ذهبت إلى الجامع الأزهر لأذان العصر، وانتدبت للتحية مكانًا بين مجمعين لتعليم القرآن، فانشق صدري أسفًا لأحد المعلمين؛ إذ كان لا يضع العصا من يده، ولا يفتر أن يقرع بها جنوب الأطفال وظهورهم بما ملكت يده من القوة، وربما قفز الصبي آبقًا من وجع الضرب الذي لا يستطيع له صبرًا، فيثب في أثره بخطوات سريعة، ويجلده بالمقرعة جلدًا قاسيًا، حتى قلت لأزهري كان بجني: من جلس إزاء هذه المزعجات، فقد ظلم نفسه. وذكرت أني كنت ألقيت خطبة في أدب تعليم الصبيان ببلد بنزرت (١) حالما كنت
_________________
(١) مدينة على الساحل التونسي تولى الإمام القضاء فيها عام ١٩٠٥ م.
[ 11/ 3 / ٥٦ ]
قاضيًا بها، وأدرجت فيها ما قرره صاحب "المدخل" من الرفق بالصبي، وعدم زيادة المعلم إن اضطر إلى ضربه على ثلاثة أسواط، وتحذيره من اتخاذ آلة للضرب مثل عصا اللوز اليابس، والفلقة. ولما خطبت في هذه الآداب، أرسل لي بعض المعلمين كتابًا على طريق البريد يعترض فيه على نشر هذه الآداب، ويقول: إن هذا مما ينبه قلوب التلامذة للجسارة علينا.
وكان أمامي في هذه الجلسة تلميذان يتفاهمان كتابًا في العربية يطالعانه، بمقربة منهم تلميذ ثالث، حتى أتيا على قول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . على أن فاها كالسلافة أو أحلى
فقال أحد التلميذين: السلافة: الخمر، فقال له ذلك التلميذ الذي هو بمعزل عنهما: السلافة: حيوان، فأعاد عليه الأول القول بأنها الخمر، وكرر الآخر القول بأنها حيوان، فقال له صاحبه منبهًا له على وجه خطئه: "أو أحلى، أو أحلى! "، فرجع وقال: السلافة شيء ضيق، قال هذا ليلائم تشبيه الفم بها، وأظنه اشتبه عليه أولًا لفظ السلافة بالسلحفاة.