تلقى الإمام قصيدة من الشيخ علي النيفر العالم الأديب -المنشورة في الحاشية- بعث بها من تونس فأجابه بالقصيدة التالية:
رَعى الله حُسْنَ الْعَهْدِ هَزَّ قَريحَةَ فَألْقَتْ عَلَيْنا مِنْ حَلاها فَرائِدا
وَما الْكَلِمُ الْفُصْحى سِوى دُرَرٍ إذا تَلاقَتْ عَلى الْقِرْطاسِ صارَتْ قَلاِئدا (٢)
وَرُبَّ قَصيدٍ هاجَ ذِكْرى تُثيرُ مِنْ تَباريحِ شَوْقِ ما يُذيبُ الجَلامِدا (٣)
قَصيدٌ بَدا مِنْ أُفْقِ أرْضٍ نَشَأْتُ في مِهادِ رُباها لا عَدِمْتُ الْقَصائِدا (٤)
أبا الحَسَنِ اسْتَسْمَنْتَ ذا وَرَمٍ أما تَرى عَزْمَهُ بَيْنَ الجَوانِحِ خامِدا (٥)
_________________
(١) من مشاهير علماء جامع الزيتونة، تلقى فيه العلم، ثم درَّس فيه، عالم وشاعر وأديب، ولد وتوفي بتونس (١٣١٨ - ١٤٠٥ = ١٩٠١ - ١٩٨٥ م)، له كثير من القصائد الشعرية في شتى الأغراض.
(٢) الكلم: جمع الكلمة. القرطاس: الصحيفة التي يكتب فيها. القلائد: جمع القلادة: ما جعل في العنق من الحلي، وقلائد الشعر: البواقي على الدهر؛ أي: التي لا تزال محفوظة لا تنسى لنفاستها.
(٣) الجلامد: جمع الجلمد والجلمود: الصخر.
(٤) الأرض: يريد بها تونس حيث ولد الشاعر. المهاد: الفراش والأرض.
(٥) أبا الحسن: الشيخ علي النيفر.
[ 11/ 2 / ١٢٤ ]
وَلا خَيْرَ فْيمَنْ عادَ صارِمُ عَزْمِهِ كَهامًا وَيَرْضى أنْ يُسَمَّى المُجاهِدا (١)
وأَطْرَيْتَ ظمآنَ اسْتَبانَ لِداتُهُ مَوارِدَ عِرْفانٍ وَضَلَّ الموارِدا (٢)
نَظَرْتَ بِعَيْنِ الوِدِّ سيرَتَهُ فَما دَريتَ الَّذي تَدْرِيه لَوْ جِئْتَ ناقِدا
حَمِدْنا سُراكُمْ يَوْمَ وافَيْتَ قادِمًا عَلى الطَّائِرِ المَيْمونِ لِلْحَجِّ قاصِدا (٣)
طَلَعْتَ عَلَيْنا وَاْشتِياقي لِتونُسٍ يُقَلِّبُ جَمْرًا بَيْنَ جَنْبَيَّ واقِدا
فَأَهْدَيْتَ طاقاتِ مِنَ الأُنْسِ طالما بَكَرْتُ لَها بَيْنَ الخَمائلِ ناشِدا (٤)
لَقِيتُ بِلُقْياكَ الأريبَ الَّذي حَكى بِسيرتِهِ الحَسْناءِ جَدًّا وَواِلدا (٥)
ذَكَرْتُهما عِنْدَ اللِّقاءِ، وَإنَّما ذَكَرْتُ عُلومًا جَمَّةً ومَحامِدا
وَلَمْ أَنْسَ أَنْ كانَ المُوَقَّرُ جَدُّكُمْ غَداةَ امْتِحاني مُسْتَشارًا وشاهِدا (٦)
فَنَوَّهَ بي عَطْفًا وَتَنْويهُ مِثْلِهِ يُرَوِّجُ ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِيَ كاسِدا
_________________
(١) كَهام: كليل، يقال كَهِم السيف: كَلَّ.
(٢) أطريت: بالغت في المدح. لِدات: جمع لِدَة: وهو الذي ولد معك وتربى.
(٣) السُّرى: سير عامة الليل. الطائر الميمون: يقال: "سر على الطائر الميمون": دعاء للمسافر، ويقال: "هو ميمون الطائر"؛ أي: مبارك الطلعة.
(٤) الطاقات: جمع الطاقة، وهي القدرة على الشيء. بكر؛ أتى بكرة. الخمائل: جمع خميلة: الموضع الكثير الشجر.
(٥) الأريب: العاقل، والماهر والبصير.
