بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فضيلة العلامة النحرير (٢)، ومجد الإسلام الذي هو بعلاجه بصير، الأستاذ صديقي الوحيد الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور (٣)، أيَّده الله تعالى.
_________________
(١) هذه أول رسالة بين الأخوين الإمامين: محمد الخضر حسين، ومحمد الطاهر بن عاشور، وصداقتهما حديث المجالس والناس بصفائها وصدق مشاعرها. بعث بها من مدينة "بنزرت" عندما كان قاضيًا فيها سنة (١٣٢٣ هـ - ١٩٠٥ م) إلى صديقه في مدينة تونس. والرسالة خالية من ذكر السنة التي حررت فيها، وإذا كانت خطبة قضاء الإمام سنة ١٣٢٣ هـ، فتكون هي سنة التحرير.
(٢) الحاذق الماهر العاقل المجرب المتقن الفطن البصير بكل شيء لأنه ينحر العلم نحرًا.
(٣) محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، إمام تونس، فقيه لغوي أديب مؤرخ، (١٢٩٦ - ١٣٩٤ هـ = ١٨٧٩ - ١٩٧٣ م)، تلقى العلم بجامع الزيتونة على يد كبار الشيوخ، منهم: صالح الشريف، وسالم بو حاجب، وإبراهيم المارغني، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجار، ومحمد النخلي، وأحرز على شهادة التطويع سنة (١٣١٧ هـ - ١٨٩٦ م)، عمل مدرسًا في الجامع الأعظم سنة (١٣٢٤ هـ - ١٩٠٣ م)، وقاضيًا مالكيًا. وسمي: شيخ الإسلام المالكي، سنة (١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م)؛ كما سمي شيخنا لجامع الزيتونة وفروعه سنة (١٣٦٤ هـ - ١٩٤٤ م). =
[ 11/ 2 / ٧ ]
تحية كاملة، وتشوقًا مفرطًا، ورد عليَّ مكتويكم يشفّ عن مودة شريفة الغاية، طاهرة الذمة، بعد أن قلبت وجه الانتظار إليه ليالي وأيامًا.
ثبطني (١) عن مكاتبكم أيها الصديق قبل وروده -مع قوة الباعث على الأخذ بأطراف الأحاديث بيننا- ما هتف على خاطري من أنها ربما قصرت بها الأهمية أن تطأ موطئًا ينال من الالتفات نيلًا. علّك أيها النقّاد تعلق على هذا الاعتذار ملامًا أطول باعًا مما قبله مما يلوح على ظاهره من مبدأ سوء
_________________
(١) = ويقول فيه الإمام محمد الخضر حسين: "وللأستاذ فصاحة منطق، وبراعة بيان، ويضيف إلى غزارة العلم وقوة النظر: صفاء الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه، وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم". سافر لأداء فريضة الحج، وزار المشرق وأوروبا، وشارك في مؤتمر المستشرقين سنة ١٩٥١ بإستنبول. زار دارنا في دمشق عام ١٩٥١ م، وسعدت برؤياه، وألقيت بين يديه قصيدة. من مؤلفاته: التحرير والتنور، بالتفسير، في ثلانين مجلدًا - أصول الإنشاء والخطابة - أليس الصبح بقريب - قصة المولد النبوي الشريف - مقاصد الشريعة الإسلامية - شرح قصيدة الأعشى في مدح المحلق - الوقف وأثره في الإسلام - النظام الاجتماعي في الاسلام - التوضيح والتصحيح حاشية على التنقيح للقرافي في أصول الفقه - كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ - موجز البلاغة - النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح - أصول التقدم في الإسلام - أمالي على دلائل الإعجاز - شرح ديوان الحماسة - ديوان بشار بن برد - الواضح في مشكلات المتنبي، وغيرها.
(٢) ثبطه عن الأمر ثَبْطًا، وثَبَّطه تثبيطًا: عوَّقه ويَطَّأ به عنه، وفسره الجوهري بـ: شغله عنه.
