عقدت العزيمة على الظعن في الساعة الثامنة صباحًا من اليوم الخامس
_________________
(١) نشرت هذه الرحلة في العددين الأول والثاني من مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها الإمام في تونس عام ١٣٢٢ هـ كما نشرت في كتابه: "السعادة العظمى".
[ 11/ 3 / ٢٦ ]
من الشهر المذكور (شهر رمضان سنة ١٣٢٢ هـ) (١)، واتخذت سبيلي في البر؛ لأنه أجمل منظرًا، وأقل خطرًا، فانسحب بنا القطار وهو يطوي البيد طيًا، ويجوب من المفاوز الفسيحة مكانًا قصيًا، إلى أن نفخ نفخة الغيور الكريم، ثم سار سيرًا رويدًا، واستوى على محطته الواقعة على جناح من بلد "سوق أهراس" (٢) في الساعة الرابعة مساء.
فهبطت متدليًا إلى المنزل الذي أعدّ لنا، وبعد أن نفضت نقع على ما علق بنا من النصب، تطوفنا في أغلب مناهجها المتسعة، وفسحنا الخاطر في بناءاتها المتناسبة، ولعدم أكبر ساحتها يمكن الإحاطة بها في مدة وجيزة. وعند مغيب الشفق توجهت إلى مسجد لاغتنام فضيلة الجماعة، وبعد أن قضيت الصلاة، وتأهبنا للانصراف، قام من الجماعة رجل تلوح على وجهه سمة أهل العلم، ودنا مني، وسلم عليّ سلام ذي المعرفة، ثم مسك بيدي، وتقدم بي إلى محراب المسجد، وأومأ إلي بالجلوس، ثم استدارت الجماعة على هيئة درس، ورأيت في يد أحدهم سفرًا، فالتفت إلى ذلك الفاضل، وقلت له: هل لكم درس في هاته الساعة؟ فقال: نعم، درس في التوحيد، ولكن نريد أن نعوضه بمسامرة علمية معكم. فجرت على بساط المسامرة مسائل بعضها في العبادة، وبعضها في غير ذلك، منها: قول بعض المسترشدين: هل كان النبي - ﷺ - يحلق رأسه أم لا؟ وما حكم عدم الحلق؟
فكان الجواب: أن الآثار الصحيحة تدل على أنه - ﷺ - لم يحلق لغير نسك، فيحتمل أن يكون ترك الحلق من باب ترك الأخذ بالعرف، والجري
_________________
(١) ويوافق يوم ١٢ تشرين الثاني - لعام ١٩٠٤ م.
(٢) سوق أهراس: بلدة على الحدود الجزائرية التونسية.
[ 11/ 3 / ٢٧ ]
على ما هو العادة عند قومه، وعلى هذا، فمن جرى عرف قومه بالحلق، كان الأولى في حقه العمل على مقتضاه، ويحتمل أن يكون على وجه التشريع، فيكون سنّة، وهو ما فهمه أَبو الوليد الطرطوشي، وابن العربي، وصرّحا بأن حلق الرأس لغير نسك بدعة، والذي يقوى في النظر: أن ترك الحلق هو من باب العادة، فلا يعد الحالق مبتدعًا، وقد يقال: لا تثريب على من ترك حلق رأسه بقصد التأسي بالنبي - ﷺ -؛ فإن الصحابة والسلف الصالح كانوا يحافظون على الأسوة به في العادات؛ كما يحافظون عليها في السنن، فيعارض بأن الشارع قد أمر بموافقة ما جرى به العرف في غير ما شرّعه.
وبعد أن ختمت المسامرة، وانفضت الجماعة، تجاذبنا مع ذلك المدرس محادثة خاصة، فاستجلينا من خلالها: أنه الشيخ محمد الصالح بن الشايب العدل بالمحكمة القضائية.
ومما جرى في خاتمة المجلس لفظ: "منطاد"، فقلنا: هو الآلة التي تطير في الهواء المسماة بالبالون، وهو لفظ عربي، في "القاموس" (١): الانطياد: الارتفاع في الهواء صعدًا، والمنطاد: البناء المرتفع.
ويوجد في هذه البلد مدرس آخر، وهو الشيخ عبد المجيد، كنت في السنة الفائتة أتيت المسجد الذي يدرس فيه "المختصر الخليلي"، وقد سبقت لنا معرفته بالحاضرة، فرحب بنا، وأحسن لقاءنا، ثم سعى بنا إلى محل الدرس، فجلس عن يسارنا، وشرع في تقريره بطريقة مقتصدة خالية عن التطويل، بعيدة عن الاختصار، وطالعُ الدرس: قول صاحب المختصر: "وعفى عما يعسر"، وبأثر انقضائه عقدنا معهم المسامرة، اشتمل غالبها على تفسير
_________________
(١) "القاموس المحيط".
[ 11/ 3 / ٢٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢﴾ الآية. وعلقنا عليها ما حضرنا في فضل التعليم والتعلم.