أشكركم على تنبيهي لتحرير مقال يرفع اللبس الذي حام على بعض الخواطر من فحوى كلمات وردت في مجلة "البدر" (٢). وقد جاذبكم القلم باستفساركم هذا إلى التعرض لبعض حقائق ما كنت أنوي الخوض فيها على صفحات الجرائد، حيث أرى أن مهمه السياسة لم يزل مغبر الأرجاء بشيء
_________________
(١) كتب أحد الأدباء التونسيين إلى الإمام محمد الخضر حسين رسالة يستوضح منه ما جاء في ترجمة حياته في مجلة "البدر" التونسية، وما ورد في الترجمة من عبارات يستشف منها انحياز الإمام لخدمة الدعوة العربية دون الجامعة الإسلامية، فكتب الرسالة التوضيحية، وبعثها إلى صديقه في تونس. وحصلت جريدة "لسان الشعب" التونسية على نص الرسالة، ونشرتها في العدد ١١٣ الصادر بتاريخ (١٦ صفر ١٣٤٢ هـ الموافق ٢٦ سبتمبر أيلول ١٩٢٣ م). وبالرجوع إلى ترجمة الإمام المنوه عنها في مجلة "البدر" العدد الأول من المجلد الثالث لكاتبها الأستاذ زين العابدين السنوسي، نستطلع العبارة التالية: "فلما نزل مصر، تعرف بكثير من دعاة الرابطة العربية؛ مثل ". وهذه الجملة هي التي حرضت الصديق الأديب للاستفسار من الإمام.
(٢) مجلة علمية أدبية تاريخية شهرية، صدرت من (جويليه تموز ١٩٢٠ ولغاية نوفمبر تشرين الثاني ١٩٢٤ م). وقام بتحريرها الأستاذ زين العابدين بن محمد بن عثمان السنوسي، مولده ووفاته بتونس (١٣١٨ - ١٣٨٥ هـ = ١٩٠١ - ١٩٦٥ م).
[ 11/ 2 / ٤١ ]
من الأوهام والغطرسة، علاوة على أن طلاب الحقيقة وذوي البصائر التي تنفذ من معاني الألفاظ إلى مناجاة روح منشئها ليسوا بكثير.
ولكني ألقي إليكم نبذة من تاريخ حياتي في الشرق أيام كان العرب في اتصال مع الدولة العلّية، وهي -فيما أحسب- كافية لكشف اللبس الذي ثار من خلال تلك الكلمات.
قدمت سورية سنة ١٣٣١ هـ فشعرت من نفحات بعض الجرائد، ولحن بعض الخطب والمسامرات: أن من بين سكانها فئة قليلة تعمل للانفصال عن الدولة العلّية، غير متحرزة من عقر الوقوع في قبضة دولة أجنبية، ولكن الجمهور منهم إنما يشكون شيئًا من سوء الإدارة، ولا تزيد أمنيتهم على أن يصلح هذا الخلل، ويعيشوا في ظل الخلافة هادئين.
ولما أمسكت القلم لأطرق باب الدعوة إلى الوفاق، بدا لي أن أكون على بينة من مجرى السياسة؛ لأجمع بين النصح للدولة، وعدم الإغضاء عن حق الأمة، فكنت أنشر مقالات وقصائد في مجلة "البلاغ" (١) وغيرها، أقيم فيها الحجة على أن في نفوس أولئك المتطرفين لطخًا من الغباوة، أو القصد إلى العبث بمستقبل الأمة، ثم أنبه الدولة على وجه التذكرة لإصلاح بعض مغامز هي بأجمعها لا تبلغ جزءًا من مئة إذا قيست بما تعانيه الشعوب الإسلامية الأخرى من أخف الدول الأجنبية وطأة.
ومما قلت في قصيدة أدعو فيها إلى اتحاد العنصرين:
ما العرب والترك إِلا إخوة نشآ في مهددين فكانوا السيف والبطلا
_________________
(١) مجلة كانت تصدر في بيروت، ويرأس تحريرها محمد باقر.
[ 11/ 2 / ٤٢ ]
وقد حاز هذا الأسلوب الذي توخيته رضاء الدولة، وارتاحت له نفوس الطبقة العالية من أهل الفضل والعلم.
