بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فضيلة العلامة الهمام صديقي الأجل الأستاذ الشيخ سيدي محمد الطاهر ابن عاشور-أبقاه الله تعالى مطلع علم وهداية، محفوفًا باجتبار منه ورعاية-.
أما بعد إهداء أطيب التحية، وإبداء أبلغ الأشواق:
فقد طلع علي كتابكم الرفيع الشّان، البديع البيان، فتلقيته تلقي البلد الطيب لغيث وافاه بعد ظمأ شديد، ولكني كدت ألفّ له رأسي استحياء من الإخاء الصادق أن يراني وأنا أتلظى، أتلقاه وقد افتتحتم به طريق المراسلة، ولم يكن قلمي هو الذي بادر إلى فتح هذا الطريق الذي انسد بيننا نحوًا من أربع سنين، وكان حقًا عليّ أن أسبق الأستاذ إلى هذا المظهر من مظاهر الوفاء بالعهد التي طالما كان -أبقاه الله- فيها مجليًا، وكنت مصليًا.
وعندما أقبلت على نفسي أعنفها على ذلك التباطي، لم تَفُه في الاعتذار ببنت شفة، أولم تجد عذرًا يليق إبداؤه بجانب صداقتنا المنقطعة النظير.
ولا أكتم الأستاذ أني قد عزمت على مراسلته لأول يوم انكشف فيه عن تونس ذلك البلاء، وعادت المواصلات إلى حالتها الأولى، ولكن حوادث خاصة عرضت وطال أمدها، فأخذت تؤخر ذلك العزم من اليوم إلى غده، إن لم نقل: من الصباح إلى مسائه، وساعدها على إرجاء المراسلة أخبار مبشرة
[ 11/ 2 / ١١٦ ]
بسلامتكم وطيب حياتكم نتلقاها من الوافدين، أو من بعض المكاتيب الواردة من هنالك.
وهلّ مكتوبكم الكريم إلى مصر وقد غادرتها إلى الشام لزيارة الأهل، ولتمثيل مجمع فؤاد الأول للغة العربية بالمؤتمر الطبي الذي عقد في هذه السنة ببيروت، وحوِّل إلى الشام، وتسلمته بالأمس، فتمليته والشوق إلى مجالسكم بالغ أقصاه.
أما زيارة تونس، فهي البغية التي لا تعرف لها السلوة طريقًا، ولعل الفرصة تسنح في وقت قريب، فاغتنمُها، وليس بيني وبينها إلا أن تتيسر وسائل السفر، وتنضم إلى داعيته التي هي حنين إلى الوطن، وشوق إلى ملاقاتكم التي نعدها من أكبر المنن. وسأجعل بإذن الله منزلكم السامي محل إقامتي؛ لتكثر أوقات اللقاء والأنس.
وأشكر الأستاذ على التهنئة بسلامة عقيلتي (١) من المرض الذي ألم بها أشهرًا، ثم أنعم الله بكشف الكرب وإزالة الخطر. وقد رافقتني إلى الشام وهي في دَور النقاهة، راجيًا لها تمام العافية.
في النية العود إلى مصر في أوائل الشهر الآتي "أغسطس"، أرجو التفضل بإبلاع أعز تحيتي لحضرات الأساتذة: سيدي علي رضا، وسيدي موسى الكاظم، وحضرات الأنجال الكرام: سيدي الفاضل، وسيدي عبد الملك (٢)،
_________________
(١) السيدة زينب رحيم من عائلة مصرية محافظة، آل رحيم.
(٢) الابن الثاني للإمام محمد الطاهر بن عاشور، تلقى علومه بالمدرسة الصادقية، وعمل في الوظائف الإدارية، ويشرف على "المكتبة العاشورية". ولد في المرسى بضواحي تونس الشمالية سنة (١٣٣٢ هـ - ١٩١٣ م).
[ 11/ 2 / ١١٧ ]
وسيدي زين العابدين (١).
وأخونا الشيخ زين العابدين يقدم لكم أزكى السلام، وعند كتابة هذا الخطاب كان في المجلس الأستاذ بهجة البيطار (٢)، فرغب مني إبلاغكم تحيته وإجلاله لكم، وإنا لفي سرور بالغ من الأخبار التي نتلقاها عن علم الأستاذ الفاضل بن عاشور ونبوغه.
ولا زلنا نسمع عنكم أطيب الخبر وألذه للنفس، أبقاكم الله للعلم والفضيلة والصداقة التي هي المثل الأعلى.
وتفضلوا بقبول أسنى تحيتي وعظيم احترامي
حافظ عهدكم
محمّد الخضر حسين
في ٢٥ رجب ١٣٦٣ - دمشق
_________________
(١) الابن الثالث للإمام محمد الطاهر بن عاشور، وأصغر أولاده، عمل بالوظائف الإدارية. ولد في المرسى، وتوفي بها. (١٣٣٤ - ١٣٨٦ هـ = ١٩١٥ - ١٩٦٦ م).
(٢) محمد بهجة بن بهاء الدين بن عبد الغني بن حسن بن إبراهيم الشهير بالبيطار. عالم جليل لغوي باحث، من أصل جزائري. ولد بدمشق، وتوفي بها (١٣١١ - ١٣٩٦ هـ = ١٨٩٤ - ١٩٧٦ م)، تولى الخطابة والتدريس في جامع كريم الدين الشهير بالدقاق حتى وفاته. كان عضوًا في المجمع العلمي العربي بدمشق، وعمل فترة في مكة المكرمة، وقام بالتدريس بعد عودته في مدارس دمشق، وكلية الآداب، وكلية الشريعة بالجامعة السورية. له تصانيف عديدة منها: حياة شيخ الإسلام ابن تيمية - تفسير سورة يوسف - الرحلة النجدية الحجازية.
[ 11/ 2 / ١١٨ ]
[حاشية]
وأرجو إبلاع تحيتي للأستاذ سيدي محمود محسن، والأستاذ الشيخ سيدي محمد المقداد الورتتاني.
[ 11/ 2 / ١١٩ ]