بارحنا "مالطة" عند الزوال يوم السبت، واسترسلت السفينة على بحر صامت، ما عدا نسمات لينة تخطر علينا غسق الليل وأطراف النهار، حتى قدمت على مرسى الإسكندرية ضحوة يوم الأربعاء، فنزلنا منزلًا ألقينا فيه رحلنا، وبعد أن طفئت حرارة الهاجرة، خرجت صحبة رفيق يعرف شعاب المدينة، إلى أن وافينا باب مسجد، فجزته لأداء صلاة الظهر، وإثر ما قضيت الصلاة، جلس إمام المسجد مستندًا إلى أسطوانة، ودنا له طائفة من الناس، فقرأ لهم نبذة من كتاب "الشفا" العياض، مع بعض بيانات تدل على أنه ذو حظ من علوم الدين، ثم حان وقت العصر، وبعد أن انصرف من صلاتها، ألقى عليّ السلام متعرفًا لأثري، وعرض عليّ المبيت بمنزله في طرف البلد، فاعتذرت له بقصر مدة الإقامة، وقصد الاستطلاع على مناظر البلد ومعاهدها العلمية.
[ 11/ 3 / ٤٩ ]
امتطيت عربة أتت بنا على مكتبتها القائمة لإزاء إدارة البلدية، فطالعت صحائف متفرقة من نموذج كتبها، ولم يقع بصري فيما طالعته على كتاب نادر يستحق أن نذكره، ثم اجتزنا إلى متحف يقال له: "عمود السواري" يحتوي على تماثيل عتيقة، وعلى عمود قائم ذكر لنا الدليل المكلف باستطلاع الغرباء على المتحف أن ارتفاعه يبلغ ستًا وأربعين ذراعًا، وذكر المقريزي في "الخطط": أن ارتفاعه سبعون ذراعًا، وقال المقريزي أيضًا: ويذكر أن هذا العمود من جملة أعمدة كانت تحمل رواق أرسطاطاليس الذي كان يدرس به الحكمة.
وقصدنا لزيارة مقام الشيخ الأبوصيري، ثم مقام أستاذه أبي العباس المرسي، ويتجمع حول هذين المقامين عدد وافر من الطائفة الظاهرة في زي المجاذيب.
التقينا بالسيد حسن بن عياد من أهالي "جربة" القاطنين بتلك المدينة، وذهب بنا إلى ناد حافل يقال له: "المنشية" فقضينا به جانبًا من الليل في أسمار مؤنسة، واستطلاع على مجامع متنوعة، وهيئات من الملابس المختلفة؛ فإن هذا النادي يأوي إليه السائحون من بلاد الشرق، ولا تتجافى عنه الطبقة العالية من الأهالي، ومما يذود عن جفنك الكرى هنا: أن باعة الجرائد يخترقون الصفوف والمجامع، وهم يصرخون بأسمائها، وأيدي القوم تتلقفها واحدة عقب واحدة.