سافرت صباح يوم الأحد إلى (بور سعيد) (١)، ومررنا على جانب من فتحة السويس التي وصلت البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وحقّ لي عندما بلغت إلى مجمع هذين البحرين أن أذكر بيتين كان العلامة البليغ صاحبنا الشيخ السيد محمد الطاهر بن عاشور (٢) قد أرسلهما إليّ في بطاقة يدعوني بها إلى زيارته حيث حل بحضرته اثنان من أولي العلم والأدب، وهما:
_________________
(١) مدينة "بورسعيد" على قناة السويس.
(٢) من كبار علماء تونس، ومن الأصدقاء الأوفياء للإمام. انظر ترجمته في كتابه: "تونس وجامع الزيتونة".
[ 11/ 3 / ٦٨ ]
تألقت الآداب كالبدر في السحر وقد لفظ البحران من موجها الدُّرَرْ
فما لي أرى منطيقها الآن غائبًا وفي مجمع البحرين لا يفقد الخَضِرْ
شأن القرآن في سرد القصص وضربها أمثلة الاكتفاء بماله مدخل في الموعظة والاعتبار، فتجده -في الغالب- لا يصرح بأسماء الأماكن التي تجري فيها الوقائع؛ كقصة ملاقاة موسى للخضر - ﵉ -؛ فإنه لم يعين المراد بمجمع البحرين؛ حيث لا ينبني على التعيين فائدة في الإرشاد؛ لأن الحكمة من مساق هذه القصة: التذكير بما اشتملت عليه من المحامد والآداب؛ كسفر العالم للازدياد في العلم، وتكبده المشاق في السير له، ولو بعدت المسافة سنين؛ فإن موسى - ﵇ - يقول: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]، والإيماء إلى أن التوكل: اعتماد القلب على الله، لا في نكث اليد من الأسباب؛ فإنه - ﵇ - حمل معه الزاد، ودلّ على هذه بقوله: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] إلى غير هذا من الفوائد، ولكن بعض المفسرين كثيرًا ما يسردون أقوالًا في أسماء ما جاء مبهمًا في القرآن؛ كاختلافهم هنا في المراد من البحرين، فقيل: هو بحر فارس والروم، وقيل: بحر القلزم (١) وبحر الأردن، ومجمع البحرين عند طنجة، أو بإفريقيا، وقيل: هو بحر الأندلس والبحر المحيط، والتعيين في مثل هذا لا يعول عليه إلا إذا جاء به حديث صحيح، ومن العجائب قول بعضهم كما نقله الأبي في "التفسير": إنه يقع في نفسي أن مجمع البحرين هو مجتمع البحر المالح، ووادي مجردة عند الدرسة، وهو الذي يقال له: حرق الجسرين، والصخرة: صخرة أبي ربيعة، والجدار في "المحمدية".
_________________
(١) القلزم: مرفأ قديم على البحر الأحمر يرجع إلى عهد الفراعنة.
[ 11/ 3 / ٦٩ ]