سايرني بعد أن انتثر عقد المجلس بعض التلامذة، واقترحوا عليّ إقراء درس من التفسير، وحكوا أن لغيرهم من أهل العلم حرصًا أكيدًا على هذا الاقتراح، فبسطت إليهم بمعذرة أني قد ربطت العزم على الرحيل صبيحة يوم الأحد، فقالوا: يمكن أن نعيِّن لميقات الدرس عشية غد، ونكتفي بالمقدار الذي يتيسر جمعه وبيانه، والغرض إنما هو المحافظة على سنّة الكثير من أهل العلم حيث يمرون بالأزهر، فما وسعني إلا أن ساعدت مرغويهم، فأحضروا "تفسير القاضي البيضاوي"، ووقع الاختيار على أن يكون موضوع الدرس: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] إلى آخر الآية.
[ 11/ 3 / ٥٥ ]
افتكرت في المنهج الذي نتبعه في تحرير الدرس، فسبق لي استحسان إبرازه في الأسلوب المتعارف في جامع الزيتونة، فلا أسلّ يدي من تقرير ما يناسب من مباحث عربية أو أصولية، أو أحكام فرعية؛ لأن المقترحين للدرس أزهريون.
أتينا صباح يوم السبت على المسجد الذي ابتدعه عبد الرحمن بن الشيخ عليش - ﵀ - وشاهدنا بأعيننا ما رسمه في أعلى مفتحه بالقلمين الأفرنجي والعربي، وأنكره عليه علماء الإسلام. ثم مضينا للوفاء بموعد الشيخ عبد المعطي السقا، فجاز بنا إلى داخل منزله، وأهداني كتابًا حافلًا ألَّفه فضيلة جده المنعم في فضل عمارة المساجد، وللشيخ عبد المعطي عناية كبرى بالفحص عن التآليف النادرة، والسعي الحثيث في تحصيل ما نشرته المطابع في البلاد القاصية. وقد تفضل عليّ بردّ الزيارة، فاتفق أن كنت في خارج المنزل، فكتب بطاقة يشعرني فيها بزيارته، ويتأسف لعدم الملاقاة، وأودعها لدى ناظر "الكلوب".