تشهد أساتذة الحكمة وجهابذة الفلسفة، ويزكيهم طول الاختيار والتجربة الصادقة: أن من انتشر بالأمصار، وجاس خلال البلاد، وعاشر طوائف الناس بنباهة قائمة، وضبط جيد، وعقل لا تأخذه سنة الذهول، يكون أبسط ذراعًا، وأطول باعًا في معرفة ما لنوعه البشري من طباع متباينة، وآراء متشعبة، وعوائد مختلفة، وأهواء متفرقة، وأنه أشد تمكنًا في التخلق بالأحوال التي تقربه عند أولي الألباب، بحيث لا تصدر أقواله وأفعاله إلا عن إرادة قوية، وروية ثابتة، فما يلفظ من قول إلا صادف مرماه، ولا يكسب عملًا إلا كان حسنه في عيون أهل الفضيلة، وذلك لإحاطة مداركه بأوجه السياسة العامة خُبرًا، يعرف حيث يستدل اللين بالحدة، وفي أي حين تستعمل الشدة بدلًا عن الأناة، ولا يخفى عليه في أي المواضع يتعاظم بعزة النفس، وإلى أي حد ينتهي التواضع، وهلمّ جُرًّا.
وضعُ الأشياء مواضعَها المناسبة حتى تلائم فضلاء الناس أمرٌ عسير، لابدّ له من اجتهاد عظيم، لا ينبغ فيه من ينشأ في الحلية، ولا يهدج إلا حول بيته، تجد في الذين يريدون علوًا في الأرض، من لا يمشي فيها إلا مرحًا، وهو
_________________
(١) مجلة "السعادة العظمى التونسية"- العدد التاسع من المجلد الأول والتي أصدرها الإمام في تونس عام ١٣٢٢ هـ.
[ 11/ 3 / ٢١ ]
يشمخ بأنفه كأنما يريد أن يثقب به الفلك الأطلس، ومتى صوبت نظرك إلى قدمه، وجدتها سائخة في الدرك الأسفل من المهانة.
علّة ذلك: أنه لم يفتح عينه إلا على وجوه آخر له جباهها سجّدًا، ولا يخاطب إلا بأفواه تتدفق عليه أشداقها بعبارات التعظيم والإطراء، فيكون ارتياحه لذلك غشاوةً على بصره تحجب عنه ما ارتكز في سريرته من النقائص، ولو امتطى غوارب الأسفار، وهبت به على المواطن التي لا يعبًا فيها إلا بطارف المجد، ولا يعتنى فيها إلا بالكمال الذي يجري مع صاحبه حيث أصاب وأبصر رجالًا بمنزلة الجن في تفنن الأعمال وإبداعها، وآخرين يضاهون طبقة الملأ الأعلى في أخلاقهم المقدسة، لترفعت همته عن القناعة بما تداهنه به عبيد المطامع الواسعة، وتداجيه به ألسنة الذين في قلوبهم مرض النفاق، وطفق يسعى وراء ما أرشدته إليه المشاهدة إرشادًا صحيحًا، وينسج على منوال ما دلته عليه التجارب دلالة واضحة.
ومن الذين يريدون الحياة الدنيا، من تنبت له الفضاضة في نفوس بعض الأرذلين بذور الرهبة والإكبار، فينتزع من ذلك قياسًا يظنه مطردًا، حتى إذا هجس في خاطره استرقاق بعض الضمائر الحرة، أسرع إلى جرح إحساساتها، ولربما عمد إلى إرهابها بمد يده إلى إنقاذ مقاتلها، ولو مارس مثل هذا أبناء الزمان شعوبًا وقبائل، واختبرهم ظهرًا وبطنًا، لعلم علم اليقين أن من الأفئدة ما لا يستعبده إلا الجميل من القول، ولا يرد جماحه إلا بزمام الرفق والملاطفة.
ومما كان للناس عجبًا: أن يحل الرجل بعض النوادي، فيرمي بالكلمة ولا يلقي لها بالًا، فتهتز لها الرؤوس عجبًا، وتبتسم لها الثغور اعترافًا بحسن
[ 11/ 3 / ٢٢ ]
موقعها، فيأخذ أحد قرنائه في العمل على شاكلتها، فتصاعر له الخدود، وتقطب له الوجوه، كأنما جاء شيئًا فريًا.
النكتة في هذا المثال: اغترار هذا القرين بأن تلك الكلمة إنما أودعت في القوم نشوة بانسجام لفظها، أو إصابة معناها، لا لأنها وردت عليهم مخضبة بصبغة الانتساب إلى مصدر خاص، والمطلع على ما لبني جلدته من المذاهب المتنوعة، والشؤون المتخالفة، المتصرف فيها تصرفًا واسعًا، لا يلدغ من مثل هذا الأغوار الضيقة.
