الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
جناب العلامة النحرير الأمجد الأستاذ أخينا الشيخ سيدي محمد الصادق النيفر (١) -حرسه الله تعالى-.
أما بعد إهداء أكمل التحية:
فإنّا نحمد الله على ما شملنا من العافية، نهنيكم بإحرازكم على خطبة
_________________
(١) محمد الصادق بن محمد الطاهر النيفر، من عائلة علم وفضل، أخذ علومه في جامع الزيتونة عن كبار شيوخه: سالم بوحاجب، ومحمد النخلي، ووالده، ومحمد رضوان، ومحمد بن يوسف، وغيرهم. تولى التدريس بجامع الزيتونة مدرسًا من الطبقة الأولى، كما تولى الإمامة والخطابة في جامع باب البحر "المعروف بجامع الزرارعية"، وكان له تأثير كبير في المصلين، ونال سمعة ومكانة في الميدان العلمي. عمل في الحزب الحر الدستوري. اشتغل قاضيًا في صرامة وعدل. مؤلفاته: حاشية على شرح التاودى للعاصمية -ذيل الديباج المُذْهب لابن فرحون- سلوة المحزون في تتمة كشف الظنون. مولده ووفاته بمدينة تونس (١٢٩٩ - ١٣٥٦ هـ = ١٨٨٢ - ١٩٣٨ م). وكتب الإمام عنه كلمة بعد الوفاة في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء التاسع من المجلد العاشر.
[ 11/ 2 / ١٣ ]
التدريس (١)، بل نهنئ الجامع الأعظم (٢) على انتظام مثلكم في سلك مدرسيه.
تلقيت مكتويكم العزيز، فملأ قلبي أنسًا، ولكنه أذكى لاعج الشوق إلى مجالسكم المؤسسة على المصافاة، المطرزة بالآداب.
تأخر عني مكتويكم، فقلت: لعله أمر اقتضاه الحال؛ لأني على ثقة من خالص ودكم، وأعلم أن بُعْدَ الدار لا ينقص منه فتيلًا، حتى وافى وهو يعرب عن عذر واضح، بل يبشر بمنْية طالما استشرفت لها النفس، وعلق بها رجاؤها.
تعين أخونا زين العابدين (٣) من الآستانة معلمًا ابتدائيًا في هذا المكتب السلطاني أيضًا.
دخل أخونا المكي (٤) معلمًا ابتدائيًا في مكتب أهلي.
_________________
(١) خطبة التدريس: ويقصد بها: وظيفة التدريس.
(٢) الجامع الأعظم: جامع الزيتونة الذي عرفت به تونس، وعُرف بها. من أعظم مراكز الإشعاع الإسلامي، وإذا تحدثنا عن أهم المعاهد الإسلامية لقلنا: الجامع الأزهر في القاهرة، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القروين بفاس. ابتدأ بناء جامع الزيتونة على يد الأمير حسان بن النعمان الغساني الذي دخل أفريقية سنة ٧٩، ثم جاء الأمير عبد الله بن الحبحاب الداخل سنة ١١٤ هـ، وأتم بناءه سنة ١٤١ هـ ثم أحدث فيه الأمير زيادة الله بن الأغلب التحسينات، وأصبح من أفضل الجوامع المبنية من الرخام والمرمر. وتطورت نظم التعليم فيه من ابتدائي وثانوي وعالٍ "انظر كتاب: تونس وجامع الزيتونة - للإمام محمد الخضر حسين".
(٣) شقيق الإمام، وستأتي ترجمته.
(٤) محمد المكي بن الحسين بن علي بن عمر، باحث لغوي، أديب وشاعر. ولد ببلدة "نفطقه" في الجنوب التونسي، وتلقى علومه بجامع الزيتونة، وحصل على =
[ 11/ 2 / ١٤ ]
لقينا من أهل دمشق حفاوة واحترامًا فوق ما نستحق، لا سيما من الناشئة المتأدبة، وكثير من أهل الفضل والعلم، حتى ظهر منهم الاستبشار، وأقبلوا على تهمئتنا عندما بلغهم تعييننا لتدريس آداب اللغة العربية والفلسفة بمكتبهم (١).
يعنون بآداب اللغة العربية: الإنشاء، والبيان والبديع، وقرض الشعر، والعروض، وبيان أطوار اللغة في الجاهلية والإسلام، وشرح قصائد انتخبوها لبلاغتها، وما يشاكل ذلك.
وهذا الدرس كدرس الفلسفة، يحضره التلامذة الذين سبق لهم في التعليم نحو عشر سنين.
سافر في الجمعة الماضية الشيخ عبد العزيز جاويش (٢) في وفد لتأسيس
_________________
(١) = شهادة "التطويع"، رافق عائلته في هجرتها إلى دمشق (١٣٣١ هـ - ١٩١٢ م). وقام بالتدريس في مدارس دمشق. وعاد إلى تونس عام (١٣٣٨ هـ - ١٩٢٠ م)، واستقر بها منصرفًا إلى البحث اللغوي حتى وفاته (١٣٠١ - ١٣٨٢ هـ = ١٨٨٣ - ١٩٦٣ م). مؤلفاته مطبوعة.
(٢) المدرسة السلطانية بدمشق.
(٣) عبد العزيز بن خليل جاويش، تونسي الأصل، من أهل العلم والأدب، ومن رجال الحركة الوطنية المصرية، ولد بالإسكندرية، وتوفي بالقاهرة (١٢٩٣ - ١٣٤٧ هـ = ١٨٧٦ - ١٩٢٩ م)، تلقى علومه في الأزهر ودار العلوم، وكان أستاذًا للأدب العربي في جامعة "كمبردج"، وعاد إلى مصر مدرسًا، ثم مفتشًا للغة العربية، وسجن لمقال كتبه عن حادثة دنشواي. ورحل إلى الآستانة. له تصانيف عديدة، منها: أثر القرآن الكريم في تحرير الفكر البشري -خواطر في التربية والسياسة- الإسلام دين الفطرة.
[ 11/ 2 / ١٥ ]
مدرسة كلية بالمدينة المنورة، وأقاموا احتفالًا منذ خمسة أيام هناك عند وضع الحجر الأول، وتليت خطب.
تعين السيد أحمد تكالي التونسي معلم اللسان الفرنسوي بهذا المكتب؛ أي: الدمشقي.
تعين السيد محمد الصالح جمل التونسي معلم اللسان الفرنسوي بمكتب بيروت.
هذا الانقلاب الذي وقع بالحاضرة (١) كان وقوعه في منزلة المتحقق عندنا، سنَّة الله في الذين ظلموا، وكنا نظن أن نراه رأي العين، ولكن وقع بعد أن سار بنا القدر إلى معترك ثاني من الحياة.
أرجوكم أن تبلغوا أعز السلام مع طلب الدعاء إلى والدنا الشيخ الأكبر (٢)، وكافة من يحويه ناديكم، ولا تتأخروا عنا بمراسلتكم، فينها تطفئ شيئًا من لوعة الشوق، وتخالط أفئدتنا بأنسها اللطيف، وبواسطتها يكون كل منا على بينة من حال صديقه. ودمتم في عز كامل.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
وكتب ٢٠ محرم عام ١٣٣١ دمشق
_________________
(١) مدينة تونس العاصمة، والحاضرة هي خلاف البادية.
(٢) الشيخ محمد الطاهر النيفر والد الشيخ محمد الصادق.
[ 11/ 2 / ١٦ ]