(٦) هو المرحوم العلامة الشيخ محمد الطيب النيفر القاضي المالكي في تونس لذلك العهد.
[ 11/ 2 / ١٢٥ ]
بِعَيْشِكَ حَدِّثْني عَنِ المَعْهدِ الَّذِي قَضَيْتُ بِهِ عَهْدَ الشَّبيَبةِ رائدا (١)
حَظِيتُ بِأَشْياخِ مَلأْتُ الْفُؤادَ مِنْ تَجِلَّتِهِمْ لَمَّا خَبِرْتُ الأَماجدا
بَيانُ أديبٍ يَقْلِبُ اللَّيْلَ ضَحْوَةً وفِكْرَةُ نِحْريرِ تَصيدُ الأَوابِدا (٢)
فَلَمْ يُرِني أَدْرى وأَنْبَلَ مِنْهُمُ رَحيلٌ طَوى بي أَبْحُرًا وَفَدافِدا (٣)
وَيَأْبى قَريضيِ وَهْوَ ضَيْفُ حِماكَ أنْ يَمُرَّ بِمَرسىَ المَهْدَوِيِّ مُحايِدا (٤)
فَلي في نقَاها جِيِرةٌ كُنْتُ أقْنَني طَرائفَ مِنْ إيناسِهمْ وَتَلائِدا (٥)
فَدَعْهُ يُحَيِّيهمْ حِفاظًا لِعَهْدِهِمْ وَيَأْوِي إلى مَغْناكَ في الطِّرْسِ عائدا (٦)
محمّد الخضر حسين
القاهرة - محرم ١٣٦٩
_________________
(١) المعهد: جامع الزيتونة بتونس. الرائد: الرسول الذي يرسله القوم ينظر لهم مكانًا ينزلون فيه.
(٢) النحرير: الحاذق الماهر العاقل المجرب المتقن، البصير بكل شيء؛ لأنه ينحر العلم نحرًا. الأوابد: جمع الآبدة، وهي القافية الشاردة.
(٣) الفدافد: جمع فدفد، وهي الفلاة.
(٤) مرسى المهدوي: بلدة في ضاحية تونس.
(٥) النقا: القطعة من الرمل. الجيرة: يعني بهم: صديقه العلامة المرحوم محمد الطاهر ابن عاشور.
(٦) المغنى: المنزل. الطرس: الصحيفة. * نص قصيدة العالم الأديب الأستاذ علي النيفر: أزج القوافي شرَّدًا وأوابدا لحمى يعجُّ مكارمًا ومحامدًا =
[ 11/ 2 / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأنخ كرائمها لديه فساحُه ترعى القصيدَ ولا ترد القاصدا غيل الأعارب ملتقى أبطالهم وربيعُ مُسنتهم وحسبك رافدا حيث الرضا الخضر الحسين تخال ما يبديه من غرر البيان قلائدا حيث ابتنى في مصرللخضراء من عرفانه علمًا يغيظ الحاسدا أعلى منارًا "للهداية" في مغا نيها فعاد به المغفل راشدا وبه "لوا الإسلام" يخفق عاليًا فأظل ممرورًا وأدفأ صاردا قد أذكرانا منه صرح "سعادة" عظمى بتونس كان أعلى شائدا والأزهر المعمور حبَّرَ سِفره حقبًا وأطلع في سماه فراقدا ولكم به قد بثَّ علمًا نافعًا نقع الغليل لمن أتاه واردا يحكي الذي أحيا به "زيتونة" الـ ـعرفان في علم أضاء معاهدا "والمجمع اللغوي" في مصر غدا فيه لما يعلي العروبة ماهِدا وبحسبه أن راح يرأس "جبهة" لدفاع من ناوى المغارب صامدا ما زال يرأسها بعزمة أيّدٍ في صحبة الأبرار يدأب ذائدا سبحان من أولاك علمًا واسعًا وتقى وخلقًا مثل خِيمك ماجدا يا فخر تونس يا ميمم من نأى عنها بمصر مهاجرًا أو واردا يا أنس مغترب وموئل لاجئ وكفى بما شهد البرية شاهدا أهدي لكم مني تحتية شائق لكريم خلقكم الهنيّ مواردا ما زالت أذكرها بمصر مجالسًا لكمُ علينا قد نثرن فرائدا أبقاك من رقاك أرفع رتبة وحباك في كل الأمور مَراشدا وبقيت من كل الخطوب مسلَّمًا لجميع ما ترجو وتأمل واجدا تونس - ٢٧ ذو القعدة ١٣٦٨ هـ
[ 11/ 2 / ١٢٧ ]