رافقني بعد انفصالنا عن الدرس طائفة من التلامذة، فمررنا بمنزل كان أحد الجلساء به الأستاذ الشيخ الزنتاني، فوقف موقف التحية، وحدثه أحد الرفقاء بما كنا بصدده من قراءة التفسير، فتوجه لي وقال: قد أحييت سنّة الشيخ ابن عرفة، فذكر له الرفيق: أن الدرس أيضًا يحتوي على مباحث متعددة منقولة عن الشيخ ابن عرفة.
تفضل عليّ بالزيارة في هذا المساء السيد شرف أحد الأعيان في عائلة أشراف مكة المحترمة، فمثّل لنا بعلو همته، وسلاسة أخلاقه كيف تكون همم بني هاشم وآدابهم، ثم أخذ بيدي حتى امتطينا عربة سارت بنا لإجابة دعوة السيد الشريف بن حمودة، ولما انقضت المسافة، ضرب كل منا بيده إلى كيسه ليتولى خلاص أجر الركوب عن سائر الجماعة، فكانت يد السيد شرف أسرع في فتح الكيس ومناولة الدراهم لسائق العربة، وأكد علينا أن نرد إلى الأكياس بضائعها، فقال له الشيخ محمد الصالح الشواشي على وجه الدعابة: لا تقسم علينا أيها الشريف متطاولًا، فنحن أشراف أيضًا، فتبسم منبسطًا لهذه الجسارة المشعرة بسلامة الضمير وحريته.
وقد تذكرت بهذه المداعبة ما كتبه الشريف الرضي إلى الإمام القادر بالله، وهو:
[ 11/ 3 / ٦٧ ]
عطفًا أمير المؤمنين فإنّنا في دوحة العلياء لا نتفرّق
ما بيننا يوم الفخار تفاوتٌ أبدًا كلانا في المعالي مُعرقُ
إلا الخلافةَ قلّدتك فإنني أنا عاطلٌ منها وأنت مُطَوَّقُ
مضى لنا مع الشرف والشريف مجلس أنس يحاكي نسيم الأسحار، إذا جاءت متضمخة بنفحات الأزهار، ولكننا مررنا عند إيابنا بامرأة جالسة بقارعة الطريق، والناس ملتفة حولها وهي تتلو القرآن بصوت رخيم.
أخذ مني الأسف مأخذه، لما قدمت على المعهد الأزهري حين طويت منه محاضر الدروس، وبرز أساتذته العظام لقضاء أمد الراحة الصيفية في أماكن الرياضة ومهابِّ النسيم، ولم يتفق لي أن أشاهد محضرة درس بهذا الجامع العظيم، وأنبأني التلامذة بأن سائر دروس الجامع معطلة، ولا يقرأ به في هذه الأيام ولو درسًا واحدًا.