قام فضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - برحلات علمية باعتبارها وسيلة لترقية العلوم والآداب، وتهذيب النفوس، وإصلاح حال الاجتماع.
فقد نفر الإمام الأكبر إلى بلاد طلبًا للعلم والتفقه في الدين، وسار في الأرض للاطلاع والاعتبار بأحوال الأمم الماضية والحاضرة. وخرج من تونس إلى الشرق مهاجرًا في سبيل الله ورسوله بعد أن سلط عليه الاحتلال الفرنسي سيف الإرهاب، وأصدر عليه حكمًا بالموت، كما هاجر من دمشق إلى القاهرة لنفس السبب، وقضى حياته في مصر داعيًا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومدافعًا عن الإسلام بكل ما أوتي من قوة وجرأة وإقدام، حتى وافاه الأجل فيها، ووقع أجره على الله.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
[ 11/ 3 / ٣ ]
قام المؤلف - ﵀ - بالعديد من الرحلات العلمية إلى الشرق والغرب. فقد زار طرابلس بليبيا عام ١٣١٧ هـ - ١٨٨٩ م، وفي عام ١٣٢١ هـ - ١٩٠٣ م قام برحلته العلمية الأولى إلى الجزائر، وعاد لزيارتها عام ١٣٢٢ هـ - ١٩٠٤ م. كما بدأت رحلته الأولى إلى الشرق عام ١٣٣٠ هـ -١٩١٢ م في الشهر السابع حتى الشهر الحادي عشر، زار خلالها مالطة، والإسكندرية، والقاهرة، وبورسعيد، ويافا، وحيفا، ودمشق، وبيروت، وإستنبول، ثم عاد إلى تونس، ولم يمض شهر حتى عزم على الهجرة إلى دمشق فرارًا بدينه. فارتحل إليها متنقلًا من مصر إلى الشام والحجاز، ثم ألبانيا وبعض بلاد البلقان والآستانة وألمانيا.
وفي عام ١٩٢٠ م ارتحل إلى القاهرة، واستقر فيها حتى آخر حياته، وقام خلالها برحلات إلى سورية ولبنان والحجاز.
وكم كان متشوقًا للعودة إلى الوطن الأم تونس، بعد أن نالت استقلالها. وقد طلب إليه الرئيس الحبيب بورقيية العودة، وكانت يين الرجلين مودة وصلة وثيقة منذ أيام الجهاد والكفاح في مصر. وما إن قبلها الشيخ الخضر، وتهيأ لها، حتى أدركته المنية بعيدًا عن الوطن.
لقد دوّن - ﵀، وأجزل إليه الثواب - مشاهداته عن بعض الرحلات التي قام بها إلى البلدان الأخرى، ونحن إذ نقدم للقارئ المسلم هذه الرحلات، فإن الدافع لذلك هو ما تضمنته من محادثات وتحارير علمية غايتها الدعوة إلى الحق والإصلاح في كل زمان ومكان.
ولم نتمكن من العثور -رغم ما بذلناه من جهد- على مذكراته كاملة عن ألمانيا، والتي نشرت في "صحيفة البلاغ" في بيروت عام ١٩١٨ م، وجريدة
[ 11/ 3 / ٤ ]
"المقتبس" بدمشق والأمل أن نجدها كاملة في المستقبل إن شاء الله تعالى.
وقد اكتفينا بنشر ما اختصرته مجلة "المقتبس" من المشاهدات في الجزأين السابع والثامن من المجلد التاسع ١٣٣٢ هـ - ١٩١٣ م نقلًا عن جريدة "المقتبس" والتي لم نعثر عليها رغم الجهد المبذول.
هذه صفحات من رحلات مشرقة مليئة بالإيمان والجهاد والبذل والتضحية، وهي لمحات عن حياة عالم مجاهد أمضى عمره داعيًا إلى الإسلام، مدافعًا عن الإسلام، والله نسأل السداد والتوفيق.
علي الرّضا الحسيني
[ 11/ 3 / ٥ ]