم في القضية بالباطل، ومن أبي الحكم فيها بما أنزل الله، وسكت، وهو منتصب في مقام الفصل بين الناس.
انتقلنا إلى أن للإنذار بالقرآن تأثيرًا بالغًا على النفوس؛ بحيث لا يقوم كلام البشر مقامه، وإن ارتقى من البلاغة ذروة سامية. واستطردنا مقالة نفيسة لصاحب "المنهاج"، وهي: أن الله تعالى خصّ القرآن بأنه دعوة وحجة، ولم يكن مثل هذا لنبي قط، إنما كان لكل واحد منهم دعوة، ثم يكون له حجة غيرها، وقد جمعها الله لرسوله - ﷺ - في القرآن، فهو دعوة بمعانيه، حجة بألفاظه، وقلنا عقب هذا: إن القرآن حجة بمعانيه أيضًا؛ فإن استقامة سائر ما احتوى عليه من القضايا، وانطباقها بجملتها وتفاصيلها على مناهج الحكمة، ورسوم السياسة العادلة، يدل دلالة مثل فلق الصبح على أنه وحي سماوي، وأنه بريء من أن تبتدعه أفكار البشر، وبهذا يمكن للعجم الذين لا يحسنون
[ 11/ 3 / ٦٤ ]
العربية أن يدركوا وجهًا من إعجازه متى نقلت لهم معانيه الأولية بترجمة محررة.
ثم قررنا عند قوله: ﴿قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]: أن إضافة القوم هنا للعموم، ومعلوم أن الجمع المضاف من صيغ العموم، فتفيد الآية: أنهم ينذرون بما تعلموه من الفقه كل فرد من أفراد قومهم، فيبطل ما يزعمه بعضهم من أن لأهل التصوف أحكامًا خاصة يتلقونها بطريق الباطن.
قال أبو إسحاق الشاطبي: لم يشرع الله تعالى إلا ما جاء به النبي - ﷺ -، وتلقاه منه الصحابة، ثم العلماء. والتصريح بإبطال أن يكون للعارفين بالله أحكام تخصهم فيه سد لباب الخروج عن تقاليد الشريعة، زيادة على كشفه عن الحقيقة؛ فإن فتح هذا الباب يفضي أن ينبذ كثير من الناس الجادة، بدعوى: أنهم بلغوا درجة الولاية، وأنهم متعبدون بأحكام باطنة، وأهل التصوف الخالص أنفسُهم يصرحون بهذا.
قال الإمام الجنيد -حسبما نقله الزركشي في شرح "جمع الجوامع"-: من لم يحفظ القرآن، ويكتب الأحاديث، لن يقتدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة.
ذكرنا استدلالهم بالآية على أن خبر الآحاد حجة، ثم قلنا: اشتهر بين الأصوليين أن خبر الآحاد حجة في العمليات، وأما المسائل العلمية، فلا يتمسك فيها إلا بقاطع، قال الإمام في "المحصول": إن ورد خبر الآحاد في مسألة علمية، وليس في الأدلة القاطعة ما يعضده، رد، وإلا، قبل. واختار الشيخ ابن عرفة أن المسائل العلمية التي لا ترجع إلى العقائد يكتفى فيها بالأدلة الظنية؛ كخبر الآحاد، وإنما يشترط القطع في العمليات الراجعة إلى العقائد الإيمانية.
[ 11/ 3 / ٦٥ ]
واستطردنا هنا مسألة اعتراض خبر الآحاد لقاعدة كلية، وأوردنا في مساقها ما ذكره أبو بكر بن العربي في تفصيل مذاهب الأئمة الثلاثة، وهو قوله: إذا جاء خبر الآحاد معارضًا لقاعدة من قواعد الشرع، هل يجوز العمل به، أو لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز، وتردد مالك في المسألة، ومشهور قوله، والذي عليه المعول: أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى، قال به، وإن كان وحده، تركه؛ كحديث العرايا؛ فإنه صادمته قاعدة الرب، وعاضدته قاعدة المعروف.
وأتى بنا سؤال من أحد الحاضرين إلى معنى القاعدة ومأخذها، فقلنا: هي قضية تنتزع من دلائل متفرقة في الشريعة حتى تكون قطعية في نفس من استقرأها من المجتهدين؛ كقاعدة: ارتكاب أخف الضررين، فمن مأخذها قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] فإن إعابة السفينة ضرر، ولكنه أخف من أخذ الملك لها بسلطة غاصبة، ومن منازعها حديث الأعرابي الذي جعل يبول في المسجد، وزجره بعض الصحابة، فقال لهم النبي - ﷺ -: "لا تزرموه"؛ فإن بوله في المسجد ضرر، إلا أنه أخف من الضرر الذي ينشأ من إمساكه عن البول قبل فراغه.
وجئنا في تفسير: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢﴾ على اختلافهم في حرف الترجي الواقع في كلام الله تعالى؛ فإن منهم من يخرجه على معنى التعليل؛ كما ذكره ابن هشام في "مغني اللبيب"، ومنهم من يصرفه إلى المخاطبين؛ كما نقله صاحب "الإتقان" عن سيبويه؛ حيث قال في معنى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: ٤٤]: اذهبا على رجائكما وطمعكما. ويجري على هذا كل ما فيه حرف تَرَجٍّ، نحو قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].
[ 11/ 3 / ٦٦ ]
وكان بعض التلامذة حين شرعت في إقراء الدرس قائمين على أقدامهم من ورائي يوردون أسئلة، ويطالبون إعادة بعض التقارير، وما لبثوا أن انقلبوا إلى السكينة والإصغاء، وكانوا يلهجون عند الاستحسان بكلمة: "كويس" تصغير كيّس.