[ 11/ 2 / ٨ ]
الظنة، فأعترف بأنه هاتف خيالي، وما كنت بالرجل الذي تؤثر عليه عوامل الخيال، ويتبع آثار روايته قبل أن يتخبطني البعاد من الحس، أخشى أن ألقي إليك بمعذرة تزاحم الشواغل عليَّ، فلا تدفع حرج الملامة من الصدر دفاعًا بليغًا. لا أمتري (١) أن من الأشغال حقوقًا لا يرضى أربابها غير اقتضائها (٢) خلاف شأن الحقوق الودادية من التربص بها إلى مساعفة الغرض ولا جناح. بيد أني يتمثل في فراغ بعض دقائق من الوقت، فأراها فرصة مساعفة على عمارتها بمناجاة ذلك الودود، فيتردد مع النفس هاجس عتاب، لا يسكن إلا بعد حين أغالب فيه الخيال.
من ها هنا آثرت ذلك الاعتذار، وإن كان محلًا للتعليق، واقتبست من مكتوبكم عن التخلف عذرًا واضحًا غير ما صرحتم به إلي.
بشرتموني باقتراب وفائكم بموعد الزيارة، عندما يأخذ الشيخ منبع الآداب في تمام الشفا والارتياح. وعراني أسف على ما عرض للشيخ من السقم، فنرجو له مزيد العافية والسلامة، ويبلغ له منا أتم السلام.
نبأتموني بموضوع المسامرة التي أردتم التفضل بها، وهو غرض صعب المراس، وما هو عن جنابكم الذي أبدع السباحة في لجج الفصاحة والتحرير ببعيد المنال، وقد عقدت القصد على الحضور ليلتها إن شاء الله.
أما ما أشرتم إليه من انتخابي لإلقاء مسامرة أدبية أو علمية بناء على ما طلبه منكم رئيس جمعية قدماء المدرسة الصادقية (٣)، فلا أظنه يعسر، فإن
_________________
(١) امترى في الشيء: شكَّ فيه.
(٢) إشارة إلى انصرافه إلى العمل القضائي، وإعطائه كل وقته للقضاء بين الناس.
(٣) تكونت "جمعية قدماء الصادقية" آخر سنة (١٣٢٣ هـ - ١٩٠٥ م) في مدينة تونس، =
[ 11/ 2 / ٩ ]
رأى جنابكم عرض بعض موضوعات تلائم منهج الجمعية أرسل بها إليَّ عسى أن نعيّن منها ما يمكن لنا تحريره في أجل مسمى، ودمتم في عز وتأييد.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
كتب يوم الأحد ١٤ في صفر
_________________
(١) = وابتدأ نشاطها أوائل سنة (١٣٢٤ هـ - ١٩٠٦ م). وهدفها: ربط أواصر الإلفة والتعاضد الودادي بين من ضمتهم "المدرسة الصادقية"، وتلقوا علومهم فيها. والعمل على إصلاح المجتمع وتطويره ثقافيًا، ويث العلوم العصرية من أجل النهوض بالبلاد في شتى نواحي الحياة. وشارك في التأسيس: علي بأس حانبة، والبشير صفر، وخير الله بن مصطفى، وغيرهم وفي تقرير الجمعية لعام ١٩٢٤ م ذكرت في معرض نشاطها: "فأسست دروسًا ليلية بحارات المدينة كانت تلقى بها أهم ما تحتاجه العامة من مبادئ العلوم الرياضية وأصول القراءة والكتابة وسعت جهدها في تغذية النخبة المستنيرة بمسامرات في موضوعات شتى جلبت إليها أكابر العلماء والأدباء من زيتونتين ومدرسين وإفرنسيين فكنت ترى في ناديها أمثال المرحوم الشيخ سيدي محمد النخلي، وفضيلة النحرير سيدي الطاهر بن عاشور والأستاذ الضليع الشيخ الأخضر بن الحسين (الإمام محمد الخضر حسين) يخلبون الألباب بنفثات قرائحهم ". وما زالت قائمة حتى اليوم.
[ 11/ 2 / ١٠ ]