وكانت الدولة العلية حينئذ تصغي أذنها إلى المطالب العادلة، وأخذت تعمل على تنفيذها؛ كإنشاء مدارس يكون التعليم فيها باللسان العربي، وتشريك أبناء العرب في تقلد المناصب الكبيرة، وفتح باب حرية التحرير والخطابة في النوادي الجامعة على مصراعيه، إلى أن أقبلت سنة ١٩١٤ تجر من ورائها الحرب الطاحنة، وما كان مني إِلا أن أدرت القلم عن مواقع الإصلاح جملة، وأخذت أعمل على ما تقتضيه حال دولة ينشب بها العدو مخالبه من كل ناحية، وتساورها من تحت ثيابها.
ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع
أما اعتقالي "بخان مردم بك" (١) ستة أشهر وأربعة عشر يومًا، فسببه
_________________
(١) المكان المخصص لاعتقال رجال السياسة في عهد جمال باشا السفاح. ومن أجمل الشعر ما قاله الإمام في سجنه: غلَّ ذا الحبس يدي عن قلم كان لا يصحو عن الطرس فناما هل يذود الغمض عن مقلته أو يلاقي بعده الموت الزؤاما أنا لولا همة تحدو إلى خدمة الإسلام آثرت الحماما ليست الدنيا وما يقسم من زهرها إلا سرابًا أو جهاما ومما قاله في السجن، وكان معه في الاعتقال الأستاذ سعدي ملا الذي أصبح رئيسًا للوزارة في لبنان، وقد جرى بينهما حديث حول الحضارة والبداوة: جرى سمر لما اعتقلنا بفندق ضحانا به ليل وسامرنا رمس فقال رفيقي في شقا الحبس إن في الـ حضارة أنسًا لا يقاس به أنس فقلت له: فضل البدواة راجح وحسبك أن البدو ليس به حبس
[ 11/ 2 / ٤٣ ]
أني حضرت مجلسًا أخذ فيه بعض المحامين يخوض في سياسة الدولة بعبارات جافية، حتى استفتى في نكث العهد من طاعتها، فأخذت أكافحه بالحجة، وأقاومه بالموعظة وضرب المثل، كما شهد بذلك الشيخ صالح الرافعي، واعترف به هو نفسه لدى المحكمة العرفية، إلى أن انقطع الكلام، وانفصم عقد المجلس، فانصرفت، وتحاميت لقاءه من ذلك اليوم.
وما مرَّ مقدار شهرين على الواقعة، حتى بلغ الحكومة أن ذلك المحامي يسعى في تكوين جمعية باغية، وانجر البحث إلى استدعاء الشيخ صالح الرافعي المذكور آنفًا؛ لما بينه وبين ذلك المحامي من صلة القربى. فكان مما بثه بين يدي إدارة البوليس: أن ذلك المحامي كان يطعن في سياسة الحكومة، ويسأل عن حكم الخروج عنها، وذكر لها عني أني كنت حاضرًا في هذا المجلس، وأنكرت عليه حتى قنع ولاذ بالتوبة.
دعتني إدارة البوليس، وسألتني عما جرى، فأخبرتها بالواقع، ولم تتهمني إدارة البوليس بأن لي علاقة بهذه الجمعية قط؛ بدليل أنها لم ترسل من جانبها من يتحرى ما في منزلي من الأوراق كما فعلت مع كل من اشتبهت في أمره. ولكنها ألحت في استجوابي، عسى أن يكون ذلك المحامي حين نثر بعض ما في كنانته بذلك المجلس، قد تحدث بأكثر مما قصصته عليه، ثم رأتني مسؤولًا عن عدم إبلاغ ما صدر من ذلك المحامي للحكومة في حينه، وأذنت باعتقالي حتى يرى المجلس العرفي رأيه.
وكان جوابي عن هذا السؤال: أنه لم يكن لدي ما يشهد بثبوت ما أبلغه عن المتهم إذا وقع على قضية طالبتني الحكومة بالإثبات، وذكرت لهم قضايا غضبت منها الحكومة على من بلغها أشياء، ولم يستطع إثباتها،
[ 11/ 2 / ٤٤ ]
ونسبته إلى الافتراء والتهويش عليها، بل حكمت على بعضهم بالسجن الطويل حيث أبلغها عن أناس أنهم يعقدون مؤامرة ضدها، وعجز عن إثبات ذلك.
