ما النَّجْمُ تَجْري بهِ الأفْلاكُ في غَسَقِ كالدُّرِّ تَقْذِفُهُ الأقْلامُ في نَسَقِ
_________________
(١) خليل بن أحمد مختار مردم بك، شاعر الشام، ورئيس المجمع العلمي العربي، استلم وزارة المعارف والخارجية. ولد وتوفي بدمشق (١٣١٣ - ١٣٧٩ هـ = ١٨٩٥ - ١٩٥٩ م)، له ديوان شعر مطبوع، ومن مؤلفاته: شعراء الشام في القرن الثالث - أئمة الأدب - جمهرة المغنين - الأعرابيات. مناسبة القصيدة: كان الإمام محمد الخضر حسين مقيمًا في دمشق، وعزم على الارتحال منها إلى تونس، فكتب إليه الشاعر الكبير خليل مردم بك وزير خارجية سورية رئيس المجمع العلمي العربي بها في ذاك العهد كتابًا رقيقًا قال فيه: "سيدي! إن من خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه، معرفتي إلى الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي وإخوانه الفضلاء، وصحبتي لهم، فقد صحبت الأستاذ عدة سنين رأيته فيها الإنسان الكامل الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ، فما زلت أغبط نفسي على ظفرها بهذا الكنز الثمين حتى فاجأني خبر رحلته عن هذه الديار، فتراءت لي حقيقة المثل: "بقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاصل". فلم يعد لي إِلا الرجاء بأن يكون لي نصيب من الذكر في قلبه، وحظ من الخطور على باله، لذلك فأنا أتقدم بهذه القصيدة الوطنية لتكون لي رتيمة عنده، وذكرى =
[ 11/ 2 / ٣١ ]
لَقَدْ سَلَوتُ مُحَيَّا الْبَدْرِ إذْ طَلَعَتْ عَقيلَةُ الطِّرْسِ والأجفانُ في أرَقِ (١)
وكُنْتُ أرْشُفُ مِنْ جَدْوى بَلاغَتِها راحًا فَيَهْدَأُ ما في الجَأْشِ مِنْ قَلَقِ (٢)
تَخْشى إذا أفْصَحَتْ عمَّا تَوَهَّجَ مِنْ حَماسَةٍ أن تَشُبَّ النَّارُ في الوَرَقِ
فَألْبَسَتْها أساليبَ النَّسيبِ، وَكَمْ ذاقَ الحَشا لَوْعةً مِنْ ناعِسِ الحَدَقِ
هِيَ "الرَّتيمَةُ" فيما قالَ مُبْدِعُها وَهَلْ يَغيبُ السَّنا عَنْ طَلْعَةِ الْفَلَقِ (٣)
إنِّي عَلى ثِقَةٍ مِنْ أن ذِكْرَكَ لا يَنْفَكُّ مُرْتَسِمًا في النَّفْسِ كالخُلُقِ
وكَيْفَ أنسى "خَليلًا" قَدْ تَضوَّعَ في حُشاشَتي وُدُّوُ كالعَنْبَرِ الْعَبِقِ
وفي الوَرى خَزَفٌ لَكِنْ تَبَرَّجَ في نضَارَةِ الذَّهبِ الصَّافي أوِ الْوَرِقِ
وَلَوْ عَصَرْتَ بِكَفِّ النَّقْدِ مُهْجَتهُ لَما تَقاطَرَ غَيْرُ الضِّغْنِ والْمَلَقِ (٤)
لا عَتْبَ إنْ ضاقَ باعي في القَريضِ فَلمْ يُضِئْ كما ضاءَت الجوْزاءُ في الأُفُقِ
_________________
(١) = أحد المخلصين إليه، أمتع الله به، وأدام الكرامة، وكتب له السلامة في حله وترحاله". ٥ صفر سنة ١٣٣٨ ثم أتبع الخطاب بقصيدة مطلعها: طيف للمياء ما ينفك يبعث لي في آخر الليل إن هوَّمت أشجانا
(٢) الطرس: الصحيفة.
(٣) الجأش: نفس الإنسان.
(٤) الفلق: ما انفلق من عمود الصبح.
(٥) الملق: اللطف الشديد، الود.
[ 11/ 2 / ٣٢ ]
فَإنَّ إحْساسيَ الشِّعْرِيَّ أوْشَكَ أن يَجودَ بالنَّفَسِ الأقْصى مِنَ الرَّمَقِ (١)
لَمْ تُبْقِ لي حادِثاتُ الدَّهْرِ مِنْهُ سِوى أَثارَةٍ كَبَقايا الشَّمْسِ في الشَّفَقِ (٢)
حافظ عهدكم
محمّد الخضر حسين
القاهرة صفر سنة ١٣٣٨
_________________
(١) الرمق: بقية الروح، جمع أرماق.
(٢) أثارة: بقية.
[ 11/ 2 / ٣٣ ]