وكأني بمن يترصد مواضع النقد في الكلام، يوحي إلينا: أن من أبناء السبيل من لم يزدهم الاغتراب إلا خورًا في طباعهم، وانحلالًا في عقدة إيمانهم، وتشدقًا في الأقوال مع عجز في الأعمال، غمسوا وجوههم في الخبائث حتى نضب منها ماء الحياة، وانسدل عليها من السماجة والقحة قناع كثيف، ثم تمادوا يبنون معتقداتهم على ما يسمى عندهم: بحرية الفكر، حتى تلفقت لهم ديانة لا شرقية ولا غربية، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]. ولو انزوت هذه الفئة في حنايا بيوتهم، لكان خيرًا لهم، وأخف فتنة على السماعين لهم.
فنقول: هذا لا ينصدع به الجدار الذي كنا بصدد إقامته؛ إذ لم نقل: إن السفر النافع هو مبارحة الأوطان كيفما اتفق، والجولان بالمدن والقرى كيفما كان الحال.
السفر لا يربي لصاحبه ملكة بالأدب إلا إذا قارنته فطنة مستيقظة تبحث عن أسرار الاجتماع، وتدقق النظر في تمييز الحسن من المعيب، لو قلت: إن هذه الشرذمة لم تهتد إلى غير المنازل التي تأوي إليها الأراذل، وتسكن إليها
[ 11/ 3 / ٢٣ ]
السفلة، استنادًا إلى دعاويهم الطائلة، وأفكارهم الخاوية، لم أكن مخطئًا.
أما انحلال عقيدة إيمانهم، فلأن عقائده الحقة إنما بنيت عندهم على هاوية التقليد، فلما هبت عليها أعاصير الشبه، نسفتها من صدورهم نسفًا، فغادرتها قاعًا صفصفًا، فأصبحوا وهو في ريبهم يترددون.
وتلك آيات الكتاب الحكيم التي لم تترك للأدب وجهًا جميلًا إلا كشفت لثامه، ولا شرعة لأعلاء النفوس الطاهرة إلا فتحت أبوابها، وقومت ما نشز من كعوبها، تحثنا على سلوك هذه الجادة حثًا أكيدًا، وتنبئنا بغياتها التي هي: الآداب الروحية، والمعارف التي تكمل بها السعأدة في الدنيا، ويتوسل بها إلى السعادة في الآخرة. قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢﴾ الآية. والتفقه في الدين كما يصدق على الأحكام التي تتلقى بطريق السمع، يندرج فيه التنبه لفهم الدقائق والأسرار التي تؤخذ من الأمور الحاضرة بواسطة المشاهدة، ولقد كان لعلمائنا العناية الكبرى، والعزيمة الماضية في النهوض للرحلة، والتجلد على اقتحام ما كان فيها من المشاق.
كان السفر قطعة من العذاب، بل العذاب كله، فمن اتخذ سبيله في البحر سربًا، لا يزال ينظر إلى أمواجه نظر المغشي عليه من الموت، كأنما ينفتح له ما بين كل موجتين قبر، وعواصف الرياح تقلبه ذات اليمين وذات الشمال، فيقضي شهورًا، أو ما قدر له، وهو على أعواد مشرف على الهلاك، لا يمسكه عن الوقوع في مهواته إلا خيط أجله، وإن كان السفر برًا، فلا تسل عما يحيق بأهله عندما يحمى بهم وطيس الظهيرة، أو يجمد عليهم زمهرير الغدو والآصال، والمخاوف تنسل عليهم من كل فج عميق.
[ 11/ 3 / ٢٤ ]
أما الآن، فقد أصبح السفر قطعة من النعيم، فمن لقي من إقامته نصبًا، ورام اغتنام الراحة وصفاء البال، بادر له بكل حزم ونشاط، غيرَ متوجس خيفة من تلك الغوائل المزعجة.
وبعد، فهل لإخواننا الكرام أن يسمحوا لنا بأن نعرض عليهم حاجة في أنفسنا ليقضوها، وإن قال قائل منهم: إنها كبرت كلمة تخرج من أفواهنا. وهي: أن نستنهض هممهم، ونستمنح من عواطفهم أن يطرحوا شيئًا من الشغب بالمنازل، والعكوف على الإقامة بها، ويسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين سعوا جهدهم في خدمة الدين والوطن، ويساهموهم فيما يعودون به على أنفسهم وذوي أخوتهم من المساعي الحميدة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
[ 11/ 3 / ٢٥ ]