وقد تلقى المجلس العرفي هذا العذر بالقبول، وحكم بالبراءة، وتلطف عليَّ رئيس المجلس فخري باشا، وقال لي في نفس الجلسة: هل لك مطلب لدى الدولة نتوسل لك في قضائه؟ فأجبته باني لا أبتغي شيئًا، وعدها بعض الحاضرين إضاعة لفرصة سنحت. وقرر المجلس ما قدم له المدعي العمومي من مخاطبة جمال باشا بطلب مكافأتي على القيام في وجه ذلك المحامي، والإنكار عليه، ولكني لم أتشبث بهذا القرار. وقنعت بما ظهر للدولة والأمة من طهارة ذمتي، وعدم تسرعي إلى النفخ في لهيب الفتنة على غير هدى.
لم أنحرف عن مبدأ تأييد الدولة العلية ومقاومة خصومها جهد استطاعتي، حتى في أثناء مدة اعتقالي، وكان "سعدي أفندي الملا" أحد أعيان طرابلس الشام الذين رافقوني بمكان الاعتقال يقول في شأني للوفود التي ترد عليه للتهنئة بالإفراج عنه: ما رأيت أحدًا يدافع عن الحكومة وهو في معتقلها إِلا فلانًا.
وحيث لم يقدح في نفس الحكومة خاطر اتهامي بمشاركة الذين مالؤوا أعداءها عليها، عينتني بعد تخلصي من ضائقة الاعتقال محررًا بالقلم العربي في دائرة من أقسام وزارة الحربية، وكنت أصل إلى سرائر لا يدنو منها إِلا من نزل عندها منزلة الناصح الأمين، وتماديت على العمل إلى أن عقدت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها.
لم يسعني بعد انعقاد الهدنة ورجوعي من أوربا إِلا أن قفلت راجعًا إلى الشام مفوضًا الأمر إلى الله، وبعد أن استقر بي النوى في دمشق، أضمر
[ 11/ 2 / ٤٥ ]
لي قائدها العربي ما لا تحمد عاقبته، وشرع يناقشني الحساب بواسطة إدارة الأمن العام على علاقتي بالدولة العثمانية، وكان بيني وبينه تعارف أدبي كدت أسميه صداقة، ولما انتهى خبر هذه المعاملة الجافية إلى بعض أصحابنا الذين لهم به صلة متينة، تقدموا إليه باللائمة والإنكار، وجادلوه بشدة، حتى أقنعوه بنني لا أرجح عنصرًا على غيره، إِلا العمل لترقية شأن الأمة الإسلامية، وتأكيد جامعتها، فطوى عندئذ بساط المناقشة والاستجواب، وكتب بيده إلى وزير المعارف يذكر أني عالم فاضل، وأنه لابد من الاستفادة من مقدرتي.
قدمت دمشق، فوجدت بها لجنة دولية أعلنت بأن لمن لحقه أذى من الحكومة العثمانية، ماليًا أو غيره، أن يقدم طلب تعويض؛ لتسجله، وتدفع له المقدار المطلوب في وقت قريب، وهي ترجع به من بعد على الحكومة العثمانية، فتهافت عليها الناس من كل حدب، ومن بينهم طائفة اعتقلوا بضعة أشهر، وبرئت ساحتهم، فتقدموا إلى اللجنة يطلبون ألفي جنيه تعويضًا، وقررت لهم اللجنة ذلك، ولقد حثني بعض القوم على أن أفعل مثل ما فعلوا، فاجبته: بأن الدولة لم تظلمني فتيلًا، واقتضاء المال من بيت مال المسلمين على هذا الوجه غير سائغ بإجماع.
هذا ما أسمح اليوم ببثه، وأراه كافيًا في إماطة اللبس الذي أتى من ناحية بعض الكلمات المعبر عنها في مجلة "البدر"، وللتاريخ بعد هذا لهجة ينكشف لصراحتها كل لبس، وحكم نافذ ليس من ورائه استئناف.
محمّد الخضر حسين
القاهرة - سنة ١٣٤٢ هـ
[ 11/ 2 / ٤